الأربعاء 26 أيلول/سبتمبر 2018

الأزهر قبل أن يتحول إلى جزء من المشكلة

الاثنين 03 نيسان/أبريل 2017
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

تحول الأزهر إلى ‘خلافة’ يحكمها ‘أمير المؤمنين’ الذي يملك صلاحية تسيير حياة مواطنيها، سيقود إلى فوضى تدنيس الدين بمياه السياسة القذرة، ثم نجلس لنبكي على الدين والسياسة معا.

الأزهر هو عصب الدين الإسلامي الوحيد الذي لا يزال قائما. هذه حقيقة لا تقبل المساومة. مؤسسة الأزهر هي الحائط الذي يتكئ عليه بعض مما تبقى من الإسلام المعتدل الذي نحاول استعادته منذ أزمان ولت.

لكن المشكلة هي أن الأزهر يريد أن يتحول تدريجيا من عصب الإسلام، إلى عصب المجتمع بأسره. نظرة مشايخ الأزهر اليوم هي أن حقهم الطبيعي أن يبدوا آراءهم في الفن والثقافة والتعليم وقضايا الأسرة والتشغيل والنظام المصرفي وحتى في العلاقات الخارجية. هذه نظرة نابعة أساسا من رؤية الأزهر لنفسه كمؤسسة فوق قومية وفوق قطرية. نحن نتعامل هنا مع رؤية عالمية لدور يرفض أن يكون محليا منذ الخمسينات.

لا يرى الشيخ الأزهري نفسه اليوم جالسا في المسجد الذي من المفترض أن يكون مكانه الأصلي. لجوء الناس إليه في كل صغيرة وكبيرة من تفاصيل حياتهم اليومية جعله أكثر تطلعا نحو توجيهها وفقا لرؤيته، ومسك الخيوط المتصلة بتصورات الناس وطموحاتهم وطريقة نظرتهم للأمور.

هذا الدور لم يظهر فجأة. منذ سقوط الملكية في مصر كان التراكم اليومي لمزج الدور السياسي والاقتصادي والاجتماعي للدولة، مع الدور الديني والشرعي للأزهر، يسير في اتجاه تحويل الأزهر إلى قوة اجتماعية لا يمكن تجاوزها. صعود هذا الدور أيام الرئيسين المصريين أنور السادات وحسني مبارك كان نقطة العودة إلى نفس مكان التموضع الذي كان الأزهر يحتله في عقول الناس قبل حكم محمد علي.

وقتها لم تكن ثمة نخب أخرى من الممكن أن تزاحمه على قيادة المجتمع. كان الأزهري المعمم هو صفوة القوم ومرجعيتهم في كل شيء. كان بمقدور الأزهر مثلا تحدي السلطة السياسية القائمة، سواء كانت سلطة وطنية أو احتلالا أجنبيا.

منذ عصر الأيوبيين مرورا بالمماليك والعثمانيين وحتى الاحتلال الفرنسي، الذي انتهى عام 1801 بثورة قادها طلاب الأزهر وعلماؤه، كانت المؤسسة قوة حقيقية تستطيع إجبار الحاكم على اتخاذ قرارات بعينها أو التراجع عن قرارات أخرى. جاء محمد علي عام 1805 ووضع حدا لهذا النفوذ الذي كان يشكل عقبة أمام خططه التحديثية الكبرى.

سلوك الأزهر اليوم هو تكرار أكثر عمقا لحقبة الهيمنة، قد يحوّله إلى عقبة أمام انتقال غالبية المسلمين إلى مرحلة الحداثة. اختراع الطائرة وظهور وسائل إعلام بدائية كالراديو ومن بعده التلفزيون حفّزا الأزهر للعب دور يتخطى حدود المنطقة العربية. التكنولوجيا حولت الأزهر إلى مؤسسة عالمية تعتقد أنها الحامي الوحيد للإسلام السني، وتتصرف على هذا الأساس. لكن لم يكن الأزهر وحده من يملك هذا الطموح المغامر.

التكنولوجيا أيضا هي جسر عبور السلفيين مياه الخليج العربي نحو جنوب شرق آسيا، ومياه البحر الأحمر نحو أفريقيا. منذ صعود الخميني إلى الحكم في إيران عام 1979، كان رد الفعل السني بداية لظاهرة فكرية واجتماعية جديدة تجعل من المذهب الحنبلي المتشدد رؤية إسلامية جامعة.

التقت تصورات الأزهر والسلفيين معا في نقطة واحدة: التنافس على الأممية. بعد سباق بين المكانة التاريخية للأزهر وقوته الناعمة المتمثلة في مئات الآلاف من الآسيويين والأفارقة الذين درسوا في معاهده، توصل الجانبان إلى صيغة توافقية. أموال السلفيين المستمدة من ثورة نفطية هائلة، تسير أسفل مظلة عقائدية أزهرية. هذه العقيدة “المعتدلة” صارت مستعدة لتقديم تنازلات فكرية والقبول برؤى أكثر تشددا من أجل تعويض نقص الموارد، والحفاظ على التمدد الأممي في مساره الطبيعي.

هذا من الناحية العقدية والفلسفة الدينية التي شكلت وعي العالم الإسلامي على مدار خمسة عقود. السياسة كان لها شأن آخر. تنظيمات الإسلام السياسي ظلت تعمل طوال هذا الوقت بصخب في الداخل، وحافظت على هدوء متعمد في الخارج. فلسفة حركات مثل الإخوان المسلمين كانت تقوم على الابتعاد عن الأرض التي نجح الأزهر والسلفيون في مسكها في آسيا أو أفريقيا. ملعب الإخوان الأساسي هو أوروبا.

ليس ثمة تأثير ملموس للأزهر في أغلب الدول الأوروبية. المساجد، التي تشكل بالنسبة للمسلم المهاجر الذي يرفض الاندماج في المجتمع، وطنا بديلا هي معاقل للفكر الإخواني، ومراكز انطلاق لسيطرته على المجتمع. نادرا ما تجد شيخا أزهريا، وفي نفس الوقت ليس إخوانيا، يؤم الناس في صلاة الجمعة، قبل أن تعرف أن الحكومة البريطانية جرته من مصر جرا.

خوف الأزهر من الاقتراب من مركز ثقل جماعات الإسلام السياسي في أوروبا، انعكس في شكل خوف مقابل بين العرب والمسلمين من كل شيء يأتي من الأزهر. هؤلاء الناس لم يقتربوا من هذه المؤسسة أو يتعرفوا عليها بشكل جيد. صار كل ما يسمعونه عنها هي أنها مؤسسة انحدر بها الحال واخترقها الإسلاميون إلى درجة جعلتها تدرّسُ مفاهيم سلفية متشددة، بدلا من أن تحاربها.

هذا ليس النموذج الذي يتطلع إليه المسلمون المعتدلون في الغرب كي يكون طوق النجاة من بيئة التطرف التي خلقها الإخوان وتحكّموا من خلالها بالجاليات المسلمة في الغرب. يقول المسلمون اليوم “إذا كان الأزهر سيأتي بمناهجه الرجعية هذه كي يحررنا من قبضة الإخوان، فعليه أن يبقى مكانه أفضل”.

هنا تعود مشكلة الدور الذي يسوء فهمه كثيرا بين أروقة الأزهر مرة أخرى. على الأزهر أن يفهم أن “شرعية الدور” التي منحها له المسلمون كمرجعية فلسفية تتآكل كل يوم، والسبب هو انحراف بوصلة المؤسسة العريقة عن ماهية هذا الدور المنتظر أن تقوم به.

تحول الأزهر إلى “خلافة” يحكمها “أمير المؤمنين”، الذي يملك صلاحية تسيير حياة مواطنيها، سيقود إلى فوضى تدنيس الدين بمياه السياسة القذرة، ثم نجلس لنبكي على الدين والسياسة معا. ليس صحيحا أن من حق الأزهر أن يتدخل في تفاصيل المجتمع ومكوناته وسياسة ترتيب حياة الناس. إذا كان هو من سيفعل ذلك، فما هو دور الدولة؟

الالتباس في العلاقة بين الجانبين يتمثل في أن الدولة تنظر إلى الأزهر باعتباره مرجعية وطنية من المفترض أن تبارك أي خطوة تخطوها الدولة في الاتجاه الصحيح. الأزهر ينظر إلى الدولة باعتبارها جزءا من محيط تأثيره، وليس العكس. التراكم التاريخي دفع الاثنين ببطء إلى الوصول إلى آخر طريق مفتوحة على خيارات مختلفة أمام كل طرف لحسم رؤيته تجاه الطرف الآخر.

برأيي الحسم في يد الدولة وليس العكس. الطرف الآخر لا يملك هذه القدرة على المبادرة، لكنه يملك قدرة هائلة على الدفاع. أقصر الطرق إلى إرباك أي إجراء تُقْدم الدولة على اتخاذه هو التصرف وفق تصور “المرجعية العالمية”، وتحويل القضية الوطنية إلى مسألة إسلامية. إذن ماذا تستطيع الدولة فعله؟

لا حل سوى القضم التدريجي من الصلاحيات الهائلة التي يتمتع بها الأزهر. هذه الصلاحيات لم تتحول إلى حق مكتسب للمؤسسة في يوم وليلة. استغرق الأمر عقودا وتنازلات سياسية تاريخية. استعادة هذه الصلاحيات قطعة قطعة هي الطريق الحتمية نحو إعادة الأزهر مرة أخرى إلى مكانه الطبيعي كمرجع ديني “استشاري”.

ليس صحيحا أن الأزهر هو الحامي المفترض للدين. هذه المهمة هي صلب مهام الدولة. منذ عصر الرسالة وصولا إلى النصف الثاني من القرن العشرين، لم يعرف المسلمون هذا الشكل من “الكهنوت” الديني من قبل.

مآلات صعود نظام الولي الفقيه في إيران كانت “كهنوتا شيعيا” قلب أسسا دينية ومذهبية ثابتة في المنطقة منذ قرون. تحول الأزهر إلى “كهنوت سني” مقابل سيحول المنطقة إلى معادلة البروتوستانت والكاثوليك الدموية التي عرفتها أوروبا.

مجرد الاقتراب من هذا النموذج هو لعب بالنار قد ينتهي بانهيار الأزهر والدولة وكل معنى للحياة البائسة أصلا التي يعيشها الناس في العالم الإسلامي. اليوم نحن نقف عند أقرب نقطة وصل إليها المسلمون طوال تاريخهم باتجاه هذه الهاوية. على أحد أن يوقف عجلة السير، ويكافح من أجل إعادتها للدوران، لكن في الاتجاه المعاكس.

نقلا عن العرب




الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.

neque. justo facilisis venenatis Praesent Donec