الأحد 27 نوفمبر 2022
20 C
بغداد

لنفتح ملف ارهاب الآخر/ المختلف

من المؤكد ان المواطن العربي على اختلاف انتماءاته السياسية والفكرية يشترك في موقف مبدئي موحد من الحملات الاعلامية والسياسية الاميركية- الصهيونية التي تريد ان تقنع العالم اجمع بمن فيهم العرب ان الارهاب هو اختصاص عربي وانه لا بد بالتالي من معاملة العرب على هذا الاساس.

ان الاعلام الاميركي- الغربي- الصهيوني بشكل عام يقدم صورتين للعربي- الاولى: الصورة الأسوأ وهي التي تصور هذا الانسان مخلوقا همجياً ليست لديه اية عواطف او قيم او اي مستوى من الرقي او التحضر لا تشبع غريزته الا بقتل الابرياء والاطفال والنساء. والثانية: الصورة الاحسن وهي الاشد ذكاء ودهاء وبالتالي الاشد اثراً تعترف لهذا الانسان بان له قضية ولكنه لشدة تخلفه لا يستخدم الوسائل الحضارية في طرحها من اجل اقناع المقابل بأحقية قضيته، وقد وقع للاسف بعض المسؤولين العرب في هذا الفخ ، الذين كثيرا ما كانوا يتحدثون عن ضرورة الارتقاء الى الاساليب الحضارية الراقية في اي صراع يخوضه العرب والتخلي عن الاساليب المتخلفة ، فهل لهاتين الصورتين اي نصيب من الحقيقة والموضوعية؟

ما دام الآخر يريد ان يخوضها معنا في هذا المجال حرب قيم فيصدق نفسه فعلاً انه يملك كل معايير التقدم الحضاري والخلقي واننا جميعا قوم متخلفون لا امل لنا بالتقدم الا اذا الحقنا انفسنا بهم – أي بهذا الاخر – الحاقاً تبعياً. فاننا نسمح لانفسنا بالملاحظات التالية في هذا المجال بالذات:

* ان الحضارات الغربية قد تخصصت من بين كل الحضارات البشرية بنوع فريد من الخبث الحضاري الذي يمكن ان يعدك انسانا اخلاقياً ومتحضراً حتى وانت تقتل انساناً آخر ما دمت تفعل ذلك بهدوء وبأبتسامة عريضة من غير ان تتفوه بأية كلمة نابية ومن غير ان ترفع عقيرتك بالصراخ، اما اذا فعلت ذلك وانت ترتدي القفازات فانك ذروة في الرقي والتحضر.

ولست اقدم هنا صورة ساخرة ترمي الى المبالغة المغرضة بل اني اختصر بهذا التشبيه تيارا كاملاً من سيل من كتابات العديد من فلاسفة الغرب الذين صحت ضمائرهم على ان الحضارة الغربية دفعت بالتقدم النفسي أشواطا حافلة الى الامام على حساب تقهقر اخلاقي لم تعرف له البشرية مثيلا.

* في ما يتعلق بالعلاقة بيننا وبين الغرب فان هذا الغرب الذي يعد نفسه ارشد شعوب الارض وأكثرها رجاحة عقل له تاريخ حافل مع التعامل مع شعوب الارض قاطبة بنسبة من القهر لم يعرف لها التاريخ مثيلا.

واذا كانت كتابة التاريخ بالمنطق الغربي ما زالت تصر على ان ذروة الوحشية على طول التاريخ البشري وعرضه حتى مذابح التتار في غزواتهم فان أية مقارنة موضوعية بين تاريخ الغزوات التتارية وتاريخ الاستعمار الاوربي في القرنين التاسع عشر والعشرين والواحد والعشرين توضح ان الغرب قد اضاف الى وحشية سفك الدماء التي عدها زورا اختصاصا تتاريا ، وحشية تشويه نفسية الشعوب

واذلالها ونهب ثرواتها المادية والبشرية وتخريب كياناتها الاجتماعية لا لشيء الا لتلبية شهوة السيطرة بدون رادع او حسيب.

ان هذا الطراز من الوحشية الغربية بالغة التعقيد والعنف قد خلقت لدى كل الشعوب المستعمرة انواعا من ردود الفعل التي لا بد من ان يكون الغرب واعيا لها. وهو يفعل في هذه الشعوب فعلته التاريخية الشنيعة. فهل كان علماء اميركا وبريطانيا ومثقفوها وقياداتها السياسية والعلمية والاجتماعية يجهلون مثلا ان تشريد شعب بأكمله من وطنه كشعب فلسطين لتنفيذ حلم مجنون مهووس بتجميع اليهود في كل ارجاء المعمورة لاقامة وطن على اشلاء ذلك الشعب المهجر لن يتحول الى بؤرة لردود فعل لا حدود لعنفها مادام الوضع الشاذ قائماً؟

هذا ما كان يعنيه بالضبط وما تحدث عنه المؤرخ البريطاني توينبي بشجاعة ادبية فائقة عندما وصف دور بريطانيا في المساعدة على تكوين الكيان الصهيوني بانه جريمة تاريخية لا تغتفر لان اقامة هذا الكيان على حد قوله ستؤدي الى كوارث لا احد يعلم مداها.

ان دول الغرب ومعها اميركا بسيطرتها على وسائل التقدم العلمي والاعلامي والنفسي اصبحت تتلذذ في تطوير عمليات اخضاع الشعوب واذلالها وتخريبها من الداخل بأساليب لا حدود للتغني فيها ومعظمها اساليب غير مباشرة شديدة البراءة في مظهرها الخارجي شديدة الهدوء لا تترك بقعة دم واحدة على يد المجرم ولا تضبط سحنته مرة واحدة متلبسة بتكشيرة وحشية او بظهور النواجذ الامامية لكل ذلك فهي اساليب متحضرة.

اما اذا ادى ذلك القهر الى شعور بالاحباط لدى افراد اي شعب من شعوب العالم المضطهدة وانفجرت برد فعل عنيف صريح فان هذه الشعوب كلها تستحق عندئذ ان توصم بانها حثالة التاريخ عديمة القيم والحضارة والاخلاق مشغوفة بالعنف في سبيل العنف.

ان اية مناقشة لموضوعة الارهاب لا يجوز ان يتوسع فيها باحث او صحفي اذا اراد ان يكون جادا الا باتجاه فتح ملف جذور التحول الى اعمال العنف في مجتمعات العالم المضطهد الممتد عميقا في تاريخ طويل من القهر الاوربي بالغ الوحشية المجرد من اية قيمة اخلاقية لقرون طويلة مستمرة ايام كان الغرب وبكامل وعيه الحضاري وبكامل ادراكه نتيجة كل ما تقترف يداه في دول هذا العالم ارضاء لشهوات السيطرة الاقتصادية الغريزية. هكذا فقط هنا يفتح ملف الارهاب والا فليقفل الى الابد.

*[email protected]

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
894متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

السوداني الارادة والواقع

ما يبعث على السعادة والتفاؤل  بالغد الافضل هو التصميم والارادة الموجودة لدى رئيس  مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، واجراءاته لتحقيق الاصلاح والتغيير النابع من الايمان باهمية وضرورة...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

طباخ السم الإيراني يذوقه

اتهم المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي الولايات المتحدة وإسرائيل بإثارة الاضطرابات. ووفقا لوكالة مهر الإيرانية للأنباء، قال في حفل تخرج مشترك لطلبة جامعات ضباط...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

في : تشظيات الأخوة اكراد المِنطقة .!

من بعضٍ من هذه الشظايا السياسية والإعلامية لحدّ الآن , فإنّ اكراد سوريا بعضهم يصطفّ مع حكومة الرئيس بشّار , وبعضٌ آخر يقف الى...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

سيادة العراق

- يستخدم سياسيونا ونوابنا وإعلاميون كلمة "سيادة" العراق.. في كثير من خطاباتهم وتحليلاتهم.. فما مفهومها وما مظاهرها؟!! وهل لعراق اليوم سيادة ؟؟ - بداية لابد...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

أدوات وصعوبات الحوار مع (الآخر) العراقيّ!

تحتاج العلاقات البشريّة الناجحة إلى بعض العلوم الإنسانيّة والنفسيّة، ويُمكن اعتبار فنون الحوار والإقناع ومناقشة الآخر والكتابة والتخطيط من أبرز الفنون والعلوم الضروريّة للتواصل...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

البعد التاريخي للإسلام المتطرف

لا يغادر مخيلة اهل بلاد الرافدين ما فعله تنظيم داعش الارهابي من جرائم وفضائح ما بين عامي  2014 - 2018 , حتى تم القضاء...