المياه لا تعود إلى مجاريها!

لعلّ الشاعر متمم بن نويرة ما كان بمقدوره أن يتنبأ بما تؤول إليه حال بلاد السواد حين دعا الله أن يسقي قبر أخاه بالمطر:
    أَقولُ وقدْ طارَ السَّنَا في رَبَابِهِ
                              وَجَوْنٌ يَسُحُّ الماءَ حتى تَرَيَّعَا
    سَقَى اللهُ أَرْضاً حَلَّها قَبْرُ مَالِكٍ
                             ذِهَابَ الغَوَادِي المُدْجِنَاتِ فَأَمْرَعَا
ما كان لمتمم أن يدرك أنّ دعوته، التي قصد منها أن تبعث الحياة في جسد ميت، يمكن أن تتحول إلى نقمة ومصيبة تنافس المفخخات والكواتم في سلب حياة حيناً، وتشريد مَنْ قَصُرَت يد الإرهاب عن الوصول إليهم، وإضافة عبء وهمّ إلى آخرين. لم يكن أحد يتخيّل، وهو يؤدي صلاة الاستسقاء، أنّ في المطر لوناً آخر من ألوان التعاسة والشقاء في بلاد يكون نعيمها سبباً للبؤس والموت والخراب!
    دول الجوار متهم رئيسي ـ دائماً ـ فيما تشهده البلاد من موت ودمار وتشظٍ. ومع يقيننا أنّ الجيران ليسوا أبرياء من دمنا وخراب بلادنا، إلاّ أننا لم نرَِ موقفاً حكومياً حاول أن يمنع الإرهاب العابر للحدود. ومثما أنّ دول الجوار سبب في عقمنا السياسيّ المزمن، فإنّها حبست الماء عن حقولنا وأحالت الرافدين وإخوتهما إلى حُفرٍ ينقصها خرير المياه العذبة كتجاعيد كهلٍ سُلبت منه نضارة الحياة.. ولولا بعض الحياء لقال مسؤولونا إنّ الغيوم التي أغرقت بيوتنا وشوارعنا جاءت من خلف الحدود لإفشال العملية السياسية!
    غياب التخطيط وضعف الجهاز الإداري وتوزيع المناصب وفق نظام المحاصصة لا الكفاءة أدى إلى كلّ الخراب والفساد الذي عمّ مفاصل الحياة، وسيؤدي ـ بالضرورة ـ إلى كوارث يصعب تخيلها وإصلاحها. بمتابعة بسيطة لمشروع الخنساء، الذي قيل إنّه سيكون حلاً لمشكلات العاصمة مع الفيضانات التي تسببها الأمطار، سنجدّ حجم الفساد الذي رافق سير العمل فيه، فضلاً عن البطء الشديد في تنفيذه بسبب مروره في أحياء عشوائية لم يرغب أحد بترحيلهم خشية التأثير على فرصة كتلته السياسية في الانتخابات.. مشروع الخنساء الذي ابتدأ العمل فيه عام 2008 بكلفة 105 مليار دينار وبسقف زمني مدته 3 سنوات، ما زال متعثراً بعد أن تجاوز مدة انجازه وتكلفته اقتربت من المائتي مليار دينار بحسب بعض المصادر.
    اعتاد المؤمنون والفقراء الطيبون اللجوء إلى صلاة الاستسقاء في سنوات الجدب واحتباس المطر.. عليهم أنّ يرفعوا أكفّهم إلى السماء لعلّها تحبس مطراً يأتينا من خلف الحدود، فغيومه التي تصبّ الماء تغرقنا من دون أن تذهب إلى (مجاريها). وإنْ كانت سفينة نوح قد استوت على الجودي بعد أن بلعت الأرض ماءها، فإنّ المركب الذي يقوده ساستنا بشراع ممزقة تتقاذفه الرياح وليس في الأفق من جبلٍ يمكن أن يعصمنا من الماء!
[email protected]

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
770متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

المتظاهرون عندهم وعندنا

لن يخرج النظام الإيراني المحتل من العراق وسوريا ولبنان واليمن إلا بحالة واحدة هي أن ينشغل بأمنه وسلامة رأسه قبل أي شيء آخر.   وهذا...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

استجداء مدراء المدارس بحجة التبرعات حيهم !

ضمن سلسلة اخفاقات متكررة لوزارة التربية بعدم المتابعة والمراقبة لإدارات المدارس وهي تقوم بتنظيف جيوب التلاميذ على مدار السنة الدراسية الجديدة، وخاصة حين يتم...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

العراق على مفترق الطرق اما يكون او لايكون!

بسبب الاخطاء الفادحة التي ارتكبتها الحكومات الشيعية المتعاقبة عقب سقوط النظام السابق (2003) وخاصة حكومتي "نوري المالكي" (2006 – 2014) بحق المكون السني في...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

كوردي ام عراقي؟

اجرت فضائية سكاي نيوز عربية حوارا مع السيد مسرور بارزاني رئيس حكومة إقليم كوردستان اثناء زيارته لدولة البحرين للمشاركة في (منتدى حوار المنامة 2021)...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

العراقيون هم أغلبية المهاجرين على الحدود البيلاروسية البولونية

غريب هذا الصمت الذي تتعمده اغلب ما تطلق على نفسها بالكتل السياسية ، وفي المقدمة الكتل الكردية، غريب كل هذا التغافل عن كون العراقيين...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

حول دور ومكانة الخيانة العظمى في تفكيك الاتحاد السوفيتي (1991 -2021) بمناسبة الذكرى ال 30 لتفكيك الاتحاد السوفيتي

المبحث الحادي عشر ( الحلقة الحادية عشرة) :: الانقلاب الحكومي وتفكيك الاتحاد السوفيتي في اب 1991 :: ادلة وبراهين. خطة المبحث الحادي عشر : المطلب...