مقامة كرسي العراق

مقامة كرسي العراق

هناك مقال لموفق محمد , بعنوان (كرسي العراق) متوفر على شبكة الانترنت يقول فيه : (( جغرافية العراق , وحدوده المفتوحة على الجيران , وقسوة الطبيعة , هي من خلقت شخصية العراقي  , تصوروا الاسكندر المقدوني , عندما سيطر على العراق , إستشار أُستاذه فقال سأقتلهم , سأقتل كل العراقيين , لأنهم ازعجوني وحيروني , فأجابه استاذه وهل تستطيع ان تغير تربتهم , مائهم , هوائهم ؟ هذه العناصر هي من تجعلهم هكذا , لايحبون حاكما , ويخشون الحاكم الى أن يظفروا به في يوم من الايام مسحوقا تحت اقدامهم    )).

قيل قديماً : (( توضيحُ الواضحات من أشكل المشكلات )) ,وقيل أيضاً :  (( وليس يصح في الأذهان شيءٌ   إذا احتاج النهار إلى دليلِ )) , وإن زمناً يُجبر فيه الإنسان على توضيح الواضحات لزمن سوء , وأرجو ألا يأتي يوم يضطر فيه العراقيون إلى كتابة الأبحاث والدراسات عن وقوع البصرة أو بغداد أو الكوفة أو الأنبار ضمن الحدود التاريخية للعراق , رغم أني أشعر بشدة أن هذه اللحظة ستأتي قريباً ما دام الذيول يحكمون البلاد , تلك

دراسة مهمة سَلّمَ الله من أعدّها ,لا ننشرها منطلِقينَ من وطنية مقيتة , أو قبلية جاهلية منتنة, ولكن الحق أحق أن يتبع , وقد قال الأعرابي قديماً : البئرُ لي وأنا فطرتُها , وقال آخر : هي لله في يدي , وإني أُجِلُّ الشعوبَ العربية المسلمة المغلوبة على أمرها في هذه الأكشاك العربية عن التناحر فيما بينها , بسبب تصرفات عصابات مماليك , أو ملوك طوائف أطغاهم إملاءُ الله لهم ليزدادوا إثماً , وعما قليل ليصبحن نادمين  .

تنطبق علينا نظرية الحصان الميت (Dead Horse Theory) , وهي استعارة ساخرة توضح بأن هناك بعض الناس أو المؤسسات أو الشعوب تتعامل مع مشكلة واضحة وكانّها غير مفهومة , لكن بدل الاعتراف بالحقيقة , يتعامون ويتفننون في تبريرها , والفكرة ببساطة : لو اكتشفت بأنك راكباً على حصان ميت , فإن أفضل حل وأبسطه هو أن تنزل من فوقه وتتركه , ولكن الواقع فعليًا , أنَّ هناك أناس أو مؤسسات أو شعوب بدلاً من أن تنزل من على الحصان , يتخذون اجراءات اخرى مثل : يأتون بسرج جديد,  يأتون بالعلف للحصان , يغيرون الفارس الذي يركبه , يعزلون الموظف الذي يتولى رعايته ويأتون بموظف جديد بدلاً عنه , يعقدون اجتماعات لمناقشة اجراءات لزيادة سرعة الحصان ….الخ , في النهاية , يتوصلون لنفس النتيجة  المعروفة من البداية (( الحصان ميت )) , ولكن مع ضياع كل الجهد والموارد والوقت , يكابرون في قول الحقيقة , ومن أجل التبرير يقارنون الحصان بأحصن ميتة مثله , ويوصون بأن الحصان ميت لأنه ينقصه التدريب , ويحتاج إلى دورة تدريبية , وهذه الدورة تتطلب زيادة ميزانية الحصان , وفي الأخير يعيدون تعريف كلمة ((ميت)) لكي يقنعوا أنفسهم بأن الحصان ما زال حيا , والدرس المستفاد من هذه النظرية يكشف كم يوجد هناك من أناس تفضل البقاء في حالة إنكار للواقع وتضيّع وقتها وجهدها في محاولات فاشلة , بدل من الاعتراف بالمشكلة من البداية ومعالجتها.

في الموسيقى , يُستعمل مصطلح السماعي والنوتة , وفي النحو العربي قيل , هناك قولان الكوفي والبصري , بعيداً عن أسماء الزمان السلطوي والعقدي والجغرافي والاجتماعي , هناك تاريخ لا يرحل وكأنه حالة مزمنة لا ترياق يزيح ثقلها , الجغرافيا قوة فاعلة مزمنة , وكذلك هي الثقافة والتاريخ , على خريطة الورق الكونية , تمتد خطوط طول وعرض , وتسكن دول لها وجود في حدود , على ورق الخرائط سكنت إمبراطوريات , وحكمت سلطات , وكانت أمم , إمبراطوريات حكمت من يليها , بقوة السلاح يحمله رجال , من الإسكندر الأكبر, إلى الرومان , وقبلهم الفراعنة , وبعدهم العرب , ذهب من ذهب وبقي من بقي , تكوين حضاري وثقافي ظلَّ يرفع رأسه فوق قبة الوجود الإنساني الممتد عبر الزمن , حضارة وادي الرافدين الضاربة في القدم , الجميع أو لنقل معظمهم من رجال الدين (( السنة والشيعة )) على حدآ سواء , لا يريدون لنا أن ننظر من خلال ما نراها في بطون أمهات كتب التاريخ , ولكن من خلال ما يرونه ويصورونه لنا .

 

يقال أن الإسكندر لما إستولى على بلاد فارس , إستشار أرسطو في كيف يسيطر عليها , فإقترح عليه : (( بتوزيع ممالكهم بينهم ويلقب مَن يوليه بالملك ولا يخضع لغيره , ثم يقع بينهم تغالب على الملك , فيعود حربهم لك حرب بينهم , فإن دنوت منهم دانوا , فإن نأيت تعززوا لك , وفي ذلك شاغل لهم عنك , وأمان لإحداثهم بعدك شيئا )) , ويبدو أن سايكس بيكو , ربما مستوحاة من هذه الإستشارة , دول متعددة وعلى رأسها ملك أو أمير أو رئيس , وكل يريد الهيمنة على الآخرين من حوله , فما تقاربوا , بل تنافروا وتخاصموا وتصارعوا , وإستعانوا بالطامعين بهم على بعضهم , دول تجتاح دولا ,ودول تتآمر على دول .

يُعاب على العراقيين , انهم هم من يخلقون طغاتهم , وكما قال مرة الشاعر الكبير عدنان الصائغ ف(( نصف تاريخ العراق طغاة )) , نعم هكذا التاريخ يُنبئنا بأن العراق لايحكمه الا (رأس) والرأس (طاغٍ ) و(مستبد) و(ظالم) في كثير من الاحيان , لهذا يقول موفق محمد : (( قال لي شيخ عاصر خمسة حكومات وطنية عادت بالبلد الى ما وراء (تل حسونة) ان العراقيين لايشبعون من الظلم , فإذا أُصيبوا بالتخمة من ظالم إستبدلوه بظالمٍ أعتى على مر العصور , فالعراقيون صناعو طغاة من الطراز الاول , لابد من صنم , لكي نموت دونه , ونسبق الامم , هم يبدعون في صنع طغاتهم , لكنهم يحصدون الذهب في كنسهم  )) ,وتستمر مسيرة الجليلاتُ أمهاتُ العـُرْف ِ والمعروف , يأتين حاملات جرارهنّ معتقات بالحنان , جئن إليك بلا نحيب ْ , مشْرِعات ٍ صدورهن ّ , وتفوح من أثوابهن نذر الوفاء , يُصَليّن لقداسة الدم المسفوح , كأنهن جميعاً أصبحن سيدة القيامة البتول.

أحدث المقالات

أحدث المقالات