الأحد 18 تشرين ثاني/نوفمبر 2018

البعثيون في الخليج والجزيرة العربية

الأربعاء 07 آب/أغسطس 2013
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

الدراسة التي نحن بصددها، تلقي الضوء على الظروف والعوامل التي مهدت لظهور تنظيم حزب البعث العربي الاشتراكي في منطقة الجزيرة والخليج العربي حيث شهدت هذه المنطقة في بدايات الخمسينيات ظهور العديد من التيارات السياسية القومية والماركسية والدينية. وقد تمثل التيار القومي بحركة القوميين العرب وحزب البعث العربي الاشتراكي والحركة الناصرية. وقد كان لهذا التيار دور بارز في تنمية الوعي القومي ومقاومة الاستعمار والهيمنة الغربية وفي عملية الاصلاح السياسي.
وعلى الرغم من هذا الامتداد التاريخي النسبي الا ان هذا التيار لم يعد له وجود الآن حيث اضحى مقتصرا على شخصيات كانت ضمن من اسسوا هذه الاحزاب على هامش الحياة السياسية ولا يستثنى من ذلك حزب البعث.
تركز الدراسة على الدور الذي اضطلع به حزب البعث في هذه المنطقة والاسباب الاقتصادية والفكرية والاجتماعية التي ساعدت على ظهوره من جهة وتلك التي حالت دون نجاح الحزب في هذه المجتمعات من جهة اخرى. وتمتد الفترة الزمنية التي تعطيها هذه الدراسة خمسة عقود من الزمن وتشمل كلاً من الكويت والسعودية والبحرين واليمن وعمان وقطر، سنستشي في مراجعتنا هذه اليمن وعمان.
تكمن اهمية الدراسة في التعرف على نشأة وتطور ممارسات حزب البعث في منطقة الجزيرة والخليج العربي منذ بداية الخمسينات.واذا اخذنا بالحسبان خصوصية الصبغة الاجتماعية المتحفظة والسياسية الضيقة فكرياً في المجتمع الخليجي اضافة الى طابع الجمود النسبي الذي يسود نظمها الحاكمة باعتبارها انظمة توارثية ذات استقرار تاريخي واجتماعي، فان ظهور مثل حزب البعث بثوريته الفكرية وممارسته السياسية غير المألوفة لدى شعوب المنطقة خاصة في الخمسينات، وتقبل كثير من افراد هذه المجتمعات المحافظة لهذا الفكر الثوري يعد بحد ذاته انقلاباً فكرياً… ولكن طابع المحافظة الفكرية قد تغلب في النهاية على الجانب الثوري المفترض حدوثه بعد بدء التعامل به بثلاثة عقود وبدل هذا الوضع غير المألوف دلالة قاطعة على ان المجتمعات الخليجية ليست مهيأة حتى الآن وليس فقط سابقاً لتبني مثل هذه الافكار والتعامل معها وفق معطيات واقع سياسي واجتماعي لا يتيح مجالاً لمفردات سياسية ذات طابع ثوري كما هو معروف في فكر حزب البعث، واذا كانت الظروف السياسية آنذاك قد اتاحت الفرصة لاستقرار فكر حزب البعث طوال ربع قرن بسبب انتشار فكرة القومية العربية وصيغة النهج الاشتراكي فان الوفرة المالية ومفهوم دولة الرفاهية وضعف البنية التنظيمية لدى المنتمين الى هذا الحزب قد ساهمت بدورها في التقليل من فعالية وشأن هذا الحزب في المجتمعات الخليجية.

• البعث في الكويت
ظهرت الحلقات الاولى لحزب البعث في الكويت عام 1951 عندما توافد على الكويت عدد من المهاجرين العرب من فلسطين، سورية، لبنان، مصر والعراق، نظراً لحاجة الكويت الى الايدي العاملة من اجل العمل في القطاعات الحكومية، بعد تدفق الثروة النفطية في الكويت. وحمل هؤلاء تجربتهم الحزبية والتنظيمية معهم الى الكويت وكان من ابرز هؤلاء ناجي علوش عضو المجلس الثوري لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) السابق، والامين العام لحركة التحرير الشعبية العربية زهير محسن، الامين العام السابق لمنظمة الصاعقة الفلسطينية التي تمثل الجناح الفلسطيني في حزب البعث الموالي لسورية، وعبد الوهاب الكيالي الامين العام السابق لجبهة التحرير العربية التي تمثل الجناح الفلسطيني في حزب البعث الموالي للعراق.
وقد حاول هؤلاء ايجاد تواجد تنظيمي لحزب البعث في الكويت وقد تركز نشاطهم على تنظيم العرب الوافدين من العمال والطلاب والعاملين في الدوائر الحكومية، ونجحوا في تأسيس تنظيم بعثي غير رسمي في الكويت محصور في اوساط الوافدين العرب.
كذلك ساهم الطلاب الكويتيون الدارسون في جامعات بلدان المشرق العربي في نشر افكار البعث ومبادئه بعد عودتهم الى الوطن. وتجدر الاشارة الى جهود السيد حميد العيسى بتأسيس نادي الاتحاد العربي الذي اصبح واجهة اجتماعية لحزب البعث في الكويت اثر تخرجه من كلية الحقوق بجامعة القاهرة وتحول هذا النادي فيما بعد الى مركز للاستقطاب والتوجيه للبعثيين في الكويت.
وبعد خمس سنوات من انشاء منظمة حزب البعث في الكويت سعى هذا التنظيم غير الرسمي لنقل نشاطه الى اوساط الكويتيين من خلال مجلس ادارة النادي الثقافي القومي خصوصاً ان النظام الداخلي للنادي يسمح للذين ينتمون الى البلدان العربية المشاركة في انشطة النادي ومنحهم العضوية العاملة التي تخولهم للانتخاب والترشيح لعضوية مجلس ادارة النادي.
كذلك ساهمت منظمة حزب البعث العربي الاشتراكي في الكويت في تأسيس الرابطة الادبية بالكويت، وكان من بين المؤسسين عدد من البعثين الكويتيين وغير الكويتيين مثل حمد العيسى وناجي علوش وعلي عقيل، واخذت هذه الرابطة على عاتقها نشر الثقافة القومية في المجتمع الكويتي لخدمة القضايا القومية في جميع اجزاء الوطن العربي.
بعد ان نالت الكويت استقلالها تركز نشاط حزب البعث في اوساط رابطة الادباء الكويتية ورابطة الاجتماعيين الكويتية بحكم وجود شخصيات تؤيد حزب البعث في العراق مثل الدكتور خليفة الوقيان وعلي السبتي وفيصل الصانع، بالاضافة الى هؤلاء كان عدد من الشباب الكويتي قد انخرط في صفوف منظمة البعث في الكويت مثل عبد الرحمن الرميح والدكتور شملان العيسى، وكانت مجلة الرسالة الكويتية في الستينات تعبر عن افكار حزب البعث من خلال ما يكتبه الوافدون العرب من البعثيين، كذلك نشر البيانات السياسية التي تصدرها القيادة القومية لحزب البعث.
على الرغم من الوجود القديم للبعثيين في الكويت الا انهم لم يشاركوا في المجالس النيابية الا في مراحل متأخرة على خلاف القوميين العرب الذين كانت لهم مساهمات كبيرة في العمل البرلماني.
وقد نشطت منظمة حزب البعث في الكويت بعد نشوب الحرب العراقية الايرانية حيث استثمرت السفارة العراقية في الكويت هذه الحرب لتكوين تجمع سياسي كويتي اطلق عليه التجمع القومي الذي يعتبر واجهة سياسية لمنظمة حزب البعث العربي في الكويت في اوساط رابطة الادباء ورابطة الاجتماعيين وفي الاوساط الطلابية في جامعة الكويت.
ولعب التجمع القومي دوراً كبيراً في التحريض ضد نظام الجمهورية الاسلامية في ايران وضد المؤيدين لهذا النظام في الكويت الذين يصفهم بالطابور الخامس الايراني، واعتبر الحرب العراقية الايرانية حرباً عربية فارسية وطالب الحكومة الكويتية بقطع علاقاتها مع ايران وابعاد جميع ادوات ايران التخريبية من الكويت.
بعد حل مجلس الامة السادس عام 1986، حلاً غير دستوري وتعليق بعض مواد الدستور، شاركت منظمة حزب البعث في الكويت مع القوى السياسية في اصدار بيان يندد باجراءات السلطة غير الدستورية. وبعد مرور عامين على حل مجلس الامة السادس شاركت منظمة حزب البعث في شخص فيصل الصانع في تشكيل الحركة الدستورية التي ضمت نواب المعارضة في مجلس الامة المنحل، وتزعمت الحركة الدستورية معركة ارجاع مجلس الامة والعمل بدستور 1962.
وفي غضون فترة احتلال الكويت من قبل النظام العراقي في 2/ آب/ 1990، تم أسر فيصل الصانع من قبل جيش الاحتلال العراقي لرفضه الموافقة على احتلال الكويت وضمها الى العراق، ورفضه التعاون مع سلطات الاحتلال العراقي، وترجيح انتمائه الوطني على ولائه الحزبي، حيث حاولت سلطات الاحتلال تشكيل حكومة من المعارضة السياسية عن طريق فيصل الصانع حيث حاولت سلطات  الاحتلال ـــــ التسمية للمؤلف ـــــ تشكيل حكومة من المعارضة السياسية عن طريق فيصل الصانع حيث تم استدعاؤه الى السفارة العراقية في الكويت وطلب السفير العراقي منه تشكيل حكومة من ثلاثين شخصية كويتية، وعقد اجتماع لاعضاء الحركة الدستورية.
يتضح، ان حزب البعث لم يتمكن من الوقوف على ارضية شعبية صلبة، الامر الذي ادى الى محدودية نشاطه وتواجده ضمن شرائح المجتمع الكويتي والحياة السياسية الكويتية بشكل عام. كما ان نشاط الحزب ظل مقتصراً على طبيعة الممارسة السياسية من خلال العمل الوطني، بمعنى ان المنتمين الى هذا الحزب لم يبرزوا في المجتمع باعتبارهم ممثلين رسميين لحزب البعث بقدر اعتبارهم شخصيات وطنية تعمل من اجل الكويت، وجاء الاحتلال العراقي للكويت ليقضي على تواجد هذا الحزب في الساحة السياسية للكويت نهائياً.
• البعث في السعودية
انتشرت افكار حزب البعث في السعودية في منتصف الخمسينات حيث نشط الحزب في بعض الاوساط العمالية في المنطقة الشرقية. وكان من ابرز هذه العناصر محمد الربيع الذي يعد من بين البعثيين الاوائل الذين آمنوا بافكار حزب البعث العربي الاشتراكي قبيل مرحلة التأسيس الفعلي فكان من المبشرين الاوائل والمناضلين الصادقة لتلك الافكار. كذلك لعب علي غنام دوراً هاماً في تأسيس الحزب وتم اعلان منظمة احرار الجزيرة العربية كواجهة لعملهم التنظيمي تذيل بها منشورات المنظمة حول مختلف القضايا القومية، وذلك قبل الاعلان عن تشكيل حزب البعث.
وفي عام 1956، عقد اول مؤتمر حزبي وتم انتخاب قيادة للحزب وممثل عنه لحضور المؤتمر القومي الرابع للحزب في بيروت حيث انتخب عبد الرحمن مينف عضواً في القيادة القومية للحزب. وفي عام 1974، تعرض الحزب لانقسامات عاصفة حول ايديولوجيته، حيث اعلن عدد من اعضاء الحزب انحيازهم الى خط المملكة كما انشقت مجموعة اخرى انحازت الى المعارضة.
حزب البعث السعودي في اياحه الاخيرة، أيد الدعوات الاصلاحية الداعية لاصلاح النظام السياسي، فاعلن عن استعداده لممارسة المعارضة من المنبر البرلماني فيما لو تحقق ذلك، وبعد تولي الملك خالد بن عبد العزيز الحكم، اصدر عفواً عاماً، وعلى اثره عادت كوادر الحزب وقياداته الى السعودية من الخارج ما عدا امينه العام الدكتور انور ثابت الذي اختار البقاء في المنفى في فرنسا، وانتهى تنظيم الحزب بعد ان تخلى العائدون عن العمل السياسي ولم يعد هناك نشاط يذكر للحزب بعد عام 1975.
• البعث في البحرين
تم تأسيس اولى حلقات البعث في البحرين على يد السيدين علي فخرو الذي كان يدرس الطب وجواد الجبشي عام 1958، وذلك بعد تخرجهما من الجامعة الامريكية في بيروت، وانتشرت بعد ذلك افكار الحزب وانشطته بين القطاع الطلابي، واستطاع الحزب ان ينشر افكاره في اوساط العمال، ولم تكن للحزب نشرات ناطقة باسمه عدا ما يصدر عن الحزب الرئيسي في دمشق. ويعتبر برنامج الحزب المركزي هو ذاته برنامج فرع الحزب في البحرين.
بعد نشوب الحرب العراقية الايرانية وتأييد منظمة الحزب في البحرين لهذه الحرب، تأثرت اوضاع منظمة الحزب وتدنت شعبيته واقتصر نشاط الحزب بعد ذلك على الطلبة البحرينيين الذين يدرسون في العراق، وتلقى هذا التنظيم الطلابي البحريني دعماً كبيراً من قبل حزب البعث الحاكم في العراق، واصبحت مواقفه شبيهة وتابعة بالكامل للعراق، وفقد قدرته على التعبير عن القضايا المحلية، الامر الذي افقده مواقعه داخل الساحة الشعبية في البحرين… وفي بداية الثمانينيات تخلى العديد من قيادات الحزب نهائياً عن البعث وتولى بعضهم مناصب وزارية وقيادية في الحكومة، واصبحوا جزءاً من النظام، اما البعض الآخر، فعلى الرغم من انقطاع صلاتهم التنظيمية بالحزب الا ان ولاءهم الفكري الايديولوجي للبعث ما زال قائماً ويواصلون نشاطهم الفكري والثقافي حالياً ضمن توجه قومي عربي من خلال نادي العروبة.
بعد اقرار ميثاق العمل الوطني اعاد البعثيون البحارنة تجمعهم من جديد في ظل الانفراج السياسي الذي حدث في البحرين عام عام 2001، عندما سمحت السلطة باشهار الجمعيات السياسية، وكان من بين هذه الجمعيات جمعية التجمع القومي الديمقراطي التي يرأسها احد اقطاب منظمة البعث الموالية للعراق الاستاذ رسول الجبشي.
• البعث في قطر
بدأ النشاط البعثي في قطر اوائل الخمسينيات عن طريق الوافدين العرب القادمين من دول المشرق العربي، ونشط البعثيون في المؤسسات التعليمية التي كان يتولى مسؤوليتها الدكتور عبد الله عبد الدائم، وهو من مفكري البعث.
شهدت الساحة القطرية تحركات جماهيرية وتجمعات شعبية، انعكست على اعضاء حزب البعث في قطر. فقد انضمت العناصر اليسارية من اصول بعثية في قطر الى تجمعات جماهيرية التي هي امتداد لتنظيم جبهة تحرير الخليج، اما البعض الآخر فعلى الرغم من انقطاع صلاتهم التنظيمية بالحزب الا ان ولاءهم الفكري الايديولوجي للحزب ما زال قائماً ويواصلون نشاطهم الفكري والثقافي حالياً ضمن توجه قومي عربي، ومن ابرز هؤلاء الدكتور علي خليفة الكواري احد ابرز مؤسسي منتدى التنمية في الخليج وله نشاط بارز في عدد من المؤسسات والمؤتمرات القومية.
بعد حرب الخليج الثانية 1991، شهدت مناطق الجزيرة والخليج العربي تحركات جماهيرية كان عنوانها المطالبة بالاصلاح السياسي، حيث توالت النداءات من ابناء المنطقة الى حكامها بضرورة بدء العملية الاصلاحية، وكانت الساحة السياسية في قطر من بين هذه الساحات التي شهدت مثل هذه التحركات، حيث ساهم البعثيون في قطر بهذا التحرك عندما وقع الدكتور علي خليفة الكواري على عريضة مع عدد من الشخصيات الدينية والسياسية والمثقفين التي قدمت الى امير قطر السابق الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني تطالبه فيها باقرار الدستور واقامة هيئات تشريعية واصلاح انظمة الحكم، ولم يستجب امير قطر لهذه المطالب، وعلى العكس من ذلك اقدمت السلطات الامنية على استدعاء العناصر التي وقعت على العريضة ووجهت لهم التهديدات، طالبة منهم سحب التواقيع، وعلى أثر رفض البعض، اقدمت السلطة على اعتقال ابرز الشخصيات التي وقعت على العريضة وكان من بين هؤلاء محمد صالح الكواري وعيسى شاهين الغانم وعبد اللطيف النعيمي وراشد لملوم ومنع الدكتور علي خليفة الكواري من مغادرة البلاد وسحب جواز سفره.

• البعث في سلطنة عمان
في عمان، نشطت عناصر حزب البعث العربي الاشتراكي في اوائل الستينيات بتشكيل خلايا تنظيمية للحزب في السلطنة، غير ان الحزب لم ينجح في الانتشار وكان نشاطه محدوداً واقتصر على شخصيات محدودة.
وفي مطلع السبعينيات سعى بعض الطلبة العمانيين الذين يتلقون العلم في الجامعات العراقية والسورية بعد عودتهم الى الوطن الى خلق وضع تنظيمي للحزب، كذلك سعى حزب البعث في العراق الى تشكيل جبهة التحرير العربية في عمان في مطلع السبعينات مستفيدا من التجمعات المسلحة التي تمركزت في العراق من قاعة عبد الله الراسبي من بقايا حركة الامامة ولكنه اخفق في تحقيق نجاح يذكر في هذه المهمة. وحرص حزب البعث العراقي على ادخال الطلبة العمانيين الى الكلية العسكرية في العراق ليكونوا نواة قوة مجموعة بعثية عسكرية، وعاد بعضهم الى عمان حيث التحقوا بالجيش العماني ولكن لم ينجحوا في استقطاب عناصر جديدة سوى عدد محدود… ومنذ عام 1975 ضعف نشاط الحزب مركزيا وبرز النشاط الطلابي وسرعان ما تلاشى هذا النشاط حيث لم يصدر عنه أي بيان او ممارسة سياسية بعد ذلك التاريخ.
ان نشوء التيار القومي متمثلاً بحزب البعث العربي الاشتراكي، كان نتيجة وفود اعداد كبيرة من المدرسين والمثقفين من ابناء سورية ولبنان والاردن الى المنطقة للعمل في مختلف المؤسسات الرسمية والاهلية، وقد ساعدهم ذلك على تأسيس فروع لاحزابهم بهدف توفير الامداد المالي للمركز وتشكيل نواة للعمل الحزبي المنظم في المنطقة. هذا جانب اما الجانب الآخر فهو عودة بعض المثقفين من ابناء المنطقة الذين تلقوا علومهم في بيروت ودمشق وبغداد والقاهرة فكان عليهم ان يمارسوا عملاً وطنياً يشكل امتداداً للمنظمات التي ينتمون اليها. فقد حمل كل هؤلاء افكار وانماط التنظيم كما مارسوها او تعلموها وشرعوا في محاولة تطبيقها في المنطقة دون وعي لتغير الظروف الموضوعية للفارق الاجتماعي بين مجتمعات منطقة الخليج والمجتمعات التي وفدوا منها ودون التعمق في واقع المجتمع الخليجي او بحقيقة اوضاعه الاجتماعية فجاءت محاولاتهم مسخاً مشوهاً. فالتركيب البرجوازي النخبوي لاعضاء الحزب كان السبب في عزلة الحزب وانحصاره ضمن مجموعات من المثقفين تمارس عملية التثقيف غير المرتبط بالواقع حيث تتحدث عن الاشتراكية والقومية والوحدة دون محاولة منها او جهد لسبر غور طبيعة مجتمعات الخليج مما كان له تأثير اكبر في عدم القدرة على ممارسة الفعل الثوري واختيار القضايا والمشاكل الوطنية التي تهم المواطن العادي.
ان مجتمعات الخليج مجتمعات قبلية غير مؤهلة لتقبل الايديولوجيات نتيجة لتخلف التعليم والثقافة وارتفاع نسبة الامية فيها وعدم وجود مجتمع مدني يساعد على تقبل وجود هذا الحزب. والتيار البعثي الذي تسرب بشكل او بآخر الى مجتمعات الخليج منذ الخمسينات من القرن المنصرم هو تيار عمومي الفطرة يتناقض تماما مع طبيعة المجتمع الخليجي في تحولاته التاريخية وصولاً الى الفترة المعاصرة فضلاً عن ان هذا التيار لم يتمكن من تقديم اسهامات متميزة كنتاج فكري يتواءم مع بنى المجتمع الخليجي العربي بطبيعتها الصحراوية وولاءاتها العشائرية، وبذلك فقد فشل هذا التيار في صياغة أي برنامج واقعي او موضوعي في القوى الاجتماعية الخليجية ومع ذلك استمر الحزب في عدم القدرة على الانتشار الاجتماعي مما ادى في النهاية الى زواله واقتصر الامر على بعض الشخصيات المتناثرة التي ركزت على البعد الوطني والدستوري.
ان الدروس المستقاة من هذه التجربة السياسية والاجتماعية التي لم تصادف نجاحا يذكر في المجتمعات الخليجية على الرغم من مرور اكثر من نصف قرن حالياً، حال التنظيمات السياسية الاخرى الداعية الى الفكر القومي والوحدة العربية مما يدل على ضرورة الانتباه الى طابع الخصوصية الاجتماعية الخليجية المحافظة وتأثيرها السلبي في التطور السياسي في هذه المجتمعات دون نفي اهمية هذه التجربة التي تدل بدورها على اهمية العوامل الذاتية الموضوعية في نشأة وتطور هذا الحزب او غيره من الاحزاب التي صادفت نفس المصير باستثناء التنظيمات الدينية التي تمت دراستها في ابحاث اخرى.
• الكتاب
البعثيون في الخليج والجزيرة العربية، تأليف- فلاح عبد الله المديرس، ط1، دار قرطاس للنشر، الكويت، 2002، 155 صفحة.
[email protected]




الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.

justo eleifend nunc amet, sit libero ut