الأحد 18 آب/أغسطس 2019

ناظم متي وأشياء اخرى

الخميس 15 تشرين أول/أكتوبر 2015
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

على الأرض السلام وفي الناس المسرة.
السيد المسيح عليه السلام
وهل هناك من أرض أكثر أمناً وأماناً من تلك التي تطأها قدما ناظم متي.
 فترة الصداقة التي جمعتني بطيب الثرى، لم تدم طويلاً ولم يُكتب لها الإستمرار والتواصل، بسبب من غربتي المبكرة ومغادرتي مرغماً كسائر أخوتي من العراقيين، الى بلاد التيه وما أحاطها من ظروف ملتبسة بل شديدة القسوة، أدَّت الى تعثر بل قطع أوصالها وأوصال غيرها من الصداقات، يتحمل وزرها وبدرجة كبيرة جداً تلك المنظومة السياسية التي حكمت وتحكمت آنذاك، بمصائر ومآلات عشرات الالاف من الحالمين بوطن أجمل. لذلك ولأسباب أخرى لم يكن من السهل الوقوف على أهم ما يتصف به ويميزه عن الآخرين.

 ولكن وعلى الرغم من إقتصار تلك اللقاءات ومحدوديتها مع طيب الذكر، الاّ ان ما شفع لي هو ترافق تلك الصحبة وما كنا نخوضه من حوارات معمقة ومكثفة وفي مواضيع شتى وعلى رأسها وفي مقدمتها الهم السياسي، كان من نتائجها أن خرجت بمحصلة لا بأس بها، ستعينني والقارئ أيضا على تكوين فكرة كافية عنه، وأكاد أجزم بأنها ستساعدني في المسك بأهم  خصاله، لألقي الضوء على ما أبتغيت من هدف والتركيز عليه دون سواه، متمنياً أن أكون منصفا وقادرا على ذلك ما استطعت. وفي ضلال ذلك ربما سيظهر من هنا ومن هناك ما هو متقاطع معي أو نحو ذلك، ولا بأس في هذه المناسبة من الإختلاف ففيه من الرحمة والخير أيضاً، حتى لو كان مثقال ذرة.

 وبالعودة الى حقبة السبعينات، وما سبقها أو تلاها ببضعة سنين، فإنَّ جل ما كان سائدا وقتذاك وما زال على ما أظن بل حتى إزداد تداعياً، ولكي تلقى قبولا ورضا من الوسط السياسي الذي تعيشه أو تنتمي اليه، كان عليك أن تكون حذرا في تعبيراتك وآرائك وفي إختيار مصادر ثقافتك واستشهاداتك، لما يمكن أن تحمله من تأويلات وتفسيرات خاطئة ومتسرعة، قد تؤدي بصاحبها الى أن يرمى ببعض المعاصي، ليس أقلها سوء الظن والعاقبة وما يرتبط بهما. هل يُمثل أو يعتبر ما كان يصدر من ناظم متي من آراء وتصورات إستثناءاً؟ أو إنَّ مردَّه العفوية في التعبير ومن غير أن يدرك وعلى نحو كافي ما سيترتب عليه من نتائج؟.

 للوقوف على هذا الموضوع وبحسب معرفتي به فأستطيع القول بأنَّ كلا الإفتراضين الآنفين ليسا صحيحين، وكي ننصفه فالرجل يتمتع ويمتاز بسعة الإطلاع والثقافة ومعهما أيضاً تعدد وتنوع المصادر التي يرتكز عليها في طرح ما يراه مناسباً من أفكار، لذلك تجده يغرف من هذا النبع وذاك، وبراحة وإسترخاء وبحسابات دقيقة، فغايته المرتجاة لم تخرج عن حُسن الخاتمة. وعلى أساس ما فات يمكننا القول بأنَّ الرجل أي ناظم متي ربما حَمَلَ وافترض حسن النية في طروحاته التي كان يذهب اليها وهذا ما أجزمه، الاّ انها حملت معها أيضاً من الآراء ما يدعو الى الإنتباه. وكي لا اطيل في ذلك أكثر، فسأحيلكم الى بعض الأماكن وما كان يدور بيننا من أحاديث، والتي لم تكن تخلو من سخونة وإختلاف.

 توجهنا ثلاثتنا ناظم وياسين دقيقة وأنا الى نادي العمال الذي كان قد اُفتتح حديثاً والذي يحمل اسمه وقعاً خاصاً في نفوسنا، فإذا ما اندلعت الثورة فسيكون هذا المكان من بين الأهداف التي سنزحف اليها، من اجل تحقيق أحلامنا في إقامة نظام حكم جديد،، يرتكز اساسا على فكرة دكتاتورية البروليتاريا، حينما كانت هذه الفكرة قد لاقت رواجاً وقبولا ساحقاً من قبل أغلب الأحزاب الشيوعية، وليذهب أعداءها الى مزبلة التأريخ ( هذا بمقاييس تلك الفترة الزمنية ومع وجود المنظومة الاشتراكية). لم يكن شاغلنا حينذاك الوقوف طويلا عند طبيعة المكان الذي سنقصده، فما كان يهمنا هو توفر بعض الشروط التي نعتبرها ضرورية والمنسجمة مع هكذا مناسبة، كالحذر والهدوء والابتعاد عن تلك العيون المتلصصة والراصدة لتحركاتنا، خاصة بعد بروز وتنامي بعض المنغصات التي لم تتوقف على الرغم من انبثاق ما يسمى بالجبهة الوطنية.

 على العموم كانت زيارتنا تلك، الأولى والأخيرة. وعلى ما أذكر فإنَّ النادي المعني، كان يقع على الجانب الأيمن وبعد دخولك مباشرة متنزه 14 تموز المطل على نهر ديالى وجسرها، هذا إذا كنت قادماً من جهة المدينة العتيقة. اُريد له أن يكون موازياً وعلى غرار نادي نقابة المعلمين ونادي الموظفين، بل منافساً لهما من حيث توفر أجواء الراحة وطبيعة الموقع كذلك، هذا إن حسنت نوايا القيمين عليه. لم نك بعد قد أجهزنا على الراح الأول، حتى دخلت النقاشات فيما بيننا مرحلة متطورة جداً من التوتر والشد والجذب، لم يكن همنا وشاغلنا آنذاك غير إستعراض ملكاتنا الفكرية والسياسية، حتى لو شابَت واخترقت آراءنا الكثير من الإدعاءات الفارغة والباطلة.

 أعمارنا كانت تساعدنا على العناد وعلى التشبث واعتلاء الخطأ وتسلقه ومهما بلغت أبعاده، ومن غير أن نبالي في ذلك ما سيلحق بنا من لغطٍ وقيل وقال، إذ كان في مقدمة أهدافنا هو إرضاء الباب العالي والسير وراء خطى كانت قد خُطّت ورُسمت لنا بإرتباك شديد، حتى لو تمَّ لك على حساب دخولنا في صراعات جانبية، فارغة ولا ضرورة لها، بل حتى لو استدعى الإصطدام والإرتطام بأعتى الرؤوس، فكان يكفينا آنذاك نشوة الإنتماء السياسي والذي لم يزل عوده طريا وفي أوله، وإنَّ رجاحة الرأي وكما فهمنا وربما فهمنا ذلك خطأً، ستميل لصاحب الصوت الأعلى  وليس لصوابه.

 ياسين دقيقة كان قد خرج تواً من معطف تدينه أو على وجه أدق من تلك القيود التي فرضت عليه سلوكاً ينسجم وبعض ما كان يحمله من معتقدات روحانية، لم تأخذ من عمره الاّ نزراً قليلا، حتى غادرها بسرعة وإقتدار وغير مأسوف عليها، لذلك تحولت طريقته وأسلوبه في النقاش الى نوع من تطهير وتخلص من تلك التي يسميها بالأدران التي علقت به، فحين دخولنا وتناولنا لأي موضوع تراه أكثر حماسة من الآخرين ومتدافعاً من أجل إسماع صوته، ولكي يُفرغ أيضاً ما في جعبته من أفكار يعتقدها صحيحة، وهي كانت كذلك في جلها. أمّا ناظم متي فكان وعلى عادته حريصاً على الإصغاء بكل ما أوتي من صبر وإنتباه، ثم بعدها يشرع بأخذ آراءنا المتعددة والمتنوعة تباعاً ليسدد خطانا، بروية وهدوء ومعرفة، مشفوعة ببسمات حانية وبسيل من المترادفات التي يتميز بها عن سواه.                

 لا أخفيكم القول فقد وجدت في طروحات ناظم متي وفي الكثير منها ما يعتمل في صدري. كذلك اكتشفت وجود بعض المشتركات بيني وبينه والتي شعرت بأنها قد راقت لي، كان من أبرزها وأهمها وعلى ما خرجت به من تلك النقاشات، هو ضرورة تجاوز المألوف والبحث عن الحقيقة في أماكن عدة وعدم إقتصارها على ما اعتدنا عليه، ولابد أيضاً من إتباع نهجاً آخر، يعتمد التجديد والمواكبة في طريقة البحث عن المعلومة، تنجيك من بعض المسلمات والقواعد الثابتة، القاصرة منها على وجه التحديد والتي عجزت عن مسايرة التغيرات الحاصلة في مستوى الفكر الإنساني، والتي أوهمتك وقادتك ولردح من الزمن الى أن تظن بأنك دونها لا يمكنك الوصول الى ما تبتغيه.

 وحتى لا نذهب بعيداً ففي إحدى جلساتنا على سبيل المثال، وصلني إحساس يشير الى أنَّ ناظم متي قد (تجاوز) في آرائه ما ألفناه عنه، فهو الآن يستشهد بإحدى المقالات المنشورة في مجلة الثقافة (إنتبهوا معي ليست الثقافة الجديدة التي تصدر عن الحزب الشيوعي العراقي) التي كان يرأس تحريرها آنذاك الأستاذ صلاح خالص والتي تعتبر قريبة جداً منّا، من حيث التفكير والمصير الاّ انها كانت تثير حنقي. قلت في سري يا للهول، الى أين يأخذنا هذا المشاكس المتمرد والخارج عن باب الطاعة؟ كيف يستشهد بمصدر يُعدُّ لدى البعض وأنا أحدهم وربما لازال هذا الرأي قائماً ورغم تبدلات العصر والأزمنة، مارقاً وخارجاً عن إطار الوصايا العشرة أو الأكثر من ذلك؟ انه جنوح مابعده جنوح، لقد حرد حقاً حتى حسبته خارجاً عن الملة.

 ولأنّي عاجز عن مجاراته والسير معه في حوار تنقصه كفاءتي، وكي أسوف الأمر وعلى طريقتي الخاصة، رُحتُ مقللاً من شأن إستشهاداته ومعاتباً في ذات الوقت كتّاب تلك المجلة التي إعتبرتها وبمقاييس معينة منحرفة، رغم حملها لأسماء ثقيلة في عالم الأدب والمعرفة، أمثال معين بيسو وحسين مروة وغيرهم، متهماً إياهم بالسرقات الأدبية والإنتحال من هذا المصدر أو ذاك، لتخرج مقالاتهم وبثلاثة أرباعها، حسب مزاعمي وتهمي الجاهزة لأشخاص آخرين. ودون خجل أو وجل ذهبت أبعد من ذلك بكثير حين اتهمتهم بالدناءة والتجاوز على حقوق الغير، وكيف سيستوي الأمر، بين ذلك الجهد المبذول من قبل كوكبة من المثقفين والمفكرين الحقيقيين، وبين اولئك الأوباش واللصوص، المنتحلين لجهود غيرهم. كنت أتحدث وقتذاك بلغة تنسجم وحماسة العمر وعنفوانه وحداثة الإنتماء السياسي وباسلوب إفتقد في أقل شروطه لأدب الحوار وقبول الآخر، وياليتني لم أفعلها.

حين أسترجع تلك الحقبة الزمنية أي فترة السبعينات، تحضر معها الكثير من التغيرات والتحولات التي رافقتي في رحلة الغربة، ففي سنوات مغادرتني الأولى لوطني اُتيحت لي الفرصة، أو ربما أقحمت نفسي وأجبرتها وبشيء لا يخلو من الفضول، بهدف الإطلاع على الكثير من الِسيَر والتجارب التأريخية للأحزاب التي كنا نطلق عليها بالصديقة والشقيقة والتي كان من بينها بل في مقدمتها تجربة الحزب الشيوعي اللبناني. ومن بين ما قرأته آنذاك وهزَّ دواخلي، هي إحدى المقالات المنشورة في مجلتهم المركزية والمسماة بالطريق، وعلى ما أعتقد فقد كان ذلك العدد من المجلة مخصص للمراجعة التأريخية للحزب، وقد جاء فيها ما استفزني وأثار فيَّ الكثير من الأسئلة والأوجاع التي تستدعي إعادة النظر، ولا أخفيكم فقد وجدت فيها ضالتي بعد فترة تيه وإضطراب، خرجت على أثرها بمحصلة أعتبرها مفيدة وقد يعتبرها الآخر غير ذلك، قادتني الى إستنتاجات ودروس مصيرية وهامة جداً، كان من بينها: إنَّ التمسك بالثوابت لا يغنيك عن رؤية ما يحيط بك من تبدلات. الحقيقة لا يمكن إحتكارها أو إقتصارها على طرف دون الآخر. في هذه اللحظة من الإستدراك تجدني وقد عدت الى طيب الذكر ناظم متي والى تلك الجلسة التي جمعتني وإياه وياسين وما رافقها من تداعيات، كادت أن تطيح وتُفسد علينا امسيتنا.

 قد يعاتبني البعض من الأصدقاء على هذا الإستطراد وعلى هذه المراجعة الخاطفة والسريعة، وعذري في ذلك ما يمر به بلدنا من كوارث، لسنا بمعزل عنه، تستدعي من الجميع الكثير من الوقفات الجريئة والشجاعة، وكل من موقعه، أما نحن البعيدون عن وطننا، مرغمين، فلم يتبق لنا غير العودة الى ما حملناه من ذكريات، وأزعم بأني لست وحدي من إسترجع تلك الحقبة الزمنية بل هناك الكثير من هو مثلي ولكن بأشكال وقراءات مختلفة، فمنهم من لام نفسه ومنهم من شعر بفخرها، في كل الأحوال فقد حملت تلك الحقبة وما تلاها من التجارب ما هو قيم ومفيد، والنقد لا يفسد صدق النوايا.

 أمّا انت يا صاحبي الراقد بعيداً عن وطنه، فألف باقة ورد وشمعة على قبرك.

* ناظم متي، أحد الوجوه الاجتماعية البارزة والسياسي المعروف في مدينة بعقوبة، إضطرته ظروف القهر والمطاردة على يد أجهزة الحكم السابقة، مغادرة بلده العراق حتى وافاه الأجل في منفاه.




الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.