الثلاثاء 19 أكتوبر 2021
20 C
بغداد

“السيدة الحديديّة”..الفيلم السينمائي وذاكرة التاريخ

على مدى ما يقرب من 100 دقيقة ويزيد قليلا قضيتها قبل أيام مشاهدا لفيلم “السيدة الحديدية”،  ظلّ السؤال في خاطري هو: ماذا لو كانت هذه السيدة التي يتحدث عنها الفيلم “مارغريت تاتشر” جالسة بيننا في صالة سينما لا تبعد عن شقتها في لندن الاّ أميالا قليلة؟..ترى هل كان هذا الفيلم-سيرتها الذاتية- سيرضيها أم أنها ستظل تصيح بنفس اللاءات الثلاث المشهورة والتي صرخت بها بوجه أعضاء حزبها (المحافظين) عندما وقفت ضد توسع الأتحاد الأوربي؟..سياسة كانت لها فيها وجهة نظر لم يتجرأ الفيلم الذي نحن بصدده على مناقشتها.
والفيلم هو الثاني للمخرجة الفنانة فليدة لويد بعد أن أخرجت فيلم ماما ميا الذائع الصيت.
 وفيلم “السيدة الحديدية” يعتبر من أفلام السيرة أو التوثيق الشخصي (بايوبك) والتي بدأت في الثلاثينات من قرننا الماضي على يد شركة الأخوة وارنر حيث تم أنتاج أفلام السير التاريخية التي تناولت حيوات ثوار وعلماء ورجالات تاريخ مما تم عرضه في تلفزيون بغداد في السبعينات بما فيها فيلم وحيد عن “مدام كيوري”.  وأذكر جيدا فيلم “المواطن كين” لمخرجه أورسون ويلز (أنتج في عام 1941) حيث عرض بتفصيل غير منظّم لحياة أمبراطور أعلام يدعى وليم هيرست، كان له تأثيره في مجتمعه حينذاك.
يدور فيلمنا “السيدة الحديدية” حول ذاكرة مشوّشة وعلى مدى يوم كامل في حياة رئيسة وزراء بريطانيا السابقة السيدة تي أو مارغريت تاتشر والتي مثلّت دورها بالأبداع كلّه الممثلة المعروفة ميريل ستريب والتي جاءت الأخبار قبل أيام قلائل لتشير الى تسلّمها الجائزة العالمية الذهبية للسينما على دورها في هذا الفيلم، “السيدة الحديدية”، وهي تنتظر الأوسكار في شهر آذار مارس المقبل كما يتوقع بذلك نقّاد الفن.
ولعل أصابة تاتشر بالخرف (الناتج من جلطات دماغية متتالية غير خطيرة) قد أدى بالفيلم لأن يعبّر عن ذلك من خلال عرض لحوادث تاريخ مرّت بحياتها، وبشكل غير مترابط، دون تحليل أو أثبات موقف معين تجاه هذه القضايا المهمة في التاريخ السياسي البريطاني بل العالمي.
وهكذا كانت اللقطة الأولى في الفيلم هي للسيدة الحديديّة في أيامها الحالية وهي تمشي الهوينا لتشتري من صاحب محل صغير في لندن ( دلالة لا تخفى على المشاهد) الحليب الذي وجدته غاليا. ولا ننسى العلاقة بين تاتشر وزيرة التربية في وزارة أدورد هيث وقرارها بمنع الحليب في المدارس البريطانية في أوائل السبعينات. ثم أن الفيلم يعرض في أول مشهد أسترجاع للذاكرة المشّوشة، الصبية مارغريت في حضرة الأب روبرتس الذي كانت مولعة بأحاديثه وخطاباته بين أصدقائه في مدينة كرانثام الأنكليزية. وتتذكّر مجلسها مع رجال حزب المحافظين الأغنياء في دعوة عشاء في مدينة دارتفورد وهي صبية متحدثّة بلباقة في شؤون السياسة، حيث تلتقي حينها مع من سيكون زوجها دينيس تاتشر صاحب المشاريع الناجح.
ويظّل الفيلم يذكّر مشاهديه بأن مارغريت تاتشر كانت تحّب مصاحبة الرجال وليس لها في طفولتها أو صباها، صديقات بنات..وتعلو الجديّة الفيلم عندما يتم أستذكار تاتشر لما مرّت به كرئيسة للوزراء من أضراب لعمال مناجم الفحم وعمال الخدمات العامة، ومحاولة أغتيالها من قبل الجيش الجمهوري الأيرلندي السري في تفجير فندق في برايتون حيث المؤتمر الحزبي للمحافظين ثم تذكّر حرب جزر الفوكلاند ورجال العسكرية البريطانية وصوت المدافع وسقوط الضحايا.
ولا غرابة أن ترى الفيلم “السيدة الحديديّة” يقوم بدور الكاشف لما وراء كواليس صنع الساسة في الغرب. فتاتشر كسيدة كان لابد من أن تخضع لمكياج خاص لشعرها، فتنزع القبعة غير الملائمة، وتمرّن صوتها، وتهتم بالمظهر والزينة المعقولة والمكياج، قوة تزيد في تأثير شخصيتها بين أعضاء مجلس عموم وصفه الفيلم على لسان أحد أعضائه بأنه بيت للمجانين..وتظل تاتشر عبر حالة الخرف تتكّلم مع ما يشبّه لها أنه زوجها دينس، الذي توفي قبل ما يزيد على 8 سنوات، فتقول له أن الحياة أكبر من أن أظل أغسل الصحون في المطبخ..ومما كشفه الفيلم بجرأة هو حالة أعجاب مارغريت تاتشر بنفسها حد عدم السماع لنصيحة ناصح من وزرائها في الحكومة  أو زملائها في الحزب اللذي رأست لمدة تزيد عن 10 سنوات.
وهم هؤلاء الساسة الذين بلغ عندهم السيل الزبى فأتحدّوا على أسقاطها وتحدّيها في عقر دارها.
لقد أعطت لقطات الكاميرا القريبة  للوجوه وأنفعالاتها ممزوجة بالموسيقى التصويرية الأنكليزية النكهة والمذاق، مناخا محببا وذكيا في الفيلم. كما أن أبداع الممثلة الأولى ميريل ستريب في تمثيل مارغريت تاتشر، وهي العجوز المتعبة والشابة القائدة في نفس الوقت، ضمن للفيلم نجاحا تجاريا يحلم به المنتج. ولم يكن أداء الممثلة الفطنة الكسندرا روش قاصرا وهي تمثّل دور مارغريت تاتشر صبية يافعة.
ويظل في المقطع الأخير في الفيلم المعنى المهم حيث تدور السيدة الحديديّة حول غرفتها مخاطبة شبح زوجها بأن: لا تذهب وتتركني وحيدة..فأنا لن أترك هذا المكان..الى أي مكان آخر..

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
736متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

عراق ما بعد 10 تشرين

لم ينتظر النظام الإيراني طويلا، بعد أول أيام الغزو الأمريكي، ليفتح حدوده مع العراق، ويبدأ بضخ الأمواج البشرية المسلحة الطائفية المتطرفة التي كان قد...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الحوار الوطني منطق تفاعل الآراء وتجاوز التعصب الفئوي والعقائدي

هناك حقائق يجب ان نعترف بها قبل الدخول في صلب موضوع دراستنا، فكلما اعترفنا بتلك الحقائق مبكراً وعالجناه بعقل وترو، كلما ضاقت شقة الاختلاف...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

متى نظفر بإنتخابات رصينة ؟!

يتبين لنا نحن الذين سمعنا وكفانا ماسمعنا من المشاكل المتتالية التي افرزتها مكائن مفوضية الانتخابات في العراق , فضلآ عن أنها إستأثرت على المرشحين...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الموصل في حقبة الأخوين النجيفي

حقيقة فمنذ فترة طويلة وأنا متردد في تناول جانبا من ملف سقوط الموصل بيد الإرهاب و المتمثل بإخفاق الإخوة النجيفي في التعاطي معه حيث...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

فشل النظام الصحي والبيئي في العراق في معالجة إضطراب طيف التوحد

لمن لا يعرف منكم ما هو إضطراب طيف التوحد، ففي الحقيقة هو " وباء " لا تريد أن تعترف بانتشاره المؤسسات الصحية في جميع...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ايقاف “الزرق ورق” في بغداد !

دمار وخراب بغداد يسير وفقة خطة ممنهجة ومحكمة وضعتها امانة بغداد وتلك المشاريع الخربانة نشاهدها في اغلب مدن و شوارع بغداد بل حتى سكنة المحافظات...