الأربعاء 21 نيسان/أبريل 2021

كارل ماركس ..الراسمالية والثورة

الجمعة 31 آذار/مارس 2017
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

نشر موقع كتابات فى تاريخ 24. 3. 2017 مقالا للاستاذ على الاسدى بعنوان “مستقبل الماركسية”, واقدم بدورى بعض الافكار حول الموضوع الذى مازال حيا منذ نهاية الاتحاد السوفيتى والكتلة الشرقية.

يحلو لكثير من المثقفين النظر الى ما جاء وما تنبأ به ماركس فى دراستة وتحليله للنظام الرأسمالى قد قفى عليها الزمن ولم تعد ذو اهمية علمية رصينة, خاصة, ان الثورة التى تنبأ بها وانها سوف تنطلق من المجتمعات الرأسمالية المتقدمة, الا ان الثورة لم تحدث, كما ان الاشتراكيات التى اقيمت فى الكثير من الدول , بداية فى روسيا القيصرية, المتخلفة مع ثورة اكتوبر 1917, وبعد الحرب العالمية , وبروز الاتحاد السوفيتى قوة دولية عظمى تكونت كتلة الدول الشرقية بقيادة الاتحاد السوفيتى وتولت الحكم الاحزاب الشيوعية فى بولونيا ,المانيا الشرقية, جيكوسلوفاكيا وهنغاريا. هذه الاحزاب لم تقود الجماهير نحو الثورة ونجت فيها وانما نصبت فى الحكم من قبل القيادة السوفيتية
انها اشكالية كبيرة ان يقوم نظاما اشتراكيا, يقوم على مبدأ الملكية العامه فى بلد متخلف , لم يكن للانتاج الرأسمالى والعلاقات الرأسمالية ان تلعب فيه دورا مؤثرا, وذلك للمستوى البسيط لتطور قوى الانتاج, ان هذه الدول لم تجتار العملية الاولية والاساسية فى تراكم الرأسمال ما ينعكس على استمرار العلاقات القبلية والاقطاعية وما قبل الاقطاعية. ان هذه القضايا تنعكس فى سلوك ومواقف السكان تجاة نوعية النظام الجديد الذى لم يدركوه ولا يستطيعون ادراكه وبذلك يصعب عليهم التفاعل معه ناهيك عن القدرة الفكرية لتقبله والتوافق معه, هذا بالاضافة الى ان تطور قوى الانتاج كما هو حال راسماليات دول اوربا الغربية كان رفيعا قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية, وهذا يعنى تنوعا كبيرا فى القطاعات الانتاجية والخدمية والقدرة على توفير احتياجات السكان بجهود معقولة, كما تطور شبكة البنى التحتية والضمان النسبى للحقوق والحريات فى المجتمعات البرجوازية, و

الاحزاب ومنظمات المجتمع المدنى بالاضافة الى استقلالية القضاء والدور المهم لوسائل الاتصال الجماهيرية يساعد على تنمية الوعى والادراك للقطاعات الواسعة فى المجتمع بحيث يمكن الوصول الى قنوات واخبار تكشف الكثير من خطط وتوجهات الحكومه والتى يمكن ان تكون فاعلة فى طرح افكار اخرى ووعى اخر. هنا يكمن تأكيد ماركس على اندلاع الثورة فى الدول الرأسمالية المتقدمه, وكذلك بالنسبة للبروليتاريا حملة للثورة.الا ان العالم الرأسمالى واصحاب العمل (البرجوازية) لم تكن غبية ان تترك الامور على سوئها وتطرفها وتتصاعد التناقضات الى ان تصل الى نقطة الانفجار وبذلك يمكن ان يخسروا مواقعهم وثرواتهم وقيادتهم للمجتمع والدولة, وعلية فقد خططوا وعملوا بوعى للوقوف

والتصدى لتصاعد التناقضات المجتمعية, وكانوا من الذكاء والحنكة ان تكون الاصلاحات التى قاموا بها , تحسين اوضاع العمال بشكل عام لم تكلفهم مبالغ طائلة وانما قد استفادوا منهاماديا ونجحوا فى تدجين البروليتاريا.

من الضرورى الاشارة الى ان “ماركس الاقتصادى”, دراسته للنظام الراسمالى واكتشاف قوانينه لازالت صحيحة لحد الان, وحتى علماء الاقتصاد الراسماليين يقرون ذلك, قانون فائض القيمة, الاتجاه التنازلى للربح فى زيادة الراسمال الثابت, وليس اخيرا الازمات البنيوية الدورية للنظام الرأسمالى وعلاقة العمل الراسمالى بالاغتراب…ألخ

لم يكن كارل ماركس مخطئا فى تاكيده على اندلاع الثورة فى الدول الرأسمالية المتطورة, واكد ايضا على ان اوضاع العمال البائسة واستغلالهم من قبل اصحاب العمل سوف تزداد حدة. الا ان الرأسماليين واصحاب المصانع لم يكونوا اميين واغبياء وكانوا يتمتعون بقابلية كبيرة على استقراء الاحداث وتطوراتها وكانوا بنفس الوقت على دراية ما يصدر عن الحركات الاشتراكية وتطور الحركة العمالية. لقد كانوا على معرفة تامة بطريقة عملهم وتكوين ثرواتهم واين مصدرها. اذا لم يشاركوا فى الحركة الفكرية ضد الحركات العمالية عن طريق النشر والتأليف, فقد كانوا شديدى النشاط فى ايجاد الحلول المناسبة والتى لا تتعارض مع مصالحهم للحد من الاوضاع البائسة للعمال. كانت الشخصيات الصناعية الكبيرة فى امريكا مثل هنرى فورد وشخصيات اخرى مثل كروب وسيمنس فى المانيا على درجة عالية من الذكاء فيما يتعلق بعملهم ومصالحهم. هنرى فورد كان رائد فى هذا المجال حيث بنى مساكن للعمال الذين يعملون فى مصانعه. ان بناء مساكن رخيصة للعمال كانت ذو فائدة كبيرة لاصحاب العمل ايضا وقد كان لها تاثير كبير على استقرار العمل واستمراره فى مصانعهم والالتزام بالشروط التى يضعها المعمل, كما ان العامل الذى لايلتزم بالشروط تنتهى علاقته بالمعمل ويفقد مسكنه. لقد قام كبار الصناعيين فى اوربا وامريكا ببناء مساكن لعمالهم ايضا. الا ان هنرى كان عبقريا وتوسع فى تقديم “الخدمات” لعماله, فقد فتح سوبرماركتات يتسوق منها العمال, واندية ووسائل للترفية كالسينما, كل ذلك بأجور معقولة. فى الحقيقة ما كان يدفعه هنرى فورد من اجور للعمال, يستعيدها ثانية من الخدمات التى يقدمها, واخذ العمال يشعرون بالراحة والاطمئنان وتحسنا فى اوضاعهم العامة. الا ان الخطوة الكبيرة التأثير فى تحويل العامل من “البروليتارى” و”عنصر الثورة” الى “برجوازى مصغر” يحلم بالاستهلاك ويتساوى مع ابناء شرائح الطبقة الوسطى : هنرى الذى يبحث دائما لتوسيع مصانعه لانتاج السيارات عن اسواق وزبائن توجهه نحو العمال الفنيين الذي تسمح اجورهم ان يبيعهم السيارات بالتقسيط المريح.

,خاصة ان اسعار السيارات , بعد العمل فى نظام “القايش الدوار” قد انخفضت تكاليف الانتاج واخذ السيارات تعرض تقريبا بنصف اسعارها السابقة. وبما ان هذا النظام الانتاجى له القدرة الهائلة على زيادة الانتاج والانتاجية, كان هنرى واعيا جدا لما يقوم به عندما اخذ يبيع سياراته على العمال. لقد حقق هنرى فورد ماديا وايديولوجيا نصرا تاريخيا كبيرا: ان العامل الفنى الذى يسكن فى بيت والذى ليس بعيدا عن مراكز التسويق والترفية, والان اصبح يقود السيارة, واخذ يصحب زوجته واطفالة فى رحلات ونزهات للتمتع بالراحة

والطبيعة, قد تجاوز واقعه المادى والاجتماعى البائس الا انه اصبح مثقلا بالديون ودفع الاقساط الشهرية, كما اخذت تطلعاته ورغباته فى النمو, ولكن هذا لا يمكن مقارنته بساعات النشوة والكرامة والاعتزاز بالنفس واحلام اليقض واخذ يرفض ان يوصف بالعامل والبروليتارى. ان تدجين الطبقة العاملة واكتسابهم وعى طبقى اخر يعتبر من اكبر المنجزات التى حققتها البرجوازية فى مسيرتها والتى ما زالت فاعلة لحد الان. مازال “البروليتارى” الذى فقد انتمائه الطبقى يعيش فى قلق دائم, ان يتم الاستغناء عنه لاسباب عدة, ازمة دورية, تلاشى قوة المنافسة للمصنع وعدم القدرة على التجديد, او تهديد اصحاب العمل بنقل مصانعهم الى الصين او فيتنام او…الخ, انه بشكل وبأخر اخذ يتسابق فى تقديم الطاعة والرضى والولاء للنظام بشكل عام.

ان التحسنفى اوضاع العمل بشكل عام, الاجور , الاجازة السنوية, الضمان الصحى والاجتماعى ..الخ, اذا تم مقارنتها بما وصل الية الرأسماليونمن مواقع فاعلة جدا فى المجتمع, كما ان ثرواتهم قد اصبحت هائلة ضخمة , انها نوع من الخيال, بحيث ما يحصل علية العمال من اجور وضمانت اجتماعية لا يساوى 1: 2000 من

ان صعود البرجوازية الى قمة الهرم الاجتماعى والاقتصادى, قامت بصياغة وتشكيل المجتمع وفقا لتطلعاتها ومصالحها وجعلت منها فلسفة للحياة وبناء المجتمع, كما اخذت التدابير اللازمة لتامين استمراريتها فى مواقعها الاقتصادية الاجتماعية من خلال السلطة التنفيذية بشكل خاص لتضع الخطط والوسائل التشريعية والادارية لتنظيم المجتمع. ان وسائل الاتصال الجماهيرية كانت وما زالت تلعب دورا فاعلا فى تعميم فلسفة البرجوازية والمساهمة فى ايجاد التبريرات لمختلف التجاوزات التى تحصل بين الحين والاخر,لقد تم الى حد ما سياسيا تحييد شرائح واسعة من المجتمع وابعادها عن السياسة وبالتالى تم كسبها من مختلف احزاب الحكومات المتعاقبة, ومع ذلك استمرت التناقضات المجتمعية سارية حية لحد الان.

ان الازمات الهيكلية الدورية للراسمالية سوف تحصل مستقبلا ايضا, ولكن الحلول قد قدمتها الحكومات, لان اصحاب العمل لم يستطيعوا الحد من فوضى الانتاج, ان فوضى الانتاج هى احد اركان النظام الرأسمالى, كل صاحب عمل يخطط لنفسة ويستغل كل فرصة مناسبة, لايوجد مخطط اولى للمجتمع ككل, وما هى نوعية وكمية الانتاج , لمادة ما, لسنة او اكثر, هذا ما يسميه ماركس بـ”تدمير قوى الانتاج” ان الحكومات قدمت الحلول حفاضا على الاقتصاد القومى من الانهيار, وكانت التكاليف باهضة جدا على الدولة وبالتالى على حساب الشعب, ان الازمة المالية العالمية التى كان البنوك وبشكل خاص البنوك الامريكية تعد من اكبر الكوارث والفضائح فى القرن الواحد والعشرون, فقد كلفت دول الاتحاد الاوربى والولايات المتحدة 2,6 بليون يورو لانقاذ الاقتصاد القومى من الانهيار. ويفرض السؤال نفسة, اليس هذه الازمة تعبير عن تناقضات النظام الراسمالى الهيكلية,ان هذه الازمة تعبير صريح عن عدم صلاحية النظام المصرفى العالمى والفوضى العارمة التى تسيطر على عمله ومناهجه. ويبقى ما اكد علية ماركس من تناقض “اجتماعية العمل”,

العمل من قبل الملايين والاستحواذ على الارباح من قبل نفر قليل من الرأسماليين واصحاب العمل, وحينما تحصل الانهيارات فأن الشعب يتحمل التكاليف الباهضة.

ان فشل تجربة الاشتراكية فى الاتحاد السوفيتى لا يعنى عدم قدرتها على الحياة والتطبيق, وكان لهذه النهاية اسباب موضوعية واخرى ذاتية. ان تطبيق الاشتراكية فى بلد متخلف لم تتطور فيه قوى الانتاج ولم تتطور فيه اساليب العمل والعلاقات الرأسمالية ودون حضور الجماهير الشعبية الواسعة, خاصة الفلاحين. من ناحية اخرى ان الظروف الدولية بعد الحرب العالمية الثانية التى حكمتها الحرب الباردة, كانت فى واقع الامر التجربة الاشتراكية والدولة السوفيتية فى خطر دائم, ولم تقوى على مجابهته فى نهاية الامر




الانتقال السريع

النشرة البريدية