الأحد 23 أيلول/سبتمبر 2018

المحققة والصعلوك

الثلاثاء 21 شباط/فبراير 2017
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

كانت أناملهُ ترتعش وهو يطرق عدة طرقات على باب مكتبها ألأنيق – مكتب لايُسمح بالدخول إليهِ إلا من كانت على وشك الولادة أو أن هناك ثمة خطبٍ عصيب يلوح في أفق جدولها المعد سلفاً لوضع طفل جديد . أشارت له بالجلوس في المقعد المقابل لمكتبها. حدق في أعماق عينيها الصافيتان وتحفز للدخول معها في حوار طويل :

– أنتِ تتهمينني بالخذلان ومحاولة تشويه آخر ماتبقى لي من خريف العمر في هذا العالم الدامي المتصارع في كل ألاتجاهات.

– عن أي شيءٍ تتحدث؟ لم أفهم الطلاسم المرسومة بين كلماتك الغامضة !

– طالعتُ بدقة كافة الوثائق الرسمية التي بعثتيها لي من خلال ألأحلام الكثيرة المنتشرة على أرصفة شوارع المكتبات وشارع المتنبي وشارع الربيع.

– هل تقصد المحضر ألأخير الذي يشير الى عدم السماح له بالتداول خارج ضجيج الشاشات؟

– نعم هذا ماأقصدهُ . رجال ألأمن الذين يخضعون لسلطتكِ ورجال التمريض المكلفون بالتنقل بين الردهات الطويلة لمراقبة المرضى – أمثالي- أبلغوني بوجوب الحضور أمامك للدفاع عن آخر مقتنيات الكتب التي حصلتُ عليها من تفاسير العقل اللاواعي ..أخاف من بطشكِ ألأنثوي كثيراً لهذا السبب أسرعتُ الخطى لتلبية نداء المحضر الرسمي.

– لم أرسل في طلبك يوما ما , ولن أرسل أي وثيقة رسمية لاستدعائك للمثول أمامي . أنت لاتشكل أي وجود في دفاتري الصغيرة أو الكبيرة. أنت لاتندرج في حقل إختصاصي أصلاً. من قذف في ذهنك هذه ألأمراض الكثيرة لدرجة الهلوسة؟

– لاتحاولي أن تمثلي دور ألأنثى المغلوبة على أمرها..الفتاة الضعيفة الحالمة التي قذفت بها ظروف الوجد وطارت بها الى عالمٍ وهمي مشبع بخيالاتٍ لاتنتهي. أعرف كل شيء عنك دون أن أقابلكِ يوما ما على أرض الواقع.
“..أطلقتْ ضحكة عالية جداً رجّت أركان المكتب ألأنيق. “

– إسمع يا رجل ..أنا لاأعرفك ولم يسبق لي مداولة الحديث معك على أرض الواقع. لم أوجه لك يوما ما خطاباً للمثول أمامي في هذا المكتب المخصص للفراشات الجميلة التي تحمل في بطونهن مخلوقات صغيرة تخرج للنور في زمن محدد لتشارك هذا العالم مصائبه وأفراحه. لماذا تحاول جاهداً الدخول الى عالمي الخاص؟ أنا – مريضة- نسبياً لكنني الطريق الوحيد لعلاج المريضات . لملم أوراقك وأرحل الى مكان آخر..الى عالم تجد فيه كل ماتحلم فيه وتمارس هواياتك كما تشاء. لدي أعمال كثيرة..أكثر مما تتصور . أشعر بألأرهاق. لماذا تحاول إرهاقي أكثر من طاقتي؟ أنا أحترم المخلوقات البشرية بكافة صنوفها. أنت مجرد رقم بشري أضعهُ في قائمة المخلوقات البشرية التي أحترمها. دعني أكمل عملي وإرحل الى عالمك.

حاول أن ينهض من مكانه ويذهب الى أحلامه وخيالاتهِ بلا رجعه بَيْدَ أنه عاد للجلوس مرة أخرى وراح يلتهم عينيها الصافيتان بنهم لامثيل له.

– من خلال التبليغ الذي تلقيتهُ من أحد رجالات ألأمن التابعين لسلطتكِ وجدتُ العبارة التي تقولين فيها ” ..غير مسموح له بالتداول خارج ضجيج الشاشات , وإستنفار ألواح المفاتيح والمجاملات الخافتة , حتى لو أنتهى بك ألأمر الى طلب مساعدة المحققين ” . هذه العبارة رسمت في صدري ضرباً من ضروب ألأمل الخافت وقليلاً من الريبة . حسناً وطبقاً لخطابك شديد اللهجة ها أنا بين يديكِ أطلب مساعدة من المحقق حيث سيكون له ألأمر المطلق في إصدار تعليمات تتعلق بقبول أو رفض القضية المطروحة للنقاش . أخشى أن تصدري مرسوماً أنثوياً يحليني الى رماد أو الى جثة معلقة في حبلٍ لايمكن أن يخطئ في حز رقاب الخونة والأبرياء على حدٍ سواء .
– أنت تعقد المسألة أكثر مما تستحق. ولو أنني كأنثى أتمنى أن أصدر عليك مرسوماً يحيلك الى ضباب يتناثر على أمواج البحر في يوم عاصف ..أمواج لاتعرف الركود. أنت تحاول أن تدخل معركة حامية الوطيس لن تنجو منها مهما حاولت التفنن في وضع فنون قتال على محاور جبهات مفتوحة على مصراعيها في كل ألاتجاهات. أنت مسكين حقاً لاتدرك مدى القوى الجبارة التي في حوزتي. . لاتعرف الخرائط الشائكة التي رسمتها وأرسمها كل يوم من أجل بناء سور حصين يتجاوز سور الصين في عظمتهِ. أنا تركيبة بشرية خاصة لايفهمها أمثالك أو لنقل من حاول أن يستحوذ على سلاح فتّاك- وهو القلم- أنا أرثي لحالك. أنت تحاول أن تصل الى طبقات لايمكن الوصول إليها مهما حاولت لأن إمكانياتك محدودة. أتت شحاذ..شحاذ جسور تحاول أن تشيد جسوراً معلقة في الهواء. أنا أدرك معنى ألألم الكبير الذي يربض على قلبك. أنا الوحيدة في هذا العالم التي دخلت عقلك دون تخطيط مسبق. أنا الحلم الذي يراودك ليلاً ونهاراً. أنت أسير..أسيري أنا بالذات. ألأسرى تراكيب معقدة لايفهمها إلا من عاش في معسكرات ألأسرى سنوات وسنوات. أنت تتضور جوعاً لكل شي وأنا المنقذ الوحيد لك في هذا الكون..لكن..هناك ألف لكن تقف في طريق تحقيق حلمك الكبير. أنت حالم والحالمون مجانين مثلي بالضبط. أنا مثلك أسيرة وعانيت الكثير في معسكرات أسري. مذ كنتُ في صباي وأنا احلم بشيء معين لكنه ذهب مع الريح وتركني وحيدة ألعق جراحاتي بصمت. أنا مهشمه من الداخل لكنني أتظاهر بالسطوة والجبروت وتدمير ألآخرين بطريقة لايعرفها كل من سكن على هذه ألأرض. أنا نشأت في بيئة خاصة لاتستطيع أنت إقتحامها مهما حاولت. كان يزورني في أحلامي كل ليلة وكنت أبكي ساعات وساعات.. تركني الى عالم آخر . حقدتُ عليه لكنني لازلت أحبه ليس في يدي..تأتي أنت ألان بعد كل تلك السنوات وتحاول شراء مكانه؟؟ أنت مجنون. أنصحك أن تكف عن هذا الهراء وتجد لنفسك منفذاً آخر يعيد لك توازنك الهش …

– أعرف كل حرفٍ من حروفك – أفسرها بطريقتي الخاصة . أحياناً أجد بعض حروفك وكأنها رُسِمت لي وحدي- وأحياناً أخرى أغضب منك لدرجة الموت لأنني أجدها تخاطب مخلوقاً آخر , تشير الى حبٍ ضائع كان قد داعب شغاف قلبك يوماً ما لكنك ِ خسرتِ كل شيء. معركة كانت تحتدم في قلبك قذفت بكِ الى عذاباتٍ لاتنتهي. حياتكِ الخاصة لك وحدك. .وعشقك المنهار يوما ما لايهمني لأنه لايدخل في صلب موضوعي المعقد. جئت الى هنا للدفاع عن نفسي عن تهمه وجهها لي خطابك الرسمي وفي نفس الوقت قدمتُ للمثول أمامكِ من أجل الحفاظ على صيرورة ألاتهام- ومعاودة المثول أمامك لإكمال التحقيق. بالنسبة لي أن التحقيق المستديم هو رحمة مطلقة لي من أجل الحضور والجلوس معك ساعات طويلة وأنتِ توجهين لي أسئلة لاتنتهي. أسئلة عن سبب تورطي في هذه القضية المعقدة. نعم أنا متورط بطريقة خاصة ..متورط في حبكِ..عشقكِ..حلم العيش معك بقية ساعات الخريف..ربما الصيف والخريف والشتاء وبقية الفصول ألأخرى إن وُجِدِتْ…..

– ” ..لكنك تنتحل شخصية رسام تلطخ أصابعك بمعجون الطماطم وتثمل بإناء نقيع الفُرش, تزوّر جدران الرسم, وتفترض أجساد نساء من غير رؤوس؟؟؟”

– هذا إتهام ليس له أساس من الصحة. لم أنتحل يوماً شخصية إنسان آخر. لم أحاول يوماً ما أن أشوه الحقيقة..ربما تحملين في عقلك اللاواعي صورة مأساوية عن أي رجل يحاول ألاقتراب من أنوثتك من جمالك الهادئ- بالمناسبة أنا لايهمني الجمال الصوري- ما يهمني هو جمال التميز في صورة ألأنثى. أنتِ أنثى متوسطة الجمال – لأكون صادقاً معكِ لكنكِ في ذات الوقت تحتوين جميع صفات الجمال المرسومة على خارطة الحياة وهذا مايشدني إليكِ. أنا لاأبحث عن مجرد أنثى ذات جسد يشبه أجساد الفتيات – الكرواتيات- وعيونهم الزرقاء كما يفعل صديقي تاجر ألأقمشة حينما أخبرني أمس بأنه عقد العزم على ألارتباط بعد شهرين من ألآن بفتاة – غير عذراء- من كرواتيا. يالسخافة القدر. أنا لستُ من هؤلاء الذكور لاأقول الرجال- الذكور الذين يبحثون عن لذة من جسد أنثى يسيل لها لعاب جميع الذكور . هذا هو الضياع بعينهِ . أنا شخصيا أفضلك على كل العذراوات والثيبات على هذه ألخارطة التي نطلق عليها إسم الحياة.

” إنتهى التحقيق لهذا اليوم على أمل إكمالهِ بعد فترة غير محددة – يحددها المحقق..عفواً المحققة..حينما تكون في فراغ نسبي من عملها الذي لاينتهي …”




الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.

venenatis Lorem Donec amet, id eleifend felis