الأربعاء 14 نيسان/أبريل 2021

أنحدار النخب الفرنسية الى حرب الحضارات

الاثنين 06 نيسان/أبريل 2015
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

أحصى “تجمع ضد الأسلاموفوبيا “في باريس أخيرا عدد الأعمال العدائية للمسلمين والعرب ب 764 حادثة لعام 2014، ما يشكل زيادة بنسبة 10% عن العام السابق ، منها 22 عمل اعتداءا جسديا و586 عملا عنصريا و25 عملا تخريبيا ضد المساجد والمقابر الأسلامية ،فيما أحصى 153 عملا عنصريا لشهر كانون الثاني لهذا العام عقب عملية صحيفة شارلي ايبدو, ويقارب هذا العدد الأخير نفس رقم هذه الأعمال قبل عامين ،وتقول الجمعية ان هذا العدد المضطرد الزيادة هو مرآة لما كان يجري سابقا والفرق بين أمس واليوم هو السهولة في اقتراف مثل هذه الأعمال بعد أحداث الصحيفة الساخرة , وان 71٫6% من هذه الأعمال تحصل في الموؤسسات الحكومية بأسم العلمانية وبغيرها ؟

ما كان يجري سابقا ضد العرب والمسلمين في فرنسا هو انتشار الخطاب العنصري وخاصة في المناطق الفقيرة وفي المناطق التي تكثر فيها البطالة ، أذ ينتعش في مثل هذه الأوضاع خطاب الكره للأجنبي والغريب المهاجر ، خطاب الجبهة الوطنية لليمين المتطرف الفرنسي الذي تبناه قبل سنوات اليمين التقليدي مع ترشح نيكولا سركوزي للأنتخابات الرئاسية ,فلم تشهد فرنسا سهولة في أقتراف الأعمال العنصرية من القتل او الأعتداء الجسدي واللفظي بهذه الطريقة التي نشهدها اليوم الا بعد احداث ايلول في نيويورك عام 2001 ٫هناك واقع عنصري سببه أقتصادي قبل هذا التاريخ وواقع عنصري بعده يتعلق بالثقافة والدين, أذ أقتصر الخطاب العنصري قبل هذا التاريخ على اليمين المتطرف غالبا – فهو ليس الوحيد بل ينافسه أخرون يمينا ويسارا- على التنديد بوجود المهاجرين واعتبارهم اصل البطالة ومصدر العجز في ميزانيات التأمين الصحي والتأمين الأجتماعي بصرف المخصصات لعوائل كبيرة العدد متتعددة الزوجات ، ولم يكن هذا الخطاب يتجاوز ذلك الى المساس بالدين , فغالبية التيار اليميني المتطرف هم من الفرنسيون اصحاب الأقدام السوداء الذين عادوا الى فرنسا بعد تحرير الجزائر , لم تقبل هذه الشريحة هذا الواقع الذي جعلها تخسر اموالها ومصالحها في “الجزائر الفرنسية” كما يقولون ووجدت في جان ماري لوبن وابنته مارين الناطق الأمثل لمحاربة من جاء بهم اصلا الشركات الفرنسية نفسها للعمل الرخيص في المعامل والمصانع التي هي اليوم رأس مال وأقتصاد الدولة الفرنسية الأضخم, هذا الخطاب العنصري أنتشر بسرعة منذ عهد الرئيس ميتران الذي شهد حكمه قانونا معدلا خاصا بالتصويت سمح لزيادة شعبية هذه الجبهة في مواجهة اليمين التقليدي المنافس له ,بفضل هذا “العدو” العنصري مقابل الحزب الأشتراكي صاحب الخطاب “الأنساني”، ضمن الحزب الأشتراكي والرئيس ميتران فوزا بالأنتخابات لفترة ثانية ,علما ان فرانسوا ميتران كان وزيرا للداخلية أبان تعذيب المقاومين الجزائريين في الخمسينيات من القرن الماضي وكان جان ماري لوبن ظابطا في الجيش الفرنسي. خطاب الجبهة الوطنية هذا أنتشر أكثر وأكثر في التسعينات بسبب تفاقم البطالة وأرتفاع الأسعار حتى وجدت الطبقة السياسية نفسها أمام حتمية فوز رئيس الجبهة الوطنية في الرئاسيات وخاصة حينما أستطاع رئيسها جان ماري لوبن الوصول الى الدور الثاني للأنتخابات الرئاسية بوصوله بعد الرئيس جاك شيراك حيث تفوق على المرشح الأشتراكي ليونيل جوسبان. ومع ذلك تراوح الخطاب العنصري في الخفاء تارة والعلن أخرى ، على شكل اعتداءات متعددة تتراوح بين القتل والأعتداء اللفظي وتدنيس القبور وحرق المساجد ، كتمتها شريحة العرب والمسلمين من أصول فرنسية لأن غالبيتها لا تريد المشاكل ولأنها ايضا لا تتشكى ولا تتباكى بالمظلومية ولا تتاجر بأرقام الأعتداءات كما يفعل غيرها لسبب وغير سبب حقيقي ووهمي . لكن تفجيرات نيويورك في ايلول 2001 وحدوث أنتفاضة الشعب الفلسطيني شكلا مرحلة تحول خطيرة في الخطاب المعادي للعرب والمسلمين. لقد تلقفت بعض النخب الفرنسية هذان الحدثان وأنطلقت في خطاب هجومي وعدائي شرس ضد كل ما هو مسلم وعربي ,ورفع شعار رئيس تحرير صحيفة اللوموند جان ماري كولمباني “ كلنا أمريكيون” تضامنا مع الحرب الصليبية التي قادتها الأدارة الأمريكية ضد “الأرهاب الأسلامي” . وتصدر هذه الحملة أقطاب وانصار أسرائيل وعلى رأسهم مجلس الموؤسسات اليهودية وشلة “ فلاسفة المحافظون الجدد” واصدقائهم وحاشيتهم اليمينية واليسارية الصهيونية واتباعهم في الصحف والمجلات والقنوات والمواقع الأليكترونية. منذ ايلول 2001 يمكننا ان نحصي أعدادا كبيرة من برامج التحريض والكراهية والعنصرية في أجهزة الأعلام الفرنسي وفي الصحافة ودور النشر .

منذ ايلول 2001 تغير خطاب الهجوم على العرب والمسلمين من السبب الأقتصادي الى الثقافي والديني ,وبدأ التنظير حول عنف العرب وتخلف ودونية المسلمين ودينهم المليء بالعنف ضد الآخرين وضد المرأة وتعدد الزوجات حتى وصلنا الى نشر الكاريكاتير الدنماركي الذي يمثل الرسول (ص) وعلى راسه قنبلة ونشره من قبل شارلي ايبدو الفرنسية بترتيب من نفس اصدقاء المحافظين الجدد، وفيلدز الهولندي وهيرسي الصومالية الكاذبة التي تبناها برنار ليفي والأيرانية جافان المتبناة من فينكلكراوت للأساءة للأسلام والمسلمين في حملات أعلامية ضخمة ترافقها كتب ودعاية ومقالات ومقابلات وندوات ٫٫٫الخ ,,شنت الحملة على الشباب العرب المسلمين وأتهموا بالمغتصبيين وبالصلافة وبالعداء للسامية لأنهم يرفضون دروس التاريخ -قيام الكيان الصهيوني على ارض فلسطين- ويعاندون اساتذة التاريخ حول محاضراتهم عما جرى ويجري في المنطقة وتفسيراته من وجهة النظر الصهيونية والعربية، وتستمر الحملة على الحجاب والتي بدأت عام 1989 وتضخمت وتوسعت لتأخذ أبعادا خطيرة مبالغ بها كثيرا ربما دفعت بعض الشابات والنساء الى الراديكالية بسبب الشعور بالتهجم العنيف عليهن وعلى ثقافتهن ودينهن لتصل الى ذروتها هذه السنوات الأخيرة فأصبح هوؤلاء الشباب ارهابيين وسلفيين ومتعصبيين يريدون تدمير الحضارة الغربية والدول الغربية والتراث الديني اليهودي -المسيحي ؟ بهذه الحجج يجرم فينكلكروت ( فيلسوف) العضو في الأكاديمية الفرنسية الفرنسيون من اصول عربية واسلامية في مداخلاته وندواته التلفزيونية الكثيرة والمنتظمة بنفس طريقة كتاب وصحفي اليمين المتطرف بين الحربيين الذين حرضوا على اليهود وعلى ترحيلهم وقتلهم هم واولادهم ,

أما المثل الأكثر تجسيدا والمنتشر بين العامة اليوم لهذا التيار هو الصحفي ايريك زمور – الذي صرح يوما أنه يعتبر نفسه يهوديا اولا قبل ان يكون فرنسيا-لو قالها فرنسي عربي لأنقلبت الدنيا – ولمدة خمس سنوات متتالية وفي برنامج أسبوعي في القناة الثانية الحكومية ، واسع الأنتشار ، سمح لهذا الصحفي بتطبيع الكلام العنصري المعادي للعرب والمسلمين والتصفيق له وأستدعاء أمثاله ليتفاخرون بأفكارهم هذه بحجة الدفاع عن الموروث المسيحي -اليهودي ضد الغزو الأسلامي العربي لفرنسا. وقد نشر في العام الماضي كتاب” الأنتحار الفرنسي وأعطى تصريحا لصحفي أيطالي يقول فيه بوجود : “حل ترحيل خمس ملايين مسلم” في أشارة لما فعله النازيون بشعوب اوربا وباليهود خلال الحرب الثانية، لكي تبقى فرنسا على تقاليدها القديمة منذ الف عام “ ان هذا الصحفي المغمور والذي صعدت نجوميته خلال هذه السنوات واشتهر وتكسب بفضل هذا النوع من الخطابات هو اليوم ، ومعه مجموعة مثل برنار هنري ليفي وفينكلكروت ومن حولهم، أقطاب الخطاب العنصري السائد الذي اراد المحافظون الجدد الصهاينة نثه وترسيخه في عقول العامة في امريكا وفي اوربا لكي يتكلل مشروع الشرق الأوسط الكبير بنجاح وبدعم ملايين من شعوب اوربا التي رفضت الحرب على العراق وترفض احتلال فلسطين ونهب شعوب المنطقة وشعوب اوربا عبر عولمة وحشية يكون فيها الأنسان وكل ما بناه وورثه عن أسلافه سلع تباع وتشترى في سوق نخاسة بشع لم يعرفه تاريخ البشرية. أضافة الى هذه النجاحات التي أعطت ثمارها فقد تمكن اللوبي الصهيوني ان يُطٌبع حزب الجبهة الوطنية -الذي كان يعاديه لسنوات واتهمه بعملية كاربنترا الشهيرة لتدنيس مقابر اليهود في عهد ميتران- ويكسبه الى معسكره , أذ صرح روجيه كوكرمان رئيس المجلس اليهودي سابقا من أن مارين لوبن شخصية لا غبار عليها مما فسر على انه شهادة حسن سلوك منحت لها من قبل اللوبي بعدما أمتنعت منذ سنوات عن الأشارة لا من قريب ولا من بعيد الى يهود فرنسا بل كرست خطابها المعادي على العرب والمسلمين فقط, .

في مثل هذه الأجواء الأجتماعية المتوترة ، فأن “حادثة ارهابية” صغيرة يمكنها دون شك مع حشد أعلامي وسياسي عالمي ، ان تعيد مرة أخرى هز مشاعر العامة وتأليبهم وبذلك لا ينقطع الحديث عن الأسلام وثقافة الأرهاب لدى العرب والمسلمين بل يعاد أنتاج نفس الخطاب وتسويقه بحادثة أخرى لتمرير خطط حرب في المنطقة -صوت النواب الفرنسيون بالأجماع من اجل تمديد التدخل في العراق في اليوم التالي لحادثة شارلي ايبدو -وتمرير قوانين اقتصادية مجحفة-قانون ماكرون- وأمنية وتقنين حريات الديمقراطية الغربية-قوانين النت ضد حرية التعبير – على طريقة الأدارة الأمريكية في عهد بوش -قانون Act Patriot,

لذلك ورغم تصاعد الأعمال العنصرية في فرنسا، بأعتراف وزير الداخلية برنار كازناف نفسه الذي قال ان عدد ما سجل في شهر كانون الثاني من رقم يفوق ما سجل في العام الماضي ، وشهادات تقارير اللجنة الوطنية الأستشارية لحقوق الأنسان CNCDH التي تشير في تقريرها السنوي وعلى التعاقب لعدة سنوات بأشتعال العنف العنصري ضد العرب والمسلمين فهناك رفض شرس وهجومي لتسمية هذه الأعمال بالأسلاموفوبيا او بالعنصرية من قبل المنظرين لهذا الخطاب بحجة مبالغة المسلمين والعرب.

لسوء الحظ فأن التاريخ لا يعيد نفسه فقط بطريقة هزلية كما يقول ماركس بل بطريقة مأساوية كما نشهدها على مسرح السياسة ومسرح بعض “النخب الباريسية” التي تسوق افكار التجريم والأزدراء والتحقير لديانة ولجماعة هي جزء من الشعب الفرنسي وبطريقة لا تحترم قانون الدولة الفرنسية نفسها ودستورها من المادة 1 الذي ينص” عقب الأنتصار الذي حققته الشعوب الحرة على الأنظمة التي حاولت أستعباد وأهانة الجنس البشري ، فأن الشعب الفرنسي يعلن من جديد بأن كل انسان ودون تمييز في العرق أو الدين أو الأعتقاد يملك حقوقا مقدسة لا تمس “ , طريقة مأساوية تترجمها اليوم أرقام الأعتداءات على العرب والمسلمين في فرنسا والذي وصل الى رقم مقلق جدا, مأساوية أيضا لأن تعبير “ ابدا لن يحدث ما حدث” قد نسي وتناسى من قبل من ردد هذه الجملة من المثقفيين والكتاب والأعلاميين الذين يصبون اليوم الزيت على النار لتأجيج حرب حضارات بين مواطني البلد الواحد رغم ان التحريض على العنف معاقب عليه في القانون الفرنسي.




الانتقال السريع

النشرة البريدية