الخميس 6 أكتوبر 2022
25 C
بغداد

طريق المنافي والمهاجر

فات الشاعر الكبير بدر شاكر السيّاب أننا (كلّ عام حين يعشب الثرى) لا نجوع ونعرى فقط، إنّما سنضطر للهرب والهجرة من وطنٍ لم تعد مدنه وقراه آمنةً إلاّ للقتلة واللصوص. السيّاب كان يدرك، بثاقب بصيرته وإحساسه المرهف، أن هناك مفارقة عجيبة بين ثراء الوطن وفقر المواطن.. كان يعرف الحقيقة المفجعة أنه كلما تضخّمت ثروة الوطن واتسعت موارده، تزايد عديد فقرائه، لكنه لم يكن يتصور أبداً أنها يمكن أن تفضي لاحقاً إلى تعاظم أعداد أرامله ويتاماه والهاربين من جحيمه إلى المنافي!!
      منذ ثمانينيات القرن الماضي صارت الهجرة خلاصاً من جحيم دفع آلاف الشباب حياتهم ثمناً لمغامرات قادة استرخصوا دماء الشعب وفرّطوا بمستقبل الوطن. وفي حين لم يكن قبل هذا التاريخ حلاً لغالبية العراقيين، أضحى بعده الأمل والحلم والطموح الذي يجتهدون ويكدّون في سبيل تحقيقه، وليس مهماً ـ إنْ تحقق ـ أيّ بلد سيكون المنفى طالما أنه بعيد عن العراق ولا يحمل أيّة ذكرى عنه!!
      بعد نيسان 2003، ظنّ كثيرون أن النور سيبدد وحشة الظلام والخراب والدمار الذي خيّم على مدن الوطن وقراه.. ظنّوا أن نسائم الحريّة ستحلّ في بلاد لم تعرف في أغلب حقب تاريخها سوى الخراب والظلم والرعب والحروب والأوبئة.. حلموا بوطنٍ يستعيد عافيته فيعيد أبناءه تحت فيء نخلاته ويضمّهم إلى صدره الرحيب.. وضعوا قلوبهم وثقتهم وآمالهم وأحلامهم في قادة وسياسيين ذاق معظمهم مرارة المهجر وذلّ المنافي.. غير أنهم استفاقوا على كوابيس أشدّ رعباً وظلاماً وأكثر وجعاً وإيلاماً ومرارةً.
     الانقسام الخطير الذي ارتكبته عملية سياسية مشوهة وعقيمة بين مكونات شعب لم يعرف سوى الألفة والود والتسامح، والإحتراب والإقتتال الذي تدفعهم إليه خطب وتصريحات تحرَض على العنف والكراهية، جعلت من شوارع الوطن وحارات مدنه ودروب قراه موبوءة بالموت المتربّص، ولم يعد آمناً على حياته من دخل جامعاً أو كنيسةً كما أنّ منْ أغلق على نفسه باب بيته لا ينجو من القتل والخطف.
بالعراقي حاجة لمعجزة كي يبقى على قيد الحياة بحيث أنّ رجل الأمن، الذي وُظِّف لحماية الناس، عاجز غالباً عن حماية نفسه، وليس مهتماً بمنع جريمة تقع على مبعدة أمتار منه أحياناً، ولا يمكن لأيّ نداء استغاثة أن يدفعه إلى الكفِّ عن العبث بجهازه النقال أو أعصابنا في أحيان أخرى.
      كي تبقى على قيد الحياة عليك أن تغذي أملاً تواظب على النفخ في جذوته وإبقائه مشتعلاً.. عليك أن تدرك أنّ الطريق إلى المهاجر والمنافي أقلّ كلفةً وتضحيةً من زيارة قريب أو صديق يسكن حيّاً ملاصقاً لحيّك.. وعليك ـ وهو الأهم ـ أن تقرأ موازنة كلّ عام جيداً، وأن تخشى كلّ زيادة في أرقامها الفلكية فهي لا تعني تحسناً في الخدمات أو رفاهً أو أمناً مستتبّاً، أنها تعني فقط مزيداً من القتلى والأرامل واليتامى والمهاجرين والخراب!!
saadturke@yahoo.com

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
878متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

مبادرة الخنجر لـ “عقد جديد” وعرقلة القوى الكبيرة

للمرّة الثانية يطرح الشيخ خميس الخنجر فكرة تبني عقداً جديداً لمعالجة المشهد السياسي الحالي المأزوم والمنتج للازمات الى حدود الصدام المسلح بين قوى مشاركة...

بين السرد والشعر القرآن الكريم والظّاهرة الإبداعيّة الشّاملة

لا يوجد في إنجاز الكتّاب، شعراً أو نثراً، كتاب قد يطلق عليه أنّه الكتاب الأبديّ الخالد، لأنّ من يعتقد أنّه قد وصل إلى هذه...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

نصوص قرآنية فسرت خطئاً … فأوقعتنا في محنة التخلف

يقصد بالنص الديني هو كل لفظ مفهوم المعنى من القرآن والسنة النبوية او نصاً عاماً..وهو الكلام الذي لا يحتمل التأويل ،أي ثابت المعنى لا...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

حوار بلاسخارت

ذات يوم كان ولدي الصغير يشتكي من تسلط الطلاب الكبار في المدرسة ووصل الامر بهم الى ضربه هو واصدقاؤه الصغار فقرر ان يبلغني بذلك...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ثلاث ساعات : أعوام طويلة

براعة المونتاج في السرد (جحيم الراهب) للروائي شاكر نوري إلى (راهبات التقدمة) إذا كانت رواية (شامان) قد نجحت في تدريبنا على الطيران الحر. فأن رواية(جحيم الراهب)...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الثقافة والتيار!!

لا قيمة للثقافة إن لم تصنع تياراً جماهيريا , قادراً على التفاعل المتوثب والتغيير الناجز وفق منطلقات واضحة ورؤى راسخة. وقد برهنت الثقافة العربية فشلها...