الجمعة 22 أكتوبر 2021
21 C
بغداد

تعلمت الدرس من لسعات السوط

 من دفاتر طفولتي
 ابان الستينات في مدينة كركوك لم تكن هناك أبسط وسائل تسليه أو لهو للاطفال ، ولما كنا صغارا نفتقر الى اهم حلقه مهمه نقضي خلالها بعض المتعه خلال فترات الفراغ الواسعه ، كنا نلتجئ الى المشاكسه والعبث ، ونثير الفوضى في البيت والمدرسة والمحلة ..
في يوم صيفي ، وفي منطقة شاطرلو ، مرقت عربة في الشارع العام تجرها حصانان .. أغرتني ان اهرول واتبعها ، واجلس على الانبوب الرابط بين إطاريها الكبيرتين ، واختفي تحت مظلتها .. كيف لا وان هذا الانبوب كان يخلو هذه المره من الاسلاك الشائكه التي توضع في الغالب لتحاشي جلوس الاطفال في هذا المكان المغري لهم..
المهم جلست في هذا المكان وأنا أشعر بسعادة عارمة ..كنت أشم رائحة روث الحصانين ، وأطرب لسماعي وقع حوافرهما ، وكأنها موسيقى رائعه ، وكلي قناعة ان صاحب العربه لم ينتبه لي .. 
لكن لم تمض العربه سوى بضعة أمتار ، واذا بسوط السائق يأتيني على وجهي بدلا من أن يصوب الى الحصان محدثا صوتا فيييييييييييييوووووو ..
شعرت خلالها بحرقه وألم شديدين .. تكوّرت في مكاني .. واذا بضربة أخرى ، وثالثه.. أما الرابعه فكانت القاضيه حيث جاءت على اذني اليسرى ، فأسقطتني على الارض ، وصرت أتدحرج وأفرك براحة يداي الصغيرتين آثار الضربات المبرحة ..كنت محظوظا لأني نجوت من السيارات التي أعقبت تلك العربة ..
من يومها تعلمت الدرس ، وكنت كلما أشاهد هذه العربات التي تجرها الفرس أتذكر لسعات الضربات وحرقتها ، والعن طفولتي ..
ما دعاني الى تذكر هذه الحادثة مشاهدتي لأطفالنا اليوم ولعبهم الالكترونيه الحديثه والمتطورة والتي تستجيب لمخيلتهم لمجرد لمس شاشاتها الملساء بأصابعهم الصغيرة ، وانا أتسائل مع نفسي ترى لو كانت هذه التكنلوجيا متوفرة في زماننا هل كنا نعبث ونشاكس ونملأ الدنيا فوضى وضجيجا ؟؟ 
اليوم برغم وجع الضربات المتلاحقه جراء ذلك السوط اللعين أحن الى طفولتي ، والى كركوك ومحلاتها وأزقتها : –  شاطرلو – القلعه – عرفه – حديقة مستر تيسو – الكانتين – سينما العلمين الصيفيه – سينما الخيام – شارع اطلس – سوق القيصريه – امام قاسم – قوريه – والمحطه ، و..و..و.. أحلم أن تعود تلك البانوراما الرائعه  برغم حرماننا من كل وسائل اللهو واللعب ..
عنكاوا

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
739متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

كيف يحمي الشيعة انفسهم ؟

قبل الجواب على السؤال علينا ان نسال من هم اعداء الشيعة ؟ هل هو الحاكم ، ام المنظمات الارهابية ، ام الامم المتحدة ومن...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الى أنظار السادة في البنك المركزي العراقي

في مبادرة إنسانية رائعة أطلق البنك المركزي العراقي سلفة مالية لموظفيه لتمكينهم من شراء دار سكن لهم . وهذه مبادرة رائعة يشكر عليها القائمون...

وعي الجماهير بين مشروعين دويلة الحشد الشعبي وشبح الدولة القومية

(إلى الأمام نحو انتفاضة أخرى) لقد نجحت العملية ولكن المريض مات، هذه الجملة أقل ما يمكن أن توصف بها الانتخابات، التي طبلت وزمرت لها حكومة...

لا يرحمون ولا يريدون رحمة الله تنزل!

لعلك سمعت بالعبارة الشائعة التي تقول "تمسكن حتى تمكن!" والتي تطلق عادة على الشخص المنافق الذي يصطنع الطيبة والبراءة حتى يصل الى هدفه ثم...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

العراق..والعودة لعهود الإنقلاب!!

الإنقلابات هي السمة الغالبة على حياة العراقيين منذ أن بزغ فجر البشرية ، ويجد فيها الكثير من ساسة العراق ومن دخلوا عالمها الان ،...

معضلة رئيسي

لاتزال وسائل الاعلام العالمية تتابع وعن کثب موضوع دور الرئيس الايراني ابراهيم رئيسي في مجزرة عام 1988، والمطالبات الاممية المتزايدة بمحاکمته أمام المحکمة الجنائية...