الجمعة 26 شباط/فبراير 2021

نعم لزواج القاصرات!!

الأربعاء 08 حزيران/يونيو 2016
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

لما كل هذه الضجة التي يحدثها مناصرو حقوق المرأة ونشطاء المجتمع المدني ومنظماته في أدنى الارض واقصاها، حول زواج الفتيات الصغيرات او القاصرات.. لمّا كل هذا؟!
كنت واحدة منهم، فيما مضى، أرفض بشدة زواجهن، وأصرخ بوجه كل من يؤيد ذلك، وأشعر بمرارة تملأ جوفي كلما سمعت قصة جديدة عن فتاة صغيرة يتم تزويجها بطريقة ما، حتى انفجرت ذات يوم في وجه احد الامهات (وهي تعمل معي)، عندما اخبرتني بانها ستزوج بناتها ذوات الثلاث عشر والاربع عشر عاما، وقبل أن ألقي حمم غضبي عليها، أسرعت بالقول لأنها تعرف ماذا سأقول لها: (ماذا افعل؟ ابوهم يخرجهن للعمل عمّالة!! الشتاء الماضي يعدن الى البيت وايديهن الصغيرة مدماة من العمل والبرد.. ولا يعطيهن اجر عملهن ايضا.. لا يصرف عليهن، بناتي سخرة عمالة لأبيهن.. دعيني ازوجهن حتى يتخلصن من هذا الاب).
بحثت عن صوتي فلم أجده، أردفت الأم تقول بحزن يقطع القلب: (انا اعرف ان ما اقوم به جريمة بحق بناتي، ولكني احاول انقاذهن من استغلال ابيهن وظلمه لهن.. دعيهن يذهبن الى حياة أفضل)، فتساءلت: (وهل ستكون حياتهن افضل)؟ أجابت: (ساعطيهم لعائلة جيدة، اعرفهم جيدا.. يعاملون المرأة بشكل جيد).
لم أجد ما أقوله لهذه الام، على الرغم من امتلاكي لمفردات القاموس كلها.
طأطات رأسي وأخذت أجوب الوجع الانساني لعلي أبحث عن مخرج لما أنا فيه، لقد فقدت قدرتي على الاقناع.. قدرتي على الصراخ بوجه هذه الام.. قدرتي على ان أجعلها لا تفعل.. لا تزوج بناتها الصغيرات. فماذا بوسعي ان أقول لها؟!
وأنا أجوب ذلك الوجع، ألتقيت بأخرى، تريد تزويج ابنتها الصغيرة ذات الستة عشر عاما، وقبل ان أصرخ بوجهها مستعرضة عضلاتي الصوتية، قالت بوهن: (سيدتي، اني أحميها من أبيها.. يتحرش بها بأستمرار، ولا استطيع حمايتها، لتذهب الى رجل آخر لعله يكون قادر على حمايتها).
أدركت حينها، بعد ان استمعت الى امهات اخريات اخبرنني سرّ تزويج بناتهن الصغيرات والذي يفوق في كثير من الأحيان ما نعتقده نحن (النشطاء والناشطات) بانه العوز المادي او الجهل او الاعراف.. انه سرّ يختزن كلُّ قبح العالم، ذلك القبح المسكوت عنه والذي يحرم الخوض فيه في مجتمعنا.
نعم، لماذا ترفضون تزويج القاصرات؟!
هل لديكم قدرة على حمايتهن؟!
هل نملك نحن من نملأ الكون ضجيجا حول حقوق المرأة وحقوق الفتيات الصغيرات، قدرة على حماية هؤلاء الصغيرات مما يتعرضن له من عنف وقساوة وانتهاك لبراءتهن من قبل أقرب الناس اليهن؟! هل نملك هذه الصلاحية؟!
هل نستطيع مقاضاة من ينتهك حرمة الصغيرات، قضائيا؟!
هل نستطيع ان نؤمن لهن حماية قانونية او اجتماعية؟!
قبل ان نقف ضد زواج القاصرات، علينا ان نحاكم المجتمع الذي تنتمي اليه تلك القاصرات.. هل قام بتأمين الحماية الكافية لهن؟!
نحن بحاجة الى وجود حماية اجتماعية لهن قبل الحماية القانونية، وقبل إقامة المؤتمرات والحملات وملأ الكون صراخا.
حماية اجتماعية تتمثل بوقوف الرجال ضد كل رجل يزوج بناته مبكرا، ووقوف المجتمع ضد كل أم ترضخ لتزويج ابنتها دون ان تقاتل دون ذلك.
حماية اجتماعية تقف بوجه كل من يزوج ابنه لقاصرة، ويخبره بان ما يقوم به هو جريمة.
مازلت أجوب في رحلة الوجع، عندما رنّ هاتفي.. كان الرقم غير معرف..
–         الو، تفضلوا
–         سيدتي، ماتت ابنتي وهي تضع وليدها، عمرها اربعة عشر عاما، كنتم ترسلون لها كسوة العيد كل عام.
 
خانني صوتي، عجزت عن إيجاده، فأردفت الأم باكية: لم اخبركم لأني كنت أعرف بانكم ستلومونني على تزويجها.. كنت مضطرة، اردت حمايتها.
 
هذه العبارة طالما سمعتها من كل أم تزوج صغيرتها: (اردت حمايتها).
فمن كان منكم قادرا على توفير الحماية لبراءة الصغيرات.. فليرفض زواجهن قاصرات.
ومازالت رحلة وجعي مستمرة.




الانتقال السريع

النشرة البريدية