سماء المحبة تمطر بغزارة

لماذا تستهويني كتابة الذكريات الصحفية خاصة ؟ سؤال أطرحه على نفسي ، كلما مسكتُ القلم للكتابة بهذا الاتجاه . والأجوبة عديدة ، فيها الذاتي والموضوعي . بوضوح تضغط العاطفة باتجاه الذكريات ، لكنها عاطفة مؤطرة بعوامل موضوعية قد لا يتسع المجال هنا للتطرق لها تفصيلاً . ودعونا نقلب بعضاً من أوراق هذه الذكريات .
   على أثر نشر موضوعي في موقع (كتابات) الذي حمل عنوان : مغامرة الوصول إلى فندق الرشيد في بغداد ، جائتني رسائل أعتز بأصحابها وبمضامينها ،  لكني فُوجئتُ ببعض مرسليها وبأمكنتهم حالياً .
    من فيلادلفيا ، بالولايات المتحدة الأمريكية ، جائتني رسالة من زميل المهنة الهندسية سلام ناصر (ابو دينا) ، صائغ العلاقات الاخوية الانسانية . ومن السويد جائتني رسالة من الأديب والجار سابقاً خضير أللاّمي ، الذي عرفته انساناً ومترجماً مقتدراً . وجائتني رسالة من الزميل الصحفي صبري الربيعي ، الذي لا أعرف أين يقيم الآن . الربيعي كان دمثاً ومؤثراً حين جعل موضوع رسالته : هَلَه بالغايبْ . عرفت الزميل الربيعي في مجالات صحفية عديدة ، آخرها اننا عملنا سوية في مجلة(ألف باء) ، قبل أن اغادرها منقولاً الى أمانة بغداد ، مطلع عام 1982 .
    ومن إستراليا ، جائتني رسالة من الأديب جمال حافظ واعي . وعند هذا الأديب ، يُفتح صندوقُ الذكريات الصحفية . ففي النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي ، والنصف الاول من تسعيناته كنتُ اكتب في جريدة يومية بغدادية . وعن هذا الطريق تعرفتُ على زملاء أعزاء ، وأقتربتُ اكثر من زملاء آخرين . أحِبَّةٌ كثيرون ، ربما سيُتاح المجال للكتابة عنهم جميعاً ، مستقبلاً . ولكني أتوقف عند رصيف الكتابة عن : جمال حافظ واعي . ففي تلك الجريدة ، عمل الأديب جمال في قسم التصحيح . وسررتُ حين علمتُ أنه حاصل على ماجستير في اللغة العربية . وسررتُ أيضاً حين علمتُ أنه من مدينة الشطرة ، وارثة حضارة أكد . كان جمال يمتاز بالهدوء وقلة الكلام ، وربما : الصمت . وإقتربنا من بعضنا . فقد أهديتُه كتابي (من حقيبة السفر) الذي صدر عام 1991 . وبادر لكتابة عرض عنه ، نُشر في تلك الجريدة ، يوم 22/11/1992 ، وتحت عنوان : شهادة في الهواء الطلق .
    ومما كتبه : ((ليس الكتاب سيرة ذاتية بمفهومها الكتابي ، ولا تدبيج مقالات لتهويل حياة آخرين بصورة نفعية . وانما هو شهادة في الهواء الطلق ، وشهودها الطبيعة والزمن والعفوية الصادقة)) .
    وقال جمالُ الكثير في هذا العرض ، ولا يتسع المجالُ هنا للأتيان عليه .وافترقنا . وإختفى الأديب واللغوي الشطري (الأكدي) جمال حافظ واعي . وكانتْ الاوضاع تضغط على العراقي أن يحصر إهتماماته بما يُعانيه . وخارج دائرة هذه الاهتمامات ، قليلون من تحركوا .
    وصباح يوم من أيام عام 1997 ، إن لم أخطأ ، كانت المصادفة المثيرة . كنتُ في ذلك اليوم أقف عند صيدلية (بلاط الشهداء) في باب المعظم بالعاصمة العراقية بغداد . وهُنا كانت المفاجأة : قصدني شخص . سلَّم ، وبعد السلام ، قال ذاكراً إسمي : لقد كتبتُ عن كتابك . هل تتذكر ؟ . بصعوبة بالغة عرفتُه . إنه : جمال حافظ واعي ، بلحمه ودمه . دار بيننا حوار سريع . وفجأةً : تركني جمال . وعندما سألتُه : الى أين ؟ لم أحصل على جواب .
وصاحبني سرور بالغ حين وردتني رسالة من الأديب الصديق الأكدي جمال حافظ واعي ، قال فيها : قرأتُ موضوعك الجميل ، وتذكرتُ الأيام الخوالي ، والذئب الذي لن يكف عن العواء . وكان ألأديب جمال واعي يشير الى مقطع في موضوع : مغامرة الوصول إلى فندق الرشيد ، جاء فيه : في أعماقي يعوي ذئب صحفي . يعوي كمن لَسَعَهُ برد صحراوي في أخريات ليل شتوي . ومثل هذا الذئب لا يكف عن العواء ، ما لم أُدفِئهُ برداء الكتابة الصحفية ، أو بالكلام الواضح : ب (بَطّانية) الكتابة الصحفية .
أيها العزيز جمال ، أيها الأحبة في المنافي ، حيثُ مخالب الغربة ، وحيثُ (مقابر الغرباء) ، كما تسمى مقبرة بجوار مرقد السيدة زينب ، عليها السلام ، بدمشق : عواطفُنا وقلوبنا معكم ونحن واثقون أنكم تبادلوننا نفس المشاعر . أنا متأكد أن مطلع هذه القصيدة الشعبية يترجم مشاعر كل من عاش الاغتراب . المطلع يقول :
هاجَرْنَه شرﮔﻚ أُوغرب
و .. إﻠﮕﻳنه تالي الدرب
يِرْجع على بغداد
    واخيراً : كنت أتوقع قطرات مطر قليلة ، لكن سماء الاخوة وفضاء المحبة ، كان مطرها غزيراً .
.. مع اعتزازي بجميع الأَحِبَّة .
[email protected]

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
769متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الروح الايجابية عند الشاعرة إميلي ديكنسون

من الادب العالمي:قصائد قصيرة الروح الايجابية عند الشاعرة إميلي ديكنسون ترجمة: سوران محمد (١) منع قلب من انكسار ....................... لو استطع منع قلب من انكسار، لن أعيش خسرانا ؛ ولو أخفف من...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

رواتب الرئاسة وافتراش التلاميذ الارض للدراسة

هل هو قدر مجنون ان يضع الزمان حكام لا يعبأون الا بأنفسهم وكأنهم حكام على ركام من هواء، ذلكم هم حكام العراق بعد عام...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

القاص والروائي غانم الدباغ : قراءتان متباعدتان

عرفتُ القاص والروائي غانم الدباغ في منتصف سبعينات القرن الماضي من خلال أربعة أعمال : ثلاث مجموعات قصصية (الماء العذب) و(سوناتا في ضوء القمر)...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

رأس مقطوع يتكلم

مثل كل الصبية لم تشهد ايامة سيركا حقيقيا إلا في تلك الأيام من صباه في البصرة، كان يسكن في منطقة تسمى الطويسة وهي في...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

رحلة مع الروائي عبدالخالق الركابي

يعد الروائي عبد الخالق الركابي احد الاسماء المهمة في المشهد السردي العراقي والعربي، وأحد الذين اسهموا في تطور الرواية العراقية, فهو من جيل الروائيين...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

هل الجمعة مباركةٌ عندنا .؟

بغضّ النظر عمّا تفيض به السوشيال ميديا اسبوعياً بالمسجات والصور والألوان المحمّلة بعبارة < جمعة مباركة > , وبغضِّ نظرٍ وبصرٍ ايضاً عن المشاعر...