الخميس 17 حزيران/يونيو 2021

صور شمسية في ألبوم الذاكرة

الأحد 25 تشرين أول/أكتوبر 2015
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

لأننا أبناء الشمس
نحتفظ بصورة شمسية في (ألبوم) الذاكرة
الحياة..
ملامح تجف في حضرة السوائل
هكذا ينهي الشاعر والكاتب العراقي المغترب وديع شامخ ديوانه الجديد(مصور شمسي) تاركا القارئ في مفتتح ووسط ديوانه يبحث عن ظلال ذلك المصور الشمسي الذي عهدناه قبل تحديث فن التصوير، وكانت لذلك العمل نكهته وارتباطه ببراءة الأيام التي صار تذكرها بهياج وحماسة وحنين مفرط جزءا مميزا من الشعرية العراقية المعاصرة ، بل من الثقافة عموما في الفن التشكيلي والمسرح والتصوير والعمارة والسرد والسير الذاتية وغيرها.فالكائن العراقي أضحى كائنا تذكاريا يستدعي ما تحفل به ذاكرته عن أزمنة ماضية ؛ ليقاوم قبح الحاضر المكتظ بالعنف والموت اليومي ، ولهذا جعل الشاعر عنوان آخر قصائد الديوان (مصور شمسي) عنوانا للديوان كله .

ولنا أن نبحث عن ظلال تلك الصور الشمسية المتناثرة في ثنايا الديوان ؛لأنها كما يقول الشاعر: كالحياة: ملامح تجف دائما في حضرة السوائل. هكذا سنجد صورة للمعلم مرسومة بالكلمات تحكي وجوده في الذاكرة، وكما أنتجته المخيلة التي تؤازرها في العمل الشعري؛ فيحضر الأبيض:الطباشير.والأسود: السبورات؛لتصنع للمعلم صورة شمسية مختزلة ولكنها بليغة:( أريد أن أمسح غبار الطباشير عن قوامه/لكنه تماهى مع سواد السبورات عشقاً

وثمة صورة أخرى لمهمشين جماعيا كالغجر الذين يقول عنهم: (بضاعتهم ذهب / والناس في فضة السكوت/ إنهم لا يصلون إلى أحلامهم بالصلاة / ولا تعرفهم المدن/الغجر يصعدون إلى السماء.) فهم – كما نعرفهم عبر التاريخ- الجوالون في الافاق، لا مستقر لهم، يختفون ولكن صعودا إلى أحلامهم التي تختفي بين طيات سماوات متباعدة؛ لذا رصد الشاعر مسيرتهم والتقط لم هذه الصور الشعرية المعمقة.

وعن مهمشين آخرين هم المنغوليون يرسم وديع شامخ صورة تحضر في سوائل الذاكرة ،وتجففها شمس الكلمات؛ فيمنحنا نصا مدهشا عن محنة هؤلاء المبتلين بالداء الغامض: (إنهم ليسوا مغولا/جاءوا إلينا (منّا)بوجوههم المتشابهة/ليثبتوا زيفنا في الاختلاف!).وكذلك لم ينصفهم العلم:( التاريخ يجمعهم بالقتلة والطب يشملهم بالمعتوهين) وتنفتح نهاية النص على سؤال مقلق تنتقل عدواه إلى القارئ:(ترى من هم المنغوليون حقا؟) وبالإضافة لالتقاط شمسيات شعرية -كما أحب تسميتها – لهؤلاء المهمشين فالنص ينضح شعورا إنسانيا بما تعنيه التسمية ووجهة النظر أو الصورة النمطية التي يراها الناس لهم؛ ولذا يحتج النص على نعت المنغوليين بالمعتوهين أو القتلة، بل هم رسالة لنا عن زيف اختلافنا نحن المعتقدين بصحتنا إزاء مرضهم وتشابه وجوههم.

تتوالى الصور في الديوان كمرتكز تعبيري ؛فنلتقي بنص يغري عنوانه بتصنيفه ضمن النزعة الشمسية، وهو (صور تتعرى) تلتقطها عين الشاعر في أربعة مقاطع مصممة او مخطط لها بدقة : كل مقطع من المقاطع الأربعة يعرض صورة لفصل من الفصول الأربعة:

(في الخريف/ لاشك ان الأوراق تغادر أعشاشها مرة / ولكنه الخريف يكرر القتل العمد) يلي ذلك مقطع الربيع ،حيث يحاول آدم أن يبحث عن زهرة أخرى…) ومقطع الشتاء حيث(لا جدوى من الحكاية دون موقد..) وفي المقطع الأخير نلتقي بصورة للصيف:( في الصيف/تستعيد الكائنات زرقتها/ مرة إلى الموت/مرة إلى الحلم/هكذا تريد الدائرة اختصارالحلم) . في هذا النص الملفت لا تدهشنا تقنية التماهي بين تقسيم المقاطع وتسلسل الفصول فحسب ،ولا الصور التي تجففها سوائل الذاكرة والمخيلة في غرفة التحضير المضاءة بالكلمات فحسب ، بل تستوقفنا دائرية النص وتكرار الفصول اختصاراً للحلم ،وكأن الزمن يقرض بتتابع الفصول مفردات الحلم ويختصره بين قوسيْ الموت والخيال.

الشمس رمز مطّرَد في الديوان ، هي الإشراقة التي تخلق الحياة ، وغيابها رمز ضدي يشير للطغاة مثلا الذين ينشطون في نثر شرورهم حين تغيب الشمس ؛فتتحول المدينة إلى زنزانة كبيرة في قصيدة ( في مساء الطغاة):(حين تغرب الشمس عن ساحات الفقراء/ينشط العسس بتفخيخ المدينة…./وقبل أن تشرق الشمس ثانية/تصبح المدينة زنزانة كبيرة) .

وديع شامخ في (مصور شمسي) يستثمر رمز الشمس شعرياً ، ويستعين بها عبر آلة تصوير خيالية تستمد مادتها من الذاكرة؛ لتحضير الصور في غرفة شعرية مضاءة بالمفردات وحدها ، تلك التي تهب قصيدته هذا الانتظام الشعوري ،واقتناص ما هو مثير ومغرٍ لمخيلة القارئ ؛فهو يدعو ذلك القاؤئ لوليمته الخيالية، حيث الذاكرة تستحضر الصور ؛فيقول في أولى سطور ديوانه (آثار أقدامِ قلبٍ تقرع ذاكرتي..وأنا ممدد على ساحل الروح ) وهذا التعاقد الشعري مع القارئ بيان أو تلخيص بليغ لمهمة النصوص في الديوان الذي يصور الشقاء الإنساني- ولكن بتفاؤل يلخصه تناص الشاعر مع محمد الماغوط الذي عنون أحد دواوينه (الفرح ليس مهنتي) فجعل وديع عنوان إحدى قصائد ديوانه(الفرح مهنتي) . ويتوسل الشاعر بسبل فنية يجدر التنويه بها كي لا تظل قراءتنا رمزية أومضمونية ، ومن أبرزها التكرار كتقنية تساعد على تثبيت الصور، وهو تكرار متنوع:لفظي لمفردة واحدة ،أو مقطعي لجملة شعرية تتكرر لتصنع دلالة النص.وتتميز النصوص بلغة أليفة لا تقعر فيها أو حذلقة

مكتفية بالتصوير الفني الذي يحفر الدلالات التي تتنضد في النصوص ،وتشرق في روح القارئ كإشراقة الصور المجففة تحت شمس الشعروالحرية والبراءة.




الانتقال السريع

النشرة البريدية