الثلاثاء 26 أكتوبر 2021
17 C
بغداد

في الحمام

(من دفاتر طفولتي)
في زاوية من الحمّام وضع موقد (بريمز) يتدفق غضبا .. ينتهي برأس  حديدي  محمر  تتدفق  منه نار زرقاء فيها بعض الاخضرار والاصفرار مصحوبه بهدير قوي وكأنك دخلت مخبز لفرن الارغفه ، ولو أردت أن تتكلم لأحد يسمع صوتك لفرط الفوضى في أجواء ذلك الحمّام .. يحيط رأس المشعل مسند حديدي ، ووضع فوقه قدر كبير من الماء المغلي ..
العمليه برمتها لاتخل من المخاطر التي راحت ضحيتها أرواح العديد من المساكين ، سواء نتيجة ألتسمم الناتج من غاز الموقد ، أو لأنقلاب قدر الماء المغلي لكون المسند غير محكّم أحيانا  ، أو لم يوضع القدر عليه بشكل متوازن ..
وعندما كانت الوالده تسوقنا الى الحمّام ونحن في حالة البكاء والصراخ ، وكأننا نسوّق الى دوائر الامن لغرض التعذيب ..
كنا ندرك جيدا ماذا ينتظرنا في ذلك الحمّام اللعين للحد الذي صرنا نمقت أيام الجمع التي تكون عملية الاستحمام والتعذيب  فيها في الغالب ..تبدأ عملية الاستحمام بقيادة الوالده بالماء الحار وصابون الحلب (الرقي) وتبدأ معه حرقة العيون نتيجة ماء الصابون  دون الاكتراث للبكاء والصراخ الذي يذوب مع صوت الموقد ، تعقبها فرك عنيف بليفة الحمام المشعره ، وكانت تلك الليفه عندما تلامس أجسامنا الناعمه ونحن صغار نخالها أشواك قاسيه تجعل اجسامنا محمرّه تماما ..
أما مسك الختام يكون مع حجر الحمّام بأنتظار أسفل القدمين ، ثم سكب الماء الحار  ، وتلتف المنشفه الكبيره لتحتضن اجسامنا الصغيره ، ونتنفس الصعداء لأنتهاء حفلة التعذيب التي ستعقبها مع اخي الاخر ..
أخرج من الحمّام  لاعنا أياه ، وأقف قبالة المرآة الكبيرة في غرفة النوم  ، وأنظر الى وجهي تلفت نظري العيون المحمرّة  نتيجة ماء الصابون .. وهكذا الى أن ينتهي جميع افراد الاسره من الاستحمام ، وطيلة هذه المده يستمر هدير صوت الموقد دون انقطاع ..
يقينا لمن تجاوز الستين أو السبعين من عمره فما فوق يتذكر تلك الايام  وذلك الحمّام ، وربما يحن اليها ..
أن الذي جعلني أتذكر تلك الايام فهو حال النازحين الذين يفتقرون حتى الى تلك الحمّامات البدائيه ، وهم يضطرون للاغتسال داخل الخيم ، أو في أماكن تغلفها طبقات من الصفيح ، وربما في العراء !!..
ترى متى يعود هؤلاء المهجّرين الى ديارهم ويضعوا خاتمة لعذاباتهم ويداو جراحهم ؟..

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
742متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

المأساة الكبرى

وتستمر المأساة للشعب العراقي بعد عام 2003 بعد إزاحة نظام ديكتاتوري دموي لا يؤمن بالحرية ويشوبها انتهاكات جسمية في حقوق الإنسان، ودخل المحتل الى...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

محطات من السفر

اليوم تشير درجات الحرارة في انقرة الصغرى الى تحت الصفر بينما العظمى الى عشرة درجات ولكن الجو بين مشمس وغائم وتشعر عندما تسير في...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

مفاجأة سقوط أفغانستان على يد طالبان بهذه السرعة!

لم تستفد أمريكا من دخول الاتحاد السوفيتي السابق الى افغانستان عام 1984 بطلب م الرئيس الافغاني الاسبق (نجيب الله). الا ان الرئيس الامريكي الاسبق (جورج...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

أجيال تأكل أجيالا!!

أستمع لحوار يجمع بين الكاتبين الكبيرين المصريين مصطفى أمين وأنيس منصور , وتظهر فيه روح التواصل ورعاية الأجيال وتشجيعها , وإعانتها على العطاء والنماء...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

العراق والسودان ..وسيناريوهات الإنقلاب !!

كان هناك سيناريو يتردد في العراق قبيل الانتخابات ، مفاده أن القوى التي يطلق عليها بـ " المقاومة العراقية " مع تشكيلات فتح وقوى...

القبول بهذه الانتخابات عارٌ مابعده عار

أصبح واضحاً لجميع الشرفاء الغيارى من العراقيين أن الانتخابات الأخيرة هي الأسوء في تاريح العراق على الاطلاق ، وهي تمثل أكبر تحدي لنا وأن...