الاثنين 10 أيار/مايو 2021

 لماذا أصبح الإرهاب أقوى من الدولة؟!

الأربعاء 17 أيلول/سبتمبر 2014
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

ما هي ثقافة هؤلاء الشباب الذين يبتهجون لحمل السلاح تحت راية الميليشيات جاعلين المواطنين تحت حالة من القلق والرعب، مُهدّدين النظام الديمقراطي الذي بالكاد ينتهي من عثرة ليتفاجأ بأخرى؟ ثم ما الذي يجعل قياداتهم ترمي بهم وبمستقبلهم إلى التهلكة؟ وإلا هل يمكن أن تستمر الميليشيات مع وجود الدولة؟ أم أن الأجهزة الإيرانية تريد الاستمرار بلعبتها الجهنمية إلى مالانهاية وذلك من خلال لبننة الوضع العراقي من خلال تكريس ظاهرة الميليشيات على حساب هيبة الدولة وسيادة البلاد! لقد أصبح من الواضح الآن، إن إيران تريد تفكيك الدولة العراقية من خلال دعم الميليشيات وإدامتها.

واستطراداً، ما هي الثقافة التي جعلت أولئك الشباب ارهابيين يفخّخون أجسادهم ويفجرونها في الأسواق والمساجد ودوائر الدولة ليقتلوا ويجرحوا مئات الأبرياء أملاً بدخول الجنة قالبين قيم الإسلام رأساً على عقب! إنها شخصيات مضطربة مأزومة، مُثقلة بالشعور بالذنب بسبب سوء التربية والتدين المتخلف حيث تنقلب صورة الإسلام دين الرحمة والمحبة، في مرايا عقولهم المقعرة إلى مجرد رعب من العقاب الإلهي! فيحدث أن يتلقفهم دعاة الإرهاب فتتم تربيتهم على مباديء (القاعدة) وثقافة التكفير ليعمموا رعبهم على الجميع!

مقولات التكفيريين لا تصمد للنقاش الموضوعي لحظة واحدة، مقولات مثل: (إن الرعب الناتج عن أعمال العنف ستهزّ الجماهير كي ترى الحقيقة)! و(كل من يشارك

في البرلمان أو له علاقة بالانتخابات فهو رافض للقرآن جملة وتفصيلاً، وكل مسلم يرفض القرآن يجب قتله)! هذه هي خلاصة ثقافة قادة التكفير التي يبررون بها إرهابهم دافعين بلدانهم والمئات من أتباعهم إلى الهلاك!

إن الأفكار العدمية التدميرية التي بشر بها أيمن الظواهري من سجنه بالقاهرة قبيل أطلاق سراحه في الثمانينات، في مشهد استعراضي نقلته التلفزيونات وقتها، تلك الأفكار المتطرفة التي تدعو لإباحة دماء المواطنين، وإشاعة أجواء الرعب بينهم (كي يستيقظوا من غفلتهم ويروا ما هم فيه من خراب وأزمة)! هي من نتاج خراب بعض العقول التي اختنقت باضطرابات الواقع فعجزت عن تحليل أزماته وفهم منشأها الموضوعي وإمكانية تغييرها.

وتلك الأفكار العمياء لم تكن جديدة وليست من صناعة الظواهري، بل سبق وأن صاغها أدولف هتلر بقوله (مقتل إنسان واحد هو مأساة ومقتل مليون إنسان مجرد أحصائية)! وحسب المدرسة الهتلرية (يجب أن لا يهتم القائد لما يحل بالبشر العاديين من كوارث خلال الحروب)! بل إن أجواء الرعب هذه هي التي تضعضع إنسانية البشر ما يخلق عندهم استعداداً للتحول إلى (قطيع) تسهل قيادته وتوجيهه الوجهة التي تريدها الحركات الإرهابية!

أفكار نازية يجترّها أرهابيون طالما وجدوا مزيداً من الشباب المصابين بالتطرف وعمى البصيرة، غير مُدركين إن أزمات كهذه لا يمكن إحالة أسبابها على شخص معين أو حزب او جماعة، كي ندعو لإفنائها حتى تنتهي الأزمة معها! ولأسباب شتى لا يستطيع المتطرف إدراك إن الأزمات السياسية في كل عصر هي نتاج معطيات وتراكمات تاريخية تتداخل مع بعضها فتشكل نسقاً سياسياً معيناً يحتاج مزيداً من الوقت لتفكيكه والتخفف من شوائبه كما حدث للعديد من الشعوب التي عاشت ما نعيشه من أزمات الآن، حيث دفعت أثماناً باهضة ضريبة دخولها عالم التمدن والديمقراطية لتتطور وتتصدر واجهة العالم المعاصر، ولو اتبعت أساليب القاعدة أو النظام السوري أو داعش لكانت في الحضيض الآن.

لكن المتطرفين عندنا لا يختلفون عن أشباههم في المناطق الأخرى، حيث القاسم المشترك هو العدمية السياسية، أي عمى البصيرة وغياب الحكمة التي تقول: (الذكي

من اتعظ من أخطاء غيره) لكن منطق المتطرفين غير قابل للنقاش حتى وهم يرونه يأكلهم الواحد تلو الآخر. إنها العدمية التي لا تنتهي إلا بنهاية أصحابها.

لم تاتِ القاعدة بمعجزة في عملية اختراقها للوضع العراقي. هناك عاملان سهّلا هذا الاختراق، الأول هو تعفن الثقافة النازية لنظام البعث، ونقاط الضعف العديدة التي كانت تعانيها مؤسساته الأيديولوجية: افلاس الشعارات القومية، ثم تدهور المؤسسات العسكرية والأمنية بعد تحول الدولة إلى سلطة طوارئ في أعقاب انتفاضة آذار 1991 فحلّت ثقافة المخابرات محل ما عداها بعد حرب الخليج الثانية. هذا ما دفع بصدام حسين للبحث عن جوٍ سياسيٍّ آخر موازٍ لايديولوجية البعث المتعفنة، فاختار (الحملة الإيمانية)! وما عنته حينها من تغيير في أساليب وحقول العمل الدعائي. وكل ذلك لم ينفع سلطة صدام بقدر ما خلق مناخاً اجتماعياً ملائماً لدخول ثقافة (القاعدة) لاحقاً واستثمارها سياسياً لمصلحة مشروع اشاعة العنف وتحويله إلى ثقافة اجتماعية إذ لم يعد بإمكان البعثي أن يصبح (عضواً عاملاً) في الحزب ليحصل على كافة الامتيازات إذا لم يكن قد مارس القتل فعلياً بحق (أعداء الثورة).

والعامل الثاني هو خطة الاحتلال الأمريكي فتح حدود العراق لفلول القاعدة وفق (نظرية صحن العسل) كي يتجمع حوله الذباب ليسهل القضاء عليه، حيث ظل الرئيس بوش الإبن آنذاك يُطمئن شعبه بالقول: (إننا نقاتل الأرهاب الآن ولكن خارج حدود بلادنا)! وتلك النظرية لم تثبت (الذكاء المفرط) لإدارة بوش ناهيك عن غياب التبرير الأخلاقي في قيام الأمريكان بتفكيك دولة مُحتلة وترك شعبها في عراء أمني، ضحية سهلة لفلول الإرهاب! وبالمقابل لم تثبت فلول القاعدة ذكاءً إلا بترتيب المزيد من المجازر لآلاف المدنيين من العراقيين العزل. إنه ذكاء المجرمين ليس إلا.

أن تغافل حكومات ما بعد 2003 عن كل هذه الحقائق هو ما قصدناه بالعدمية السياسية. لقد تنازلت الأحزاب المتنفذة عن سيادة العراق واستقلاله لأطراف إقليمية ودولية معروفة لذلك لم تستطع أن تكون طرفاً حقيقياً فاعل في الصراع الذي يدور حول مصير العراق ومصالحه!! مؤتمرات إقليمية وأخرى دولية تُعقد في مختلف بلدان العالم لتناقش إمكانية إنقاذ العراقيين من شرور داعش! كل هذا يحدث دون أن يكون العراق طرفاً فاعلاً فيه! لماذا؟ لأن الأحزاب المتنفذة ذاتها لم تهتم ببناء

مؤسسات الدولة المحايدة، الخدمية والأمنية والقضائية، بل قلبت دور الدولة رأساً على عقب فجعلتها غنيمة وتقاسمتها بالمُحاصصة! إنها شركات سياسية مُساهمة أكثر من كونها أحزاباً سياسية! لذلك أصبح الإرهاب أقوى من الدولة.

ولمعالجة الأسباب: إذا لم يتم إيقاف مشروع الدولة الريعية الذي كرّسته حكومة المالكي حيث أماتت الصناعة والزراعة وهمّشتَ سوق العمل مُحوّلةً العراق بلداً استهلاكياً! تاركةً ملايين العاطلين عن العمل للبؤس والحرمان ما جعلهم احتياطياً سهلاً للميليشيات والمنظمات الإرهابية.

وإذا لم تتحمل حكومة حيدر العبادي مسؤوليتها في موجهة الفساد والإفساد وكرّرت نفس أخطاء وخطايا المالكي فهذا يعني إن هناك إرادة مسبقة وقوى إقليمية ودولية منتفعة من استمرار ضعف الدولة وتفككها! وفي هذه الحالة، حتى لو تم إضعاف الإرهاب مؤقتاً فإنه سيعود لاحقاً وبشكل أقوى مستفيداً من تجاربه، بل سيصبح أقوى من العراق دولةً وشعباً ولات ساعة مندمِ !!

*[email protected]




الانتقال السريع

النشرة البريدية