الثلاثاء 16 أغسطس 2022
44.3 C
بغداد

ورق .. ورق

 من بين كلّ ثلاثة أو أربعة أشخاص تصادفهم في طريقك، ستجد أن واحداً في الأقل يتأبط معاملةً رسمية ما. وكأيّ معاملة، من الضروري أن تحتوي على نسخٍ مصورةٍ لمستمسكات يلزم ربطها بعناية ودقّة فائقتين في ملف أنيق. للحصول على بضعة لترات من النفط الأبيض عليك أن تستنسخ بطاقتك الوقودية مع كلِّ بطاقةٍ أجازتِ الوزارةُ صرفها.. ولشراء سيّارة بالتقسيط هناك شروطٌ، من بينها إكمالُ ملفٍ يتضمنُ كلَّ بياناتك ومستمسكاتك الثبوتية (أصل وصورة).. ولعلّ الباحثين عن سرابِ التعيين تحولوا إلى زبائن دائمين لمكاتب الاستنساخ التي يعتاش أغلبها على العاطلين!!
   مع كلّ إعلانٍ عن وظائف شاغرة محدودة يتقدّمُ آلافٌ من الشباب والشابات بملفاتهم على أمل الحصول على فرصةِ عيشٍ كريمٍ، برغم إدراك أغلبهم أن مكبّ النفايات هو المصير الوحيد لهذه الملفات التي حرصوا على استيفائها جميع الشروط اللازمة. الوظائفُ ـ كما علّمتهم تجاربُ سابقةٌ ـ ينبغي أن تتضمن أوراقاً أخرى لا تحويها ملفاتهم. وكما أن وزاراتنا ومؤسساتنا الحكومية دأبتْ على هدر مواردها في مشاريع عبثية لا نفع يُرتجى من ورائها، فإنها ما زالت مصرّة على إهدار وقت وجهد وأموال مراجعيها بتضمين أيّ معاملة رسميّة سلسلةَ أوراقٍ تبدأ بواحدة يكتبها (عرضحالجي) وقد لا تنتهي بعشرات منها إلى أن تتربّع فوق ركامها (صحة الصدور)!!
     ليست هناك إحصائية رسمية يمكن عن طريقها معرفة حصة الفرد العراقي من استهلاك الورق سنوياً، وفي ظنّي أنّ العراقي ـ برغم نسبة الأميّة الكبيرة ـ يستهلك من الورق بما يقرب من استهلاك المواطن البريطاني الذي يعدّ الأكثر استهلاكاً للورق من بين جميع مواطني العالم. ومثلما لم تشكل ثروة الوطن الهائلة دليلاً على ثراء المواطن وارتفاع دخله السنوي، فإن استهلاك الورق ببذخ كبير في العراق لا يشير إلى صحوة علمية وثقافية. آلاف من أطنان الصحف والمجلات والكتب تسلك طريقاً واحداً من المطابع إلى مكبات القمامة كما تذهب عشرات الآلاف من معاملات التعيين.
    وصفَ حزب الخضر الألماني استهلاك وزارتي الدفاع والداخلية الألمانيتين للورق بأنه يفوق استهلاكهما من الذخيرة، وبأنهما (دبٌّ من ورق). أتمنى لو أعرف ماذا سيصف حزب عراقي أخضر وزاراتنا؟
[email protected]

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
867متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

المؤرخون الإسلاميون والباحثة بثينة بن حسين

شخصيا أثمّن الجهّد المبذول من قبل الباحثة التونسية في كتابها الموسوعي (الفتنة الثانية في عهد الخليفة يزيد بن معاوية) وهو من الكتب الضرورية ويستحق...

لماذا لم يكتب الشيعة تاريخهم بايديهم

عندما تبحث عن أي حدثٍ ما في تأريخ الشيعة سياسياً أو عقائدياً أو اقتصاديا ،أو كل ما يهم هذه الطائفة من أسباب الوجود والبقاء...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

محاولة اغتيال سلمان رشدي: جدلية التطرف في الفكر وممارسة العمل الإرهابي؟

في نهاية القرن العشرين واجه العالم عملية إحياء للأصولية الدينية إذ شكل الدافع الديني أهم سمة مميزة للإرهاب في الظروف المعاصرة، بعد أن أصبح...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

لقد ابكيتنا يا رأفت الهجان…

اليوم وانا اعيد مشاهدة المسلسل المصري القديم رأفت الهجان من خلال شاشة الموبايل وبالتحديد لقطات لقاء بطل الشخصية مع عائلته في مصر بعد عودته...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

أموال ( النازحين ) تحولت إلى خزائن اللصوص ؟!

معظم النازحين في العراق وإنا واحد منهم سجل أسمه في قوائم وزارة الهجرة وتم توزيع تلك القوائم إلى منظمات الأمم المتحدة والمنظمات الأخرى والأطراف...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الإنسداد السياسي في العراق… ومتاهات الفراعنة

يبدو المشهد السياسي في العراق مثل متاهات الفراعنة أو دهاليزهم السِريّة كمن يحاول الخروج من غرفة مظلمة عِبرَ باب دوار حتى يجد نفسه قد...