الخميس 09 تموز/يوليو 2020

في الشعر والغناء – 4

الأحد 04 كانون ثاني/يناير 2015
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

بزغ فن ساهمت فيه شعوب من شتى أرجاء الخلافة العباسية من عرب وفرس وآذريين وكُرد وتُرك، حيث ترجع أصوله الى العصر العباسي الثاني؛ وقد نما هذا الفن – وأعني به المقام العراقي- وترعرع في بغداد، حيث أصبح الهوية الموسيقية الغنائية للعراق عبر العصور منذ الدولة الجلائرية، التي أعقبت سقوط بغداد عام 656ه/1258م حيث تطور الى الشكل الحالي المعروف في العراق، وتكونت فيه مدارس متنوعة في الأداء، ومن الملفت أن هذا الفن ذوَى وكاد أن يتلاشى لدى الشعوب الأخرى، في حين استمر في تطوره في عموم العراق وشاع لدى العرب والتركمان والكرد ( راجع: قول في أداء المقام لكاتب هذه السطور)، وما يعنينا هنا هو أن ضمن أنغام المقام العراقي وسلالمه الموسيقية غُنِيَّت روائع الشعر العربي الفصيح على مقامات الصبا والبيات والنهاوند والخنابات والحجاز ديوان والنوى والحسيني والاورفه والمنصوري والعجم؛ بينما يغنى في المقامات الأخرى الموال البغدادي أو الزهيري..

وحيث أن موضوع المقام العراقي معروف لدى الكثيرين وقد كُتب عنه العديد من الكتب لخبراء المقام أمثال: الأستاذ هاشم الرجب و الشيخ جلال الحنفي، وشعوبي إبراهيم ومن الجيل المتأخر أمثال الأستاذ عبد الله المشهداني في موسوعته المقامية والاستاذ حسين الأعظمي والأستاذ حامد السعدي..ما يوفر للدارس معلومات غنية مشفوعة بشروح وأمثلة تطبيقية والكتاب الأمثل للمبتدىء هو “دليل الانغام لطلاب المقام” للخبير الراحل شعوبي إبراهيم.

وحيث أن المقام العراقي هو عنصر هام وحيوي في هويتنا الثقافية والفنية، ويُعد مفخرة وطنية انتقل إلينا عبر الأجيال؛ فإن المحافطة علية من خلال إيجاد فرقة وطنية للمقام العراقي، ومن خلال إدخاله في المناهج الدراسية للموسيقى، ورعاية الموهوبين من قرّائه، وإشاعة الذائقة الوطنية ضمن البث الإذاعي والتلفزيوني ليعمّ محافظات العراق كلها، وإيجاد مسابقات ثقافية للأنشطة الموسيقية من شأنه أن يخدم حتى الطقوس الدينية أيضا من قبيل التلاوات القرآنية، التي تعتمد المقامات العراقية في الطريقة البغدادية المتميزة التي تكون التلاوة ضمن المقام الواحد وبدرجات صوتية متفاوتة، بينما تعتمد الطريقة المصرية تعدد المقامات والانتقال من نغم الى آخر(modulation) حسب مضمون الآية ما يُغني القدرة التعبيرية ..وقد ساهمت المنقبات النبوية وحتى الردات

الحسينية في ترسيخ الجانب الصوتي للمتلقين لكن من دون دراية بالطبيعة النوعية للأنغام!

***

ما من موضوع اختلفت فيه الآراء وتضادت مثل موضوع نشأة الموشح مكاناً وزماناً، وإن كان الثابت لدى الجميع هو نموه وتطوره في شبه جزيرة إيبريا وتحديداً في الأندلس،التي انضافت الى اسمه نَسَباً أينما حلً غربا و شرقاً فهو “الموشح الأندلسي” بلا نزاع! والخلاف عميق فهناك جمهرة من الكتاب المعتبرين ترتئي نشأته في بغداد على يد عبد الله بن المعتز (ت 296ه) بالموشحة المنسوبة له ” أيها الساقي إليك المشتكى” الذائعة، وقد تبنى هذا الرأي أساتذة مرموقون أمثال أحمد أمين وعبد العزيز البشري وكامل كيلاني وأحمد حسن الزيات وغيرهم..( راجع: الموشحات العراقية للدكتور رضا محسن القريشي ص51 ، دار الرشيد/بغداد).

ويعترض الأستاذ الكبير طه الراوي (ت1946) في بحثه الموسوم ” موشحة أيها الساقي” على هذا الرأي ناكراً أن تكون الموشحة أعلاه لابن المعتز بل هي في رأيه تعود الى ابن زهر الحفيد الأندلسي ويرى أن سبب الخلط هو ياقوت الحموي (ت626ه) الذي نسبها خطأً لابن المعتز في كتابه معجم الأدباء فتلقفها الآخرون دون تمحيص ( مجلة الرسالة ع 458 س1941 عن القريشي ص58). والراي الأثبت هو للراوي حيث لم يأت ذكر لهذه الموشحة لكل من أورد شعر ابن المعتز كالصولي -وهو قريب عهد لابن المعتز- في كتابه “أشعار الخلفاء” الذي دون فيه جل شعر ابن المعتز!(القريشي ص59).

ولا بد من أن نذكر رأي الباحثين الإسبان الذين يزعمون أن الموشح قد تأثر بالأغاني الشعبية الإسبانية القديمة التي وصلت الى العرب عن طريق المستعربين الإسبان أو عن طريق المسيحيين منهم الذين عايشوا العرب، ومن علائم ذلك أن الخَرجة (القفلة الأخيرة للموشح) طالما اختلطت بالإسبانية! ( منتخبات للشعراء الأسبان، ترجمة د. حكمة الأوسي عن القريشي ص51)، ويرى أبعد من هذا الرأي يوسف اسعد داغر بأنه محصلة للمنشدين الفرنسيين الجونكَلور Jongleurs الذين كانوا يجوبون الأندلس في القرنين الميلاديين السابع والثامن، ثم يرى أن لأناشيد التروبادور ما يشبه الموشح ..(مصادر الدراسة الادبية، يوسف أسعد داغر 1/241).

وهذا الرأي تفنده (الموسوعة البريطانية 22/501): “إن جماعة التروبادور Troubadoursعاشوا في نهاية القرن الحادي عشر الى آخر الثالث عشر الميلادي بينما عاش مقدم بن معافى القبري وابن عبد ربه الاندلسي اللذان ينسب لهما اختراع الموشح في النصف الأول من القرن التاسع الى النصف الأول من القرن العاشر الميلاديين، فيكون

ظهور الموشح سابقا لجماعة التروبادور”. وعن موضوع الكلمات الأعجمية في الخرجة، فإن الخرجة لم تصاحب بداية ظهورالموشح ووجود الكلمات العامية والدخيلة أمر طبيعي بسبب الاختلاط.

وللدكتور عبد الواحد لؤلؤة بحث هام ” ملامح عربية في بواكير الشعر الأوربي” يثبت فيه العكس حيث تاثر التروبادور بالموشح خصوصا وبالشعر الأندلسي عموما سواء في القالب الشعري وخاصة اقتباس القوافي والأوزان التي لا قبل للشعر الأوربي بها وكذالك في المحتوى الجديد عن الحب والمرأة والخمر التي لم يعهدها الشعر الأوربي سابقا الذي اقتصر على الإنشاد الكنسي..(النفخ في الرماد د. عبد الواحد لؤلؤة ص102-،103 دار الشؤون الثقافية، بغداد).

وفي تقديري أن هناك ثلاثة عوامل أدت الى ظهور الموشح في الاندلس:

أولا : الطبيعة الخلابة للأندلس والحياة الاجتماعية الجديدة وما رافقها من أنس وطرب وما توفره من حرية بعيدة عن التزمت، وتشجيع الخلفاء للشعر ومجالسه التي يغنى فيها الشعر، بالشكل الذي فاق المشرق الذي طالما قلده الأندلسيون ..

ثانيا: كان لهجرة أصحاب المواهب من أمثال الموسيقار زرياب المتعدد المواهب حيث نقل للاندلس عام 822م الثقافة العباسية من مأكل ومشرب وملبس وأسلوب المآدب وأصول الحفلات وفتح معاهد لتدريس الموسيقى المشرقية والشعر وأسلوب تلحينه وإنشاده مع الموسيقى حين جلب الجواري اللواتي يحسن العزف والغناء ويحفظن الشعر ما خلق قاعدة مثقفة وذواقة في فهم الشعر والغناء والموسيقى.. بل وأسس لعلم جديد هو علم الآلات الموسيقية، إضافة لأعلام شدّوا الرحال الى الأندلس مثل أبي علي القالي (288-356ه) صاحب “الأمالي” وشعراء كابن زريق البغدادي (ت 520ه)..

ثالثاً: التأثيرات الأجنبية المختلفة التي جذبت اهتمام الفرنجة وساعدت على نشر الموسيقى والشعر الاندلسي بما فيه الموشح، ولا يمكن نكران هذه التأثيرات حتى وإن بدت قليلة.

والموشح هو فن مستحدث من فنون الشعر العربي اتسم بتعدد الأوزان وتعدد القافية فهو ثورة على الشكل التقليدي للقصيدة مع تناول معاني في عمومها مقتصرة على الحب والمرأة والخمر مع رقة في الألفاظ وحسن في التصوير على حساب قوة الأفكار والمعاني، وهذه الميزات اقتضتها ظروف الغناء، وطالما تتخلل الموشح تعابير عامية ودخيلة.

وبناء الموشح هو من المطلع وله غصنان، ثم دور وله ثلاثة أسماط، ثم قفل، ثم خرجة وهي القفل الأخير، ونموذج ذلك موشح لابن بقي القرطبي الأندلسي (201-ه276):

المطلع وفيه غصنان: عبث الشوق بقلبي فاشتكى/ ألم الوجد فلبّت أدمعي

دور من ثلاثة اسماط: أيها الناس فؤادي شغِفُ/ وهو من بغي الهوى لا ينصفُ/ كم أداريه، ودمعي يكفُ

قفل: أيها الشادن من علّمكا/ بقتال اللحظ قتْلَ السبُعِ

خرجة (القفل الأخير): لم أجد للصبر عنه مسلكا/ فانتصاري بانسكاب الأدمع

(القريشي ص 30-31).

الموشح في بدايته استجابة للحالة الغنائية التي بدت ألحاناً كلماتها بالعامية، ولغرض اشباع القفلة والوزن الشعري حين تكون العبارات قصيرة ما يُلزم استخدام المدّ بكلمات مثل ياللّي، أو أمان كمتكآت لحنية (تيمات)، ثم بدت مرحلة إكساء الميلودي اللحني بكلمات الفصحى التي شرعت تسود وتتعايش مع بقايا من التعابير العامية خاصة في الخرجة. فلنسمع لواحد من أرباب الموسيقى: “الموشح هو انتفاضة شعرية موسيقية قام بها الموسيقيون على الأوزان الشعرية الموروثة وعلى رتابة القافية طوال القصيدة التي شكّلت قيودا تكبِّل للألحان الغنائية فلا بد من شعر أو عبارات شعرية تستجيب للألحان” ( الموسيقا للجميع، عزيز الشوان ص87، الهيئة المصرية للكتاب).

وذهب هذا المذهب أو اقترب منه كثير من الأكاديميين الذين أكدوا أن الموشح في أول ظهوره قالب غنائي شعبي انتقل الى الشعر، كالأستاذ الدكتور عبد العزيز الأهواني “التوشيح فن اندلسي ظهر منذ أواخر القرن الثالث الهجري على يد عدد من شعراء الأندلس، وكان ظهوره متصلاً بالغناء مرتبطاً بالاغاني الشعبية” ورأ الراي نفسه حنا فاخوري الذي يرى أن “الموشحة قصيدة شعرية موضوعة للغناء” وكذلك مصطفى عوض ( فن التوشيح، مصطفى عمر ص17)…

ويعرج الشاعر الكبير ابن معصوم المدني (ت1120) على فن غنائي شعري آخر، فيه سمات الموشح وعنى به الصنعاني والفرق أن الأخير يُغنّى بالعامية اليمنية ” ولأهل اليمن نظم يسمونه الموشح غير موشح أهل المغرب، والفرق بينهما أن موشح أهل المغرب يراعى فيه الإعراب وإن وقع اللحن في بعض الموشحات. بخلاف أهل اليمن فإنه لا يُراعى فيه شيء من الإعراب بل اللحن فيه أعذب وحكمه في ذلك حكم الزجل” ( سلافة العصر..ص243).

انتشر الموشح في المغرب العربي وأكثر منه في الشام والعراق ومصر، وفي العراق سبق الموشحَ فنُ المواليا (الموّال الغنائي الشعري) الذي تلقفته مصر وبز جميع الألوان الغنائية لحد اليوم تحت التسمية نفسها (الموّال)، بينما سرى الموشح في الموصل التي

أبدع شعراؤها فيه من أمثال: ابن الدهان الموصلي (ت581ه) وعثمان البلطي (ته599) وأحمد الموصلي (656ه) وشهاب الدين التلعفري (675ه).. ومنها الى بغداد مثل عبد الغفار الأخرس (ت1290ه) وعبد الباقي العمري الموصلي (ت1278ه) ، أما في النجف فأبدع فيه حيدر الحلي (ت1305ه) وموسى الطالقاني (ت1298ه) ومحمد سعيد الحبوبي (1333ه) ومن يرومُ المزيد عن الموشح العراقي وشعرائه فكتاب الراحل الدكتور رضا محسن القريشي ( الموشحات العراقية) سيجده بستانا حوى أزاهير جميلة من الموشحات.

ومثل ما قلنا في المقام العراقي ندعو وزارة الثقافة والمعنيين بالفن بإعادة الحياة لفرقة الإنشاد التي أبدعت تحت قيادة الراحل روحي الخماش، في أداء البستات والموشحات فهل من سامع؟! واختتم بهذا المجتَزء من موشح للحبوبي:

وحميا الكاس لمّافي الشعر والغناء – 4
بزغ فن ساهمت فيه شعوب من شتى أرجاء الخلافة العباسية من عرب وفرس وآذريين وكُرد وتُرك، حيث ترجع أصوله الى العصر العباسي الثاني؛ وقد نما هذا الفن – وأعني به المقام العراقي- وترعرع في بغداد، حيث أصبح الهوية الموسيقية الغنائية للعراق عبر العصور منذ الدولة الجلائرية، التي أعقبت سقوط بغداد عام 656ه/1258م حيث تطور الى الشكل الحالي المعروف في العراق، وتكونت فيه مدارس متنوعة في الأداء، ومن الملفت أن هذا الفن ذوَى وكاد أن يتلاشى لدى الشعوب الأخرى، في حين استمر في تطوره في عموم العراق وشاع لدى العرب والتركمان والكرد ( راجع: قول في أداء المقام لكاتب هذه السطور)، وما يعنينا هنا هو أن ضمن أنغام المقام العراقي وسلالمه الموسيقية غُنِيَّت روائع الشعر العربي الفصيح على مقامات الصبا والبيات والنهاوند والخنابات والحجاز ديوان والنوى والحسيني والاورفه والمنصوري والعجم؛ بينما يغنى في المقامات الأخرى الموال البغدادي أو الزهيري..

وحيث أن موضوع المقام العراقي معروف لدى الكثيرين وقد كُتب عنه العديد من الكتب لخبراء المقام أمثال: الأستاذ هاشم الرجب و الشيخ جلال الحنفي، وشعوبي إبراهيم ومن الجيل المتأخر أمثال الأستاذ عبد الله المشهداني في موسوعته المقامية والاستاذ حسين الأعظمي والأستاذ حامد السعدي..ما يوفر للدارس معلومات غنية مشفوعة بشروح وأمثلة تطبيقية والكتاب الأمثل للمبتدىء هو “دليل الانغام لطلاب المقام” للخبير الراحل شعوبي إبراهيم.

وحيث أن المقام العراقي هو عنصر هام وحيوي في هويتنا الثقافية والفنية، ويُعد مفخرة وطنية انتقل إلينا عبر الأجيال؛ فإن المحافطة علية من خلال إيجاد فرقة وطنية للمقام العراقي، ومن خلال إدخاله في المناهج الدراسية للموسيقى، ورعاية الموهوبين من قرّائه، وإشاعة الذائقة الوطنية ضمن البث الإذاعي والتلفزيوني ليعمّ محافظات العراق كلها، وإيجاد مسابقات ثقافية للأنشطة الموسيقية من شأنه أن يخدم حتى الطقوس الدينية أيضا من قبيل التلاوات القرآنية، التي تعتمد المقامات العراقية في الطريقة البغدادية المتميزة التي تكون التلاوة ضمن المقام الواحد وبدرجات صوتية متفاوتة، بينما تعتمد الطريقة المصرية تعدد المقامات والانتقال من نغم الى آخر(modulation) حسب مضمون الآية ما يُغني القدرة التعبيرية ..وقد ساهمت المنقبات النبوية وحتى الردات

الحسينية في ترسيخ الجانب الصوتي للمتلقين لكن من دون دراية بالطبيعة النوعية للأنغام!

***

ما من موضوع اختلفت فيه الآراء وتضادت مثل موضوع نشأة الموشح مكاناً وزماناً، وإن كان الثابت لدى الجميع هو نموه وتطوره في شبه جزيرة إيبريا وتحديداً في الأندلس،التي انضافت الى اسمه نَسَباً أينما حلً غربا و شرقاً فهو “الموشح الأندلسي” بلا نزاع! والخلاف عميق فهناك جمهرة من الكتاب المعتبرين ترتئي نشأته في بغداد على يد عبد الله بن المعتز (ت 296ه) بالموشحة المنسوبة له ” أيها الساقي إليك المشتكى” الذائعة، وقد تبنى هذا الرأي أساتذة مرموقون أمثال أحمد أمين وعبد العزيز البشري وكامل كيلاني وأحمد حسن الزيات وغيرهم..( راجع: الموشحات العراقية للدكتور رضا محسن القريشي ص51 ، دار الرشيد/بغداد).

ويعترض الأستاذ الكبير طه الراوي (ت1946) في بحثه الموسوم ” موشحة أيها الساقي” على هذا الرأي ناكراً أن تكون الموشحة أعلاه لابن المعتز بل هي في رأيه تعود الى ابن زهر الحفيد الأندلسي ويرى أن سبب الخلط هو ياقوت الحموي (ت626ه) الذي نسبها خطأً لابن المعتز في كتابه معجم الأدباء فتلقفها الآخرون دون تمحيص ( مجلة الرسالة ع 458 س1941 عن القريشي ص58). والراي الأثبت هو للراوي حيث لم يأت ذكر لهذه الموشحة لكل من أورد شعر ابن المعتز كالصولي -وهو قريب عهد لابن المعتز- في كتابه “أشعار الخلفاء” الذي دون فيه جل شعر ابن المعتز!(القريشي ص59).

ولا بد من أن نذكر رأي الباحثين الإسبان الذين يزعمون أن الموشح قد تأثر بالأغاني الشعبية الإسبانية القديمة التي وصلت الى العرب عن طريق المستعربين الإسبان أو عن طريق المسيحيين منهم الذين عايشوا العرب، ومن علائم ذلك أن الخَرجة (القفلة الأخيرة للموشح) طالما اختلطت بالإسبانية! ( منتخبات للشعراء الأسبان، ترجمة د. حكمة الأوسي عن القريشي ص51)، ويرى أبعد من هذا الرأي يوسف اسعد داغر بأنه محصلة للمنشدين الفرنسيين الجونكَلور Jongleurs الذين كانوا يجوبون الأندلس في القرنين الميلاديين السابع والثامن، ثم يرى أن لأناشيد التروبادور ما يشبه الموشح ..(مصادر الدراسة الادبية، يوسف أسعد داغر 1/241).

وهذا الرأي تفنده (الموسوعة البريطانية 22/501): “إن جماعة التروبادور Troubadoursعاشوا في نهاية القرن الحادي عشر الى آخر الثالث عشر الميلادي بينما عاش مقدم بن معافى القبري وابن عبد ربه الاندلسي اللذان ينسب لهما اختراع الموشح في النصف الأول من القرن التاسع الى النصف الأول من القرن العاشر الميلاديين، فيكون

ظهور الموشح سابقا لجماعة التروبادور”. وعن موضوع الكلمات الأعجمية في الخرجة، فإن الخرجة لم تصاحب بداية ظهورالموشح ووجود الكلمات العامية والدخيلة أمر طبيعي بسبب الاختلاط.

وللدكتور عبد الواحد لؤلؤة بحث هام ” ملامح عربية في بواكير الشعر الأوربي” يثبت فيه العكس حيث تاثر التروبادور بالموشح خصوصا وبالشعر الأندلسي عموما سواء في القالب الشعري وخاصة اقتباس القوافي والأوزان التي لا قبل للشعر الأوربي بها وكذالك في المحتوى الجديد عن الحب والمرأة والخمر التي لم يعهدها الشعر الأوربي سابقا الذي اقتصر على الإنشاد الكنسي..(النفخ في الرماد د. عبد الواحد لؤلؤة ص102-،103 دار الشؤون الثقافية، بغداد).

وفي تقديري أن هناك ثلاثة عوامل أدت الى ظهور الموشح في الاندلس:

أولا : الطبيعة الخلابة للأندلس والحياة الاجتماعية الجديدة وما رافقها من أنس وطرب وما توفره من حرية بعيدة عن التزمت، وتشجيع الخلفاء للشعر ومجالسه التي يغنى فيها الشعر، بالشكل الذي فاق المشرق الذي طالما قلده الأندلسيون ..

ثانيا: كان لهجرة أصحاب المواهب من أمثال الموسيقار زرياب المتعدد المواهب حيث نقل للاندلس عام 822م الثقافة العباسية من مأكل ومشرب وملبس وأسلوب المآدب وأصول الحفلات وفتح معاهد لتدريس الموسيقى المشرقية والشعر وأسلوب تلحينه وإنشاده مع الموسيقى حين جلب الجواري اللواتي يحسن العزف والغناء ويحفظن الشعر ما خلق قاعدة مثقفة وذواقة في فهم الشعر والغناء والموسيقى.. بل وأسس لعلم جديد هو علم الآلات الموسيقية، إضافة لأعلام شدّوا الرحال الى الأندلس مثل أبي علي القالي (288-356ه) صاحب “الأمالي” وشعراء كابن زريق البغدادي (ت 520ه)..

ثالثاً: التأثيرات الأجنبية المختلفة التي جذبت اهتمام الفرنجة وساعدت على نشر الموسيقى والشعر الاندلسي بما فيه الموشح، ولا يمكن نكران هذه التأثيرات حتى وإن بدت قليلة.

والموشح هو فن مستحدث من فنون الشعر العربي اتسم بتعدد الأوزان وتعدد القافية فهو ثورة على الشكل التقليدي للقصيدة مع تناول معاني في عمومها مقتصرة على الحب والمرأة والخمر مع رقة في الألفاظ وحسن في التصوير على حساب قوة الأفكار والمعاني، وهذه الميزات اقتضتها ظروف الغناء، وطالما تتخلل الموشح تعابير عامية ودخيلة.

وبناء الموشح هو من المطلع وله غصنان، ثم دور وله ثلاثة أسماط، ثم قفل، ثم خرجة وهي القفل الأخير، ونموذج ذلك موشح لابن بقي القرطبي الأندلسي (201-ه276):

المطلع وفيه غصنان: عبث الشوق بقلبي فاشتكى/ ألم الوجد فلبّت أدمعي

دور من ثلاثة اسماط: أيها الناس فؤادي شغِفُ/ وهو من بغي الهوى لا ينصفُ/ كم أداريه، ودمعي يكفُ

قفل: أيها الشادن من علّمكا/ بقتال اللحظ قتْلَ السبُعِ

خرجة (القفل الأخير): لم أجد للصبر عنه مسلكا/ فانتصاري بانسكاب الأدمع

(القريشي ص 30-31).

الموشح في بدايته استجابة للحالة الغنائية التي بدت ألحاناً كلماتها بالعامية، ولغرض اشباع القفلة والوزن الشعري حين تكون العبارات قصيرة ما يُلزم استخدام المدّ بكلمات مثل ياللّي، أو أمان كمتكآت لحنية (تيمات)، ثم بدت مرحلة إكساء الميلودي اللحني بكلمات الفصحى التي شرعت تسود وتتعايش مع بقايا من التعابير العامية خاصة في الخرجة. فلنسمع لواحد من أرباب الموسيقى: “الموشح هو انتفاضة شعرية موسيقية قام بها الموسيقيون على الأوزان الشعرية الموروثة وعلى رتابة القافية طوال القصيدة التي شكّلت قيودا تكبِّل للألحان الغنائية فلا بد من شعر أو عبارات شعرية تستجيب للألحان” ( الموسيقا للجميع، عزيز الشوان ص87، الهيئة المصرية للكتاب).

وذهب هذا المذهب أو اقترب منه كثير من الأكاديميين الذين أكدوا أن الموشح في أول ظهوره قالب غنائي شعبي انتقل الى الشعر، كالأستاذ الدكتور عبد العزيز الأهواني “التوشيح فن اندلسي ظهر منذ أواخر القرن الثالث الهجري على يد عدد من شعراء الأندلس، وكان ظهوره متصلاً بالغناء مرتبطاً بالاغاني الشعبية” ورأ الراي نفسه حنا فاخوري الذي يرى أن “الموشحة قصيدة شعرية موضوعة للغناء” وكذلك مصطفى عوض ( فن التوشيح، مصطفى عمر ص17)…

ويعرج الشاعر الكبير ابن معصوم المدني (ت1120) على فن غنائي شعري آخر، فيه سمات الموشح وعنى به الصنعاني والفرق أن الأخير يُغنّى بالعامية اليمنية ” ولأهل اليمن نظم يسمونه الموشح غير موشح أهل المغرب، والفرق بينهما أن موشح أهل المغرب يراعى فيه الإعراب وإن وقع اللحن في بعض الموشحات. بخلاف أهل اليمن فإنه لا يُراعى فيه شيء من الإعراب بل اللحن فيه أعذب وحكمه في ذلك حكم الزجل” ( سلافة العصر..ص243).

انتشر الموشح في المغرب العربي وأكثر منه في الشام والعراق ومصر، وفي العراق سبق الموشحَ فنُ المواليا (الموّال الغنائي الشعري) الذي تلقفته مصر وبز جميع الألوان الغنائية لحد اليوم تحت التسمية نفسها (الموّال)، بينما سرى الموشح في الموصل التي

أبدع شعراؤها فيه من أمثال: ابن الدهان الموصلي (ت581ه) وعثمان البلطي (ته599) وأحمد الموصلي (656ه) وشهاب الدين التلعفري (675ه).. ومنها الى بغداد مثل عبد الغفار الأخرس (ت1290ه) وعبد الباقي العمري الموصلي (ت1278ه) ، أما في النجف فأبدع فيه حيدر الحلي (ت1305ه) وموسى الطالقاني (ت1298ه) ومحمد سعيد الحبوبي (1333ه) ومن يرومُ المزيد عن الموشح العراقي وشعرائه فكتاب الراحل الدكتور رضا محسن القريشي ( الموشحات العراقية) سيجده بستانا حوى أزاهير جميلة من الموشحات.

ومثل ما قلنا في المقام العراقي ندعو وزارة الثقافة والمعنيين بالفن بإعادة الحياة لفرقة الإنشاد التي أبدعت تحت قيادة الراحل روحي الخماش، في أداء البستات والموشحات فهل من سامع؟! واختتم بهذا المجتَزء من موشح للحبوبي:

وحميا الكاس لمّا صفّقت/ أخذت تُجلى عروساً بيديهْ

خِلتها في ثغره قد اعتقتْ/ زمناً واعتُصِرت من وجنتيه

من بروق بالثنايا اأتلقت / في عقيق الجزع أعني شفتيه

كشفت سترَ الدجى فانكشفا / وانجلى الأفقُ بصبحٍ بيِّنِ

أكسبتنا إذ سقتنا نُطَفاً / خِفةَ الطبعِ وثِقلَ الألسُنِ صفّقت/ أخذت تُجلى عروساً بيديهْ

خِلتها في ثغره قد اعتقتْ/ زمناً واعتُصِرت من وجنتيه

من بروق بالثنايا اأتلقت / في عقيق الجزع أعني شفتيه

كشفت سترَ الدجى فانكشفا / وانجلى الأفقُ بصبحٍ بيِّنِ

أكسبتنا إذ سقتنا نُطَفاً / خِفةَ الطبعِ وثِقلَ الألسُنِ




الانتقال السريع

النشرة البريدية