الأربعاء 24 نيسان/أبريل 2019

الإرهاب العشائري في العراق

الاثنين 10 أيلول/سبتمبر 2012
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

منذ أحدث التاسع من سبتمبر عام 2001 وحتى الآن تتردد على مسامعنا  كلمة ( الإرهاب ) وباتت هذه العبارة ( جاهزة ) دوما في البيانات والبلاغات الرسمية   ، وصارت  القشة التي تتعلق بها الحكومات والاحزاب وحتى الناس  بغية تنفيذ مآرب أخرى تخدم مصالحهم وتعزز من نفوذهم وتقويهم ، فكلما حدث  تفجيرا أو إغتيالا  أو ، أو الخ من العمليات الأخرى تبرز كلمة ( الإرهاب ) حتى دون إنتظار نتائج التحقيق التي تشكل لمعرفة الأسباب ،   وبالتالي  ساهمت  هذه الكلمة بظهور  أنواع أخرى من أنواع  ( الإرهاب ) ولكنه ،  من النوع الغير معلن ، قد تغذيه الدولة وشخوصها  بقصد لآغراض وأهداف معينة هي ترجوها ، أو عن غير مقصودة ، كأن تكون ناجمة عن الإنحلال الإجتماعي والتدهور الإقتصادي الذي تعجز الدولة عن معالجته بالسرعة الممكنة لأسباب قد تكون خارجة عن إرادتها وقد تكون متعمدة  .
   وما شاهدته في العراق خلال زيارتنا الأخيرة  لحضور مراسيم جنازة وفاة والدنا  ( رحمه الله ) برزت أمامنا  أشكال عدة  من ( الإرهاب ) كالسياسي والإجتماعي والعشائري والامني والبيئي تسهم في تفعيل مفردات القاموس الإرهابي من قتل ودمار وتخريب ليس على المستوى المادي فحسب وإنما أيضا على المستوى البشري ، ويقف في مقدمتها ( الإرهاب العشائري ) الذي بات يؤرق المواطن العراقي في الصميم وحتى أصبح  كالمثل الشعبي ( شر البلية مايضحك ) لأنه اليوم  موضع السخرية  والإستهزاء تارة  في الجلسات بكل أنواعها وحديث الشارع والمقاهي وله ( نكاته ) الساخرة ،  وعلى الحزن والألم  تارة أخرى لأنه بات يخيم على مستقبل العراق في ظل تفشي هذه الظاهرة التي بدأت تنحي قانون الدولة ومؤسسات حفظ النظام جانبا لتحل  محله  بل وحتى تكون  بديلا عنه ، ولتشكل سابقة خطيرة من ( الإرهاب ) ضد المجتمع الذي يسعى الى نشر السلام والأمن والطمأنينة  بعد أن نالت منه ويلات الحروب التي فرضت عليه ، وذلك بسبب  إنتشار  مجالس العشائر التي إساءت بشكل وبأخر الى سمعة ومكانة هذة الشريحة المهمة بطرق لاتعود للقوانين الفدرالية بشيئ ، حيث لايتلكأ في الكلام عنها قادة الأبتزاز العشائري أنفسهم كما يتكلم عنها كل من له مصلحة وفائدة في أستمرار الفساد وعقد الصفقات المزيفة بأسم الشراكة الوطنية  .
    المشايخ اليوم  أصبحت تفرض قوانينها العشائرية على ابناء المدن ، وفيها من العصابات العشائرية التي امتهنت القرصنة والنهب والسلب والنصب والقتل وجمع المغانم وابتزاز المواطنين واشاعة الفساد وممارسة التهديد والوعيد والاغتيال والمطاردة والرقابة  على الرغم من  ان العشيرة في نظر الاسلام ضرورة اجتماعية ومصدر قوة للفرد والمجتمع في كل مكان وزمان لدورها الحيوي في حل المشاكل المستعصية التي يعجز القانون على معالجتها ، ولتحقيق التكافل الاجتماعي وصيانة النظام الأسري من التفكك والانهيار عبر تطبيق الاعراف والتقاليد العشائرية كقواعد قضائية ثابتة تتعاقب الأجيال في تطبيقها بصرامة .
     والإمثلة التي سنسوغها في هذا المقام هي غيض من فيض لايسع المقام لها وتجمع بين ( السخرية     والألم ) وكما اسلفنا فعلى سبيل المثال تسبب حادث وفاة  إمرأة  بالسكتة القلبية  لفزعها من مرور ( جرذان ) كبير من جنبها وهو خارج من بيت جارها  بإجتماع عشائري ضم خيرة العشائر الموجودة في العراق والجنوب بعد أن طالب أهل المرأة  جارهم بدفع ( الدية ) لأن ( الجرذان )  خرج من بيته !!! ، لينفض الإجتماع العشائري الذي نصبت له خيمة كبيرة وإقامة وليمة دسمة ( باعتبارها عرفا عشائريا )  بأن يدفع صاحب الجرذان !!!  مبلغ وقدره ( 5 ) ملايين دينار أي مايعادل الخمسة الاف دولار ، والقصة لا تنتهي عند هذا الحد فبعد عدة ايام خرج  ( الجرذان الملعون  ) نفسه ومن الدار نفسه ليصل الى بيت الجار نفسه ليلقي مصيره هذه المرة من إطلاقة أطلقها عليه الأخير وهنا حدثت المصيبة  حيث طالب صاحب ( الجرذان ) قاتله بجلسة عشائرية للفصل في قضيتهم وبعد إجتماع أصحاب الشأن ووجهاء العشائر في المنطقة أنفضت خمية الإجتماع بان يدفع القاتل !! الى (  صاحب الجرذان ) مبلغ وقدره سبعة ملايين دينار  ( لآن جاره قد  قتل الجرذان الذي يعد واحد من ابناءه حسب صاحبه ) .
   أما الحادث الثاني  فقد عايشته  بكل تفاصيله  لأنه  أقرب الى الخيال ايضا وهو  مرتبط بحادث لأحد  أصدقائي الذي كان يقوم بمراسيم جنازة والده أيضا  ويستقبل المعزين  ،  بعد إتصاله بأحد الأشخاص المتعهدين ببيع وقود المحولات الكهربائية ( الديزل )  الذي يتعامل معه منذ فترة طويلة لتجهيز محولته في مقر عمله  بالوقود ، وبعد فترة من الوقت  جاء ابن صاحبي ليخبر أباه بان صاحب متعهد الوقود الذي جاء مع صاحبه للنزهة او للمساعدة ( الله يعلم )  قد مات مصروعا بصعقة كهربائية عند المحولة ، ليبدأ جولة من المعاناة مع عائلة الفقيد ( الغير معروف بالنسبة له ولم يراه من قبل ولم يكن السبب في صعقته   ) وضرورة أن يقيم مجلسا عشائريا على ان يحضره وجوه عشائر أخرى كنوع من الإفتخار والتبهرج لتقدير مقدار المبلغ الذي يجب دفعه لأنه كان السبب في الوفاة حتى وإن لم يكن موجودا !! لأنه بإختصار  صاحب المحولة الكهربائية وبالتالي عليه ( فصل دية المسبب ) !!! على الرغم من ان المحولة لم تكن تعمل في الوقت الذي صرع فيه الشاب !! .
     وقضية سائق ( السايبة ) هو اسم سيارة إيرانية غزت شوارع العراق يشتريها من لا مهنة له  للعمل عليها ( كسيارة إجرة )  لرخصها وسرعة إستلامها دون إنتظار ، فهي الأخرى تدخل في دائرة العجب ، وقصتها إن هناك سائق لهذه السيارة يقل إمرأة كانت قد استوقفته للوصول الى مقصدها ، وفي الطريق أتصل به أحد أصدقاءه هاتفيا وبدأ يسأله عن صحته وأحواله ومعيشته وسؤاله كالمعتاد ( ماذا تفعل ) فرد عليه ( والله أدور في هذه الشوارع بهذه السايبة ) فما كان من المرأة إلا أن تصرخ وتولول وبشكل عنيف تهاجم السائق وتسبه  وتشتمه بأن أخته وأمه وزوجته السايبات  ( جمع سايبة ) لأنها تصورت بأن السائق يقول لصاحبه بأنه يدور ويفتل  بهذه المرأة ( السايبة ) وهذه الكلمة  تفهم بالعراقية  – المرأة  العاطلة عن العمل والذي لا يسأل عنه أحد وتتجول في الشوارع ليلا  ونهارا دون من يحاسبها – ، وراحت المرأ تشتكي حالها لأهلها بان سائق التكسي قد اهانها وأهان ( شرفها ) بوصفها لصاحبه بانها ( سايبة ) ولم تنفع محاولات السائق المسكين الذي يعتاش على ( سايبته ) دون غيرها في توضيح ماقصده إلا بجلسات عشائرية جمع فيها القريب والبعيد من عشائر العراق ولازالت القضية بين مد وجزر !!!. 
    الجانب المؤلم في هذا النوع من الإرهاب هو إن بعض من الاعراف العشائرية قد ازدادت حدتها وخطورتها خصوصا تلك التي لها علاقة بالتعايش الاجتماعي والمدني  وباتت  هذه الاعراف تسير بالمجتمع العراقي نحو التفكك والانحياز للعشيرة على حساب الوطن واستبدال العنصرية والقومية بالوطنية لأن  كل مواطن اليوم  يخاف  أن يكون عرضة  في اي وقت  لهذا النوع من الإرهاب مع إزدياد الإطماع العشائرية المادية وإستغلال هذه الأعراف لمصالح شخصية تهدف بالدرجة الاساس الحصول على المنافع المادية بعد ان عجزوا من الوصول إليها عبر الإنخراط بوظائف أو اعمال  ( تعجز الدولة حتى الآن عن توفيرها ) تجنبهم الوقوع في مثل هذه المنزلقات .

   إن مثل هذه الممارسات أفقدت الوجاهة العشائرية ومنطق شيوخها هيبتها وباتت قوانينها غير مستحبة و مستهجنة  لأن القانون العشائري أصبح يتيح الفرصة للأقلية العشائرية الحصول على ما تبتغيه من الأغلبية الشعبية دون وجه قانوني ويتيح لمن لاشأن ولامعرفة له بنصوص الدستور وأطر القراءة الصحيحة له ، جني ما يبتغيه من أبتزاز دون الرجوع الى قوانين الدولة ونصوص الدستور و بأراء هجينية تتناقض مع سيادة الدولة  .
     إننا اليوم في العراق بحاجة الى  القوة الثقافية والأقتصادية  التي تؤدي بالنتيجة الى أحترام قوانين الدولة والتي  هي من تحفظ الدولة وقيمها من التشتت والزوال وعبثية نظام بأسم الشعب وليس بأسم رجل العشيرة لأن قوانين الدولة العشائرية  لا تمثل في أحسن صورها الدولة المدنية الحديثة التي يطمح أليها شعب العراق ومنظمات حقوق الأنسان الدولية.
      العشائرية اليوم وبكافة صورها اليوم لا توجد في الدول المتقدمة بل في المجتمعات المتخلفة فقط ، لأنها أصبحت تشكل عائقا كبيرا لنمو المجتمع وتطوره وتجعل المواطن أسيرا ( لإرهابها ) الذي لا يقل شأنا عن إرهاب القتل والتفجير ، لآنه يهدف الى تدمير الشعب بأسلوب غير ظاهري ويشكل  منه مظهرا من مظاهر التخلف الحضاري  لا يقل شانا ايضا  عن  الفساد والارهاب والتزوير والمحسوبية والطائفية والمحاصصة وأمراض أخرى فتاكة  التي تنال من العراقيين وتذلهم  ، وما لم يتم إتخاذ إجراءات السريعة لمعالجتها او حتى القضاء عليها فان  القادم حتما سيكون أظلم  .




الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.