طريق المنافي والمهاجر

فات الشاعر الكبير بدر شاكر السيّاب أننا (كلّ عام حين يعشب الثرى) لا نجوع ونعرى فقط، إنّما سنضطر للهرب والهجرة من وطنٍ لم تعد مدنه وقراه آمنةً إلاّ للقتلة واللصوص. السيّاب كان يدرك، بثاقب بصيرته وإحساسه المرهف، أن هناك مفارقة عجيبة بين ثراء الوطن وفقر المواطن.. كان يعرف الحقيقة المفجعة أنه كلما تضخّمت ثروة الوطن واتسعت موارده، تزايد عديد فقرائه، لكنه لم يكن يتصور أبداً أنها يمكن أن تفضي لاحقاً إلى تعاظم أعداد أرامله ويتاماه والهاربين من جحيمه إلى المنافي!!
      منذ ثمانينيات القرن الماضي صارت الهجرة خلاصاً من جحيم دفع آلاف الشباب حياتهم ثمناً لمغامرات قادة استرخصوا دماء الشعب وفرّطوا بمستقبل الوطن. وفي حين لم يكن قبل هذا التاريخ حلاً لغالبية العراقيين، أضحى بعده الأمل والحلم والطموح الذي يجتهدون ويكدّون في سبيل تحقيقه، وليس مهماً ـ إنْ تحقق ـ أيّ بلد سيكون المنفى طالما أنه بعيد عن العراق ولا يحمل أيّة ذكرى عنه!!
      بعد نيسان 2003، ظنّ كثيرون أن النور سيبدد وحشة الظلام والخراب والدمار الذي خيّم على مدن الوطن وقراه.. ظنّوا أن نسائم الحريّة ستحلّ في بلاد لم تعرف في أغلب حقب تاريخها سوى الخراب والظلم والرعب والحروب والأوبئة.. حلموا بوطنٍ يستعيد عافيته فيعيد أبناءه تحت فيء نخلاته ويضمّهم إلى صدره الرحيب.. وضعوا قلوبهم وثقتهم وآمالهم وأحلامهم في قادة وسياسيين ذاق معظمهم مرارة المهجر وذلّ المنافي.. غير أنهم استفاقوا على كوابيس أشدّ رعباً وظلاماً وأكثر وجعاً وإيلاماً ومرارةً.
     الانقسام الخطير الذي ارتكبته عملية سياسية مشوهة وعقيمة بين مكونات شعب لم يعرف سوى الألفة والود والتسامح، والإحتراب والإقتتال الذي تدفعهم إليه خطب وتصريحات تحرَض على العنف والكراهية، جعلت من شوارع الوطن وحارات مدنه ودروب قراه موبوءة بالموت المتربّص، ولم يعد آمناً على حياته من دخل جامعاً أو كنيسةً كما أنّ منْ أغلق على نفسه باب بيته لا ينجو من القتل والخطف.
بالعراقي حاجة لمعجزة كي يبقى على قيد الحياة بحيث أنّ رجل الأمن، الذي وُظِّف لحماية الناس، عاجز غالباً عن حماية نفسه، وليس مهتماً بمنع جريمة تقع على مبعدة أمتار منه أحياناً، ولا يمكن لأيّ نداء استغاثة أن يدفعه إلى الكفِّ عن العبث بجهازه النقال أو أعصابنا في أحيان أخرى.
      كي تبقى على قيد الحياة عليك أن تغذي أملاً تواظب على النفخ في جذوته وإبقائه مشتعلاً.. عليك أن تدرك أنّ الطريق إلى المهاجر والمنافي أقلّ كلفةً وتضحيةً من زيارة قريب أو صديق يسكن حيّاً ملاصقاً لحيّك.. وعليك ـ وهو الأهم ـ أن تقرأ موازنة كلّ عام جيداً، وأن تخشى كلّ زيادة في أرقامها الفلكية فهي لا تعني تحسناً في الخدمات أو رفاهً أو أمناً مستتبّاً، أنها تعني فقط مزيداً من القتلى والأرامل واليتامى والمهاجرين والخراب!!
[email protected]

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
774متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

الرواية النَّسَوية – النِّسْوية العراقية وإشكالية المثقف

يذكرنا ما جاء في المقالة الموسومة " تقويض السلطة الذكورية في الرواية النّسوية العراقية" للكاتب كاظم فاخر الخفاجي والكاتبة سهام جواد كاظم الصادرة في...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ليسَ السيد مقتدى المحكمة الإتحادية هي سيّدة الموقف الآني .!

بعدَ أنْ حسمَ رئيس التيار الصدري أمره أمام قادة " الإطار التنسيقي " مؤخراً , وليسَ واردا أن يغيّر الأمر كلياً في لقائه المرتقب...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

المنطقة ما بعد مؤتمر فيينا..!!!

هل سيكون مؤتمر فيينا ،الوجه الآخر لسايكس بيكو،في تغيير جيوسياسية المنطقة،وماذا سيكون شكل المنطقة،ومن هي القوة التي ستتحكم فيها وتفرض هيمنتها عليها،كل هذه الاسئلة...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

يمكنك أن تشعر بجفاف الدلتا في العراق من حليب الجاموس

ترجمة: د. هاشم نعمة كانت أهوار جنوب العراق مهد الحضارة الإنسانية، إلا أن تغير المناخ و"الإدارة السيئة للمياه" يهددان هذا النظام البيئي الفريد. رعد حبيب الأسدي...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ناقوس الخطر لشحة الرافدين

يعيش العراق منذ سنوات عديدة أزمة مياه آخذة بالتصاعد عامًا بعد آخر، أزمة باتت ملامحها واضحة في الشارع العراقي بعد أن تسبب شح المياه...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

من المستفيد من عدم تطبيق قانون حماية وتحسين البيئة رقم 27 لسنة 2009

من خلال خبرتي الطويلة بالصحة البيئية، سأسلط الضور على "بعض" مواد قانون حماية وتحسين البيئة رقم 27 لسنة 2009 التي لم تطبق لحد الآن...