الثلاثاء 04 آب/أغسطس 2020

رمضانيات /19 ــ محمد حياوي !

الأحد 28 تموز/يوليو 2013
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

بهدوء تام واناقة تعكس ظلالها على بشرته السمراء يجلس القاص محمد حياوي في المقهى مع اغلب الاصدقاء ، ثم يخرج أوراقه وفيها صحف المعارضة ، الاولى ( طريق الشعب ) والثانية ( الوفاق ) ويهمس ليّ أن أكون حذراً ! فالوضع الاردني لا نعرفه جيداً وعيون النظام العراقي في كل مكان تتجول باحثة عن المعارضين ! حياوي كان على ارتباط وثيق بالحزب الشيوعي العراقي وتصله مطبوعات الحزب اسبوعياً ويقوم بزيارات مقر الحزب الشيوعي الاردني والذي نحصل منه على الكتب المهمة وبعض البيانات حول تطورات الاوضاع السياسية عربيا وعالمياً .
ويعمل محمد حياوي كمراسل لجريدة الوفاق والتي مقرها لندن التابعة للاستاذ صلاح عمر العلي الذي شكل أصلا حركة الوفاق مع اياد علاوي في بداية العقد التسعيني وبسبب خلافات كثيرة أنفصل عن علاوي المدعوم من المخابرات الامريكية ! فأستمر صلاح العلي بادارة جريدته من لندن وعلاوي أختار أسماً جديداً لجريدة حركته أسماه ( بغداد ) مئتان دولار كان يحصل عليها محمد حياوي شهريا من جريدة الوفاق لقاء عمله الذي يرسل اسبوعيا بعض المواد الثقافية والمقالات التي يكتبها وكذلك من بعض الاصدقاء . وبمجرد وصول حركة علاوي الوفاقية الى عمّان أختارت هارون محمد ليكون الناطق الاعلامي لها ! وهارون من القوميين العرب في السابق ، كنت ألتقيه احيانا حين ياتي الى مائدة البياتي في الفينيق وكان كثير الكلام وبصوت عالي الامر الذي يصافح البياتي مودعا ، البياتي يقول ان هذا لا يحب الحديث ! لقد ضرب طبلة أذني بكلامه الفج !
حركة الوفاق حين عرفت من ناطقها الاعلامي بأن القاص محمد حياوي يعمل مع صلاح عمر العلي ، جن جنونها ! ولا اعرف العداء الكبير بين قطبي العلي وعلاوي ! لكن يبدو أن الخلاف كان كبيراً ، ألغينا لقاءاتنا الاسبوعية داخل المقهى بسبب عيون الوفاق التي كانت متواجدة في كل مكان داخل العاصمة عمّان والتي فرضت سيطرة كبيرة على العراقيين خاصة  وأن سلطتها مستمدة من جهاز المخابرات الاردني والذي تتخذ الحركة مكانا بجنبه خوفاً من أي خرق أمني !
أصبحنا نلتقي في بيت محمد حياوي ، كنا علي منشد وحسن السعيدي ونصير الشيخ وعلي الحربي وآخرين ، بعد فترة قصيرة كان محمد يحضّر لمشروع ثقافي يجمع فيه المثقفين العراقيين داخل الاردن وخارجه ، وقد ولد التجمع الثقافي العراقي ، هكذا أختار اسمه !
وقد بذل حياوي جهودا كبيراً في انجاح هذا التجمع وفاتح البياتي الذي لم يعارض الفكرة وبعض الاسماء الكبيرة ، في تلك الاثناء زار عمّان الشاعر العراقي الكبير بلند الحيدري الذي ألتقى بصديق ريادة الشعر الاولى البياتي ! اللقاء كان حميميا وجميلا . وففي الفينيق ألتقى محمد حياوي مع الشاعر الحيدري الذي كان يفكر بنفس المشروع وبدأ باصدار جريدة من لندن أعطانا بعض أعدادها في ذلك الوقت !
أستمر العمل بمشروع التجمع الثقافي الذي عارضته حركة الوفاق الوطني . بعض الاسماء التي عملت مع الحركة حين وصولها طالبت برفع اسماءها من القائمة التي تضم اعضاء التجمع والذي تحدثت عنه الصحافة داخل الاردن وكذلك صحف المعارضة العراقية اغلبها ، كما وأن صحف النظام العراقي داخل بغداد قامت بمهاجمة التجمع الثقافي واعتبرته عبارة عن مرتزقة باعت الوطن بثمن بخس ! بينما حقيقة الامر أغلب اعضاء التجمع كانوا غير قادرين على توفير لقمة عيشهم ! والغريب بالامر أن النظام داخل بغداد وأجهزته المخابراتية القوية لم تتعرض قيد شعرة الى حركة الوفاق ومنتسبيها بالرغم من أن لهم أذاعة تبث ارسالها عبر طائرة هلكوبتر امريكية وأجهزة متطورة !
الشاعر بلند الحيدري كان من المتحمسين للفكرة بالرغم من كبر سنه واجريت أتصالات كثيرة بينه وبين محمد حياوي بعد سفره الى لندن ، لكن للاسف الشديد لم تمّر إلا شهور قليلة حتى جائنا نبأ رحيل بلند الحيدري في لندن . في وقتها أنتاب البياتي الحزن الشديد على رفيق دربه الذي ولد في نفس عام السياب والبياتي عام 1926 ! ولعل المفارقة في الحيدري أنه ولد عام 1926 واصدر أول مجموعة شعرية عام 1946 وتوفيّ في عام 1996 !!
وقد رثاه البياتي بقصيدة جميلة أسماها  ( حديقة الشتاء ) قرأها بعد أيام قليلة في أمسية أقيمت للبياتي داخل المركز الثقافي الملكي وكنت أحد الحاضرين ! البياتي يقرأ القصيدة ودموعه تنسال على صديقه بلند الحيدري ! كانت صدمة كبيرة منية بها الوسط الثقافي العراقي سواء كان في الداخل أو في الخارج !
بعد ايام أختفى القاص محمد حياوي عن الأنظار ! ثم تبين أن المخابرات الاردنية من استدعته للتحقيق معه في وشايات وفاقية كانت عبر تقارير عديدة كتبها هارون محمد بالضد من حياوي ! تأزمت الامور على العراقيين داخل العاصمة عمّان ، وأصبح الذي  يحاول الأنتقاص من حركة الوفاق سيكون مصيره الحتمي هو التسفير الى العراق حتى وأن كان معارضاً للنظام !
أزداد قلقنا على محمد حياوي الذي تمكن بذكائه وأسلوبه المميز في التعامل بمثل هكذا قضايا خطيرة ومصيرية أن يثبت براءته من التهم الموجهه إليه ويخرج من جهاز المخابرات الاردني ! وقد صادف أنه قدم اوراقه للأمم المتحدة قبل أعتقاله الامر الذي تم قبوله على الفور كلاجيء في الامم المتحدة !
بعض الاشخاص المتفهمين والوطنيين داخل حركة الوفاق الوطني حاولوا تقديم أعتذارهم لمحمد على ما حصل  له  بسبب تلك التقارير الكيدية بعد أن بعثت إليه الحركة في مقرها .
بعد شهور قليلة زرنا محمد حياوي في بيته قبيل سفره الى هولندا وهو كثير الاصرار على أكمال مشروعه في التجمع الثقافي ، سافر حياوي الى هولندا مع مجموعة من الاصدقاء في نفس الطائرة ، أذكر منهم كريم النجار وعدنان حسين أحمد وآخرين !
لم ينقطع الاتصار مع محمد وهو في هولندا ، فقد كان دائم السؤال عنا جميعاً ويبعث برسائله ، وحين استلمت مهام الجريدة بدلا عنه وبشكل سري باستثناء بعض الاصدقاء الذين فاتحتهم للكتابة ، كانت الحركة قد حاولت أن تفعل بيّ ما فعلته بمحمد حياوي ، لكنها لم تفلح !
سنوات محمد حياوي داخل الاردن كانت في الغالب مريرة ومؤلمة ، لكنه استطاع تحملها بالغرم من قساوتها !




الانتقال السريع

النشرة البريدية