الاثنين 26 تموز/يوليو 2021

من بارباروسا الى العراق بعد جنيف 2

الاثنين 20 كانون ثاني/يناير 2014
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

بارباروسا التي اراد بها الالمان تغيير العالم، أرّخت انطفاء الشعلة التوسعية لأستعماريّ العالم القديم، او ربّما عملت كساعي بريدٍ اولمبي، حيث سلّمت الرئيس الديموقراطي هاري ترومان، بعد 12 سنة لسلفهِ الديموقراطي هو الأخر، فرانكلين روزفلت، الشعلة.
 نستطيع ان نقول ان ترومان هو التلميذ الأكثر نجابة من نواب الرؤوساء الذين كانوا في البيضاوي في زمنِ ولاياتهِ الثلاث، وماصنعهُ ترومان في فترتهِ الرئاسية التي امتدت لثمانٍ من السنين، ضاعت فيه الخطوط الفاصلة بين سياسات الحزب الجمهوري والديمقراطي، بسبب تنويعة الأحلاف التي اكلت امريكا بشوكتها معظم مناطق النفوذ في العالم، فحلف الريو -1947م والاطلسي-1949م والانزور 1951م، تمّ خلال الولاية الرئاسية الأولى لترومان.
الاهم ان ماقام بهِ ترومان يُعطينا دفعة على الحساب، لتدبيجِ فرضية خلود فكرة “الحزب الجمهوري الديموقراطي” الذي يبدو بأنّهُ الشكل الحقيقي لنظام الحكم الأمريكي، فالفرق بين الفيل والحمار لم يشرآب رأسهُ إلّا في عهد اندرو جاكسون، بعد اثنين من الرؤوساء الفيدراليين و اربعة من الجمهوري الديمقراطي الذي يبدو بأنّهُ يُكذّب عملية فصل توأم الفيل والحمار في فترتهِ الرئاسية.
شُعلة “التورتة” .. العالم، ظلت متقدة، او نستطيع ان نقول ان عبارة ” تمنى أمنية”  سببت اطفاء الشموع والعودة الى إيقادها مرات عديدة، اذ انها الأخرى سببت سقوط معاهدات وولادة أخريات منهن، مثلاً، المعاهدات الثنائية بين بريطانيا وفرنسا مع الأتحاد السوفييتي السابق تبللت مع  دخول لندن وباريس في كولسيوم حلف الأطلسي.
ربّما أيضاً نستطيع ان نخاطر ونقول ، ان دوايت ايزنهاور الجمهوري، استلم شُعلة ” التورتة” من ترومان ليطفأها، الدليل ان سياسته الخارجية أُصيبت بـ ” الباكتا مونيا” .. هوس الحلف.
دخلت امريكا في تحالفت ثنائية وثلاثية ورباعية وكل ماملكت إيّمانها من قدرة على التحالفات، في خمسينيات القرن الماضي، المحرك الأكبر لـ “الباكتا مونيا” هو النزاع الجيو استراتيجي مع المطرقة والمنجل السوفييتية، وطبعة ماوتسي تونغ الصينية منها في آسيا.
لذا فأن حلف مانيلا الذي اعتبرهُ بعض الباحثين توسعة لحلف الأنزور، يصبُ في هذا الأتجاه، ورغم ان معاهدة الدفاع المشتركة بين الدول المكونة للحلف فيها يُسمع من موادِها فخامة جرس حلف الأطلسي، إلّا ان امريكا وضحّت انها ستقوم باجراءات عسكرية فقط في حالة  اذا ماكان نوع العدوان على احدى دول الحلف من النوع الشيوعي.
الباحث الامريكي مورغنثاو صنّف الاحلاف الى انواعٍ عدية منها ” المُكملة” و ” العامة”، وربّما هذين النوعين كانا الأكثر حضوراً في التحالفات الأمريكية في آسيا والشرق الأوسط العربي، كما نستطيع ان نقول ان فعالية هذين النوعين هما ” تحييد” الادوار التي تستطيع هذه الدول ان تلعبها في حالة نشوب نزاع مصالح بين امريكا واحد الدول العظمى في المنطقة.
اذاً ماذا سنرى اذا قفزنا من مانيلا الى المعاهدة الامريكية – العراقية سنة 2008،  ولماذا مثلاً لم نقل المعاهدة العراقية – الامريكية؟ يدعونا هذا لنكرر ماذكرهُُ محمود شكري في كتابه ” الاحلاف والتكتلات في السياسة العالمية بأن ” الدولة السائدة في حلفٍ ما ، تبحث عن اكبر دعمٍ ممكن لها من الدولة التي الدول التي دخلت معها في الحلف”.
المؤكد ان امريكا باتت غير مستفيدة، بسبب التقارب العراقي الإيراني الذي كنتُ اظن بأنّهُ مجرد استعارة لأبجديات الحكم من شريك ديني – مذهبي، ولكن ماصرّح به المالكي في مصر وقت الأخوان عندما قال بأن الأمة العربية جزء من الأمة الأسلامية ! اثبت بأن النووي الأسلامي بطبعته الإيرانية كان قد هدّم اي املٍ بأن هنالك هيكلاً قد تبقى من تصورات بناء دولة قد يكون مختفياً في الأزمة العراقية.
الوهلة الأولى قد تبين لنا بأن هذا لايعدو سوى تنويعات من الفكرة الكلاسيكية للسياسة الأمريكية.. النتيجة النهائية تميل الى التحالف مع طغاة وديكتاتوريات، وربّما هذا يسبب فكرة القبول بولاية ثانية للمالكي، وربّما حتى ولاية ثالثة، مادام من المعروف بحثياً  (1)  ان دخول امريكا في اي حلف مع دولة في وقتِ حكومة ما، وجدنا بأنّهُ يدفع واشنطن الى منع اي تغيير او اضطراب سياسي داخلي قد يؤدي الى زوال تلك الحكومة وبالتالي تبخر الأتفاقات المبرمة معها.
مايشجعنا اكثر على هذا التصور هو شرعنة النتوءات البارزة لحضور إيران الاقليمي من قبل امريكا والدول الاوروبية، فلا اتصور بأن احداً لديك شك بأن الأتفاق الإيراني النووي مع الست الكبار لن يكون ثمنه مجرد مراقبة للمنشآت النووية والاتفاق على نسبة تخصيب اليورانيوم، الثمن الحقيقي سيكون جيواستراتيجي.
لكن هل هذا الفهم ينطبق على المالكي فقط، بأعتباره اكثر اللاعبين تأثيراً في التحالف الوطني الشيعي ؟ لااتصور ذلك، وربّما قد تكون سلسلة المقالات (2) التي كاتبها نائب رئيس جمهورية العراق السابق، عادل عبد المهدي، المنضوي ضمن جناح المجلس الأعلى، دليلاً على ذلك.
الأبرز في تلك السلسلة، هو اشارة عبد المهدي الصريحة الى ان علاقة العراق بامريكا تشبه علاقة العراق ببريطانيا قبل ثورة 1958م، وحتى العقيدة العسكرية العراقية اصبحت امريكية، ومايعنيه ذلك من ارتباط وثيق بالولايات المتحدة الأمريكية.
عبد المهدي انتقد ونصح في هذه السلسلة النخبة المثقفة  في العراق بضرورة اجراء جدل حقيقي بهذا الشأن، وبالضرورة فأنّهُ رسالة الى واشنطن بأن مايقوم بهِ المالكي هو نتيجة جهود التوربين الشيعي السياسي، وليس عبقرية سياسية من النوع الديكتاتوري.
اذاً هل هنالك من فائدة حقيقية للمعاهدة الأمنية الامريكية – العراقية، مادامت إيران قد اصبحت قاب قوسين او ادنى من كونها شريكة للستة الكبار ؟ وهل من الأفضل  الاعتماد على الحديقة الخلفية ” العراق” وسط تصارع العديد ممن يقومون بأعمال البستنة فيها ” الأحزاب العراقية” أم الاعتماد على البستاني الاقليمي الاكثر حضوراً ” إيران” ؟
مع الأسف ان جواب لـ ” ننتظر” لن يكون موفقاً، خاصة ونحن على اعتاب جُنيفية جديدة، فالجميع يعمل على الأرض بقوة ، ولن تعدو جنيف 2 سوى كونها تطبيقاً للمنطق الارسطو طاليسي.. مقدمات صغرى ومقدمات كبرى تؤدي الى نتائج صغرى وكبرى من نفس النوع.
النتيجة العراقية لهذهِ الجُنيفية ستكون القضاء على أخر المتبقي من الدولة العراقية لصالح المذهب العابر للقارات ونخبة سياسية لاتفهم من السياسة سوى الولاء للأخر.

1-الاحلاف والتكتلات في السياسة العالمية ، أيضاً
2- اتفاقية الانسحاب.. وتدريب القوات.. ومستقبل العراق (1-6) – ( عادل عبد المهدي) المنشورة على موقع المثقف الالكتروني.
[email protected]




الانتقال السريع

النشرة البريدية