قال ابن الأعرابي : (( سمّي عيدًا لأنّه يعود كلّ سنة بفرح متجدد )) , وفعلا كان العيد يتجلى بأيامه القليلة , فيغرس في القلوب فرحة طويلة , تملأها حبًا وسعادةً , ولم تكن فرحة العيد , فرحة للصغير دون الكبير أو الغني دون الفقير , بل هي فرحة تعمّ الجميع , وبعد ان تثقلنا الدنيا بهمومها وأحزانها , يغمرنا العيد بفرحته لينسينا ما قاسينا من الهموم والأحزان , وتزهر فرحته في قلوبنا كما يزهر الورد في الربيع , فتبعث في نواحيه شذاه الفواح وعطره الفريد.
بدأ الكثيرون في السنوات الأخيرة , يشعرون بأن فرحة العيد لم تعد كما كانت في السابق , ربما بسبب تغير نمط الحياة , فمع التطور التكنولوجي , أصبح الناس يقضون أوقاتًا أطول أمام الشاشات , مما قلل من التواصل الاجتماعي المباشر الذي كان يميز العيد, وأصبحت الحياة أكثر انشغالًا , مما يقلل من الوقت المتاح للاحتفال والتواصل مع العائلة والأصدقاء , وتغيرت القيم الاجتماعية , فأصبحت المظاهر المادية تحتل مكانة أكبر في الاحتفال بالعيد , مما قلل من التركيز على الجوانب الروحانية والاجتماعية , وأصبح الناس أكثر فردية , مما قلل من الرغبة في المشاركة في الاحتفالات الجماعية , اضافة للضغوط المالية التي تجعل من الصعب على بعض الأشخاص الاحتفال بالعيد بالطريقة التي يرغبون فيها , فقد تؤدي الأزمات الاقتصادية إلى زيادة التوتر والقلق , مما يؤثر على القدرة على الاستمتاع بالعيد.
لم يمرّ العيدُ هذا العام على شعوب عربية كفرحة روحية , بل كجرسٍ يوقظ الأحزان , مر على السوريين بعد مرحلة الأسد في دولة ما زالت تزيل آثار الدمار والتشرد والمدن التي تئن تحت ذكريات المعتقلات والبراميل المتفجرة , ومعها بارقةُ أمل لمستقبل أفضل , بينما كانت غزةُ تستقبل العيدَ بالتكبيرات بين أنقاض البيوت , وعلى أطلال الأسر التي حصدتها آلة الحرب , وفي السودان ما زالت الحرب الأهلية توقد النيرانَ في المدن , والنازحون استقبلوا العيد في الخيام , وفي اليمن وليبيا , تستمر المعاناة بلا انقطاع , وتمرُّ الأعياد وسط حرب , وانقسام مستمر, وغياب المستقبل , وفي العراق كانت هناك خلافاتٌ مستمرة حتى في فرحة العيد.
يبرز في هذه الأيام سؤال : (( لماذا ضاعت فرحة العيد في بعض الدول ؟)) , وتكاد تتفق الإجابات على أنَّه لا فرحة ولا تنمية ولا استقرار من دون أمنٍ , وغيابُ الأمن هو نتيجة غياب الدولة , وما من دولة انهارت مؤسساتها إلا وكانت البداية تفريطاً في السيادة , وتساهلاً مع التدخلات الخارجية , تلك التدخلات التي تأتي تارة تحت شعار (المساعدة) , وتارة أخرى باسم (التوازن) , فتتحوَّل هذه القوى إلى شريك في القرار , ثم متحكم في المصير , فالسيادة الوطنية ليست ترفاً سياسياً , بل هي أساس بقاء الدولة , ومصدر قوتِها , وهي تعني القدرةَ على اتخاذ القرار بحرية , من دون وصاية خارجية , لبناء مشروع وطني نابعٍ من إرادة الشعب لا من مصالح الآخرين .
نبَّهنا ابن خلدون في مقدمته حينما قال : (( إنَّ الملك إذا دخلت عليه الغلبة من خارج ذاته , خرج عن حقيقته )) , العيد الحقيقي يبدأ باستعادة القرار, وهو ليس مجردَ طقوسٍ دينية , أو مظاهر احتفالية , بل هو تعبيرٌ عن الشعور بالأمن , والأمان , والسيادة , فلا معنى للعيد إن غاب الأمان , والعيد الحقيقي يبدأ عندما تستعيد الأوطان سيادتها الكاملة , وتسترجع الشعوبُ قرارها , ويُبنى الإنسانُ قبل الحجر, أما من دون ذلك , فستمر الأعيادُ كما مرّت على المعتمد بن عباد , آخر ملوكِ الطوائف في الأندلس , حين نُفي عن ملكه وأهله , ووقفَ يرثي مجدَه الضائع : (( فيما مضى كنتَ بالأعيادِ مسروراً , وكان عيدُك باللذاتِ معموراً , وكنتَ تحسب أنَّ العيد مسعدةٌ فعدتَ فيه كئيبَ النفسِ مكسوراً )) , ذكرى ألم وحنينٌ لمجدٍ لم يعد.
كانت أعياد جيلنا في الطفولة جميلة للغاية , واليوم عندما نتسترجع ذكرياتنا , نتسائل : (( أين تلك الفرحة؟)) , ونشعر بالحنين إلى تلك الأيام , ومع حلول عيد الفطر المبارك بداية هذا الأسبوع , طغى على الذاكرة مشهدُ المعتمد بن عباد , وأبياته التي ذكرناها , والتي نظمها من منفاه في السجن , ولم تكن مجردَ رثاءٍ لحاله , بل تكاد تكون مرآةً لحال أوطان تتآكل مجدداً , وتفقد سيادتها , وتستقبل الأعياد بالكآبة لا بالفرح , قد يكون السبب أننا كنا ننظر إلى الأشياء بإيجابية في طفولتنا , ونفرح بأقل الأمور , ولهذا كانت تلك الأيام تبدو أجمل , لكن مع تقدّمنا في العمر, بدأ طعم الأعياد يتلاشى , بسبب الحروب الكبرى , والاضطرابات , والمآسي التي تعصف ببلداننا , والعالم الإسلامي , ودول الجوار والعالم بأسره , لقد مرَّ العيد على تلك شعوبنا المنكوبة , ولكنَّ ناسها لم ينالوا المسرة , مثلما قال إيليا أبو ماضي : (( أقبل العيد ولكنْ ليس في الناسِ المسرَّهْ)) .
أتمنى لك عيدًا سعيدًا.