مقامة زئير المعري

مقامة زئير المعري

قال ياقوت الحموي ان الصحابي النعمان بن بشير الأنصاري اجتاز مدينة المعرة , فمات هناك ودفن بها , فسميت  المدينة بأسمه , وهي مدينة مشهورة كبيرة قديمة , بين مدينتي حماة وحلب , وقد نسب المعري إلى مدينة معرة النعمان , ونقل ياقوت من شعر المعري في ترجمة مدينة معرة النعمان قوله , وقد رحل إلى بغداد: (( فيا برق ليس الكرخ داري وإنمارماني الدهر منذ ليال , فهل فيك من ماء المعرة قطرةتغيث بها ظمآن ليس بسال؟)) , والشاعر هو أبو العلاء أحمد بن عبدالله بن سليمان. ولد سنة 363هـ نشأ في بيت علم ووجاهة , عربي النسب من قبيلة تنوخ اليمانية , كان من دعاة الفاطميين الذين يقدسون العقل , وتلقى من علوم اللغة والأدب والفقه وغير ذلك من قضايا الفكر والثقافة والحضارة والتاريخ , وقد عكس شعره هذه الملامح من وجوه معرفته ومتابعاته , وكان يعتاش من وقف صار إليه يغنيه عن الناس , وكان يلقب نفسه لانقطاعه (( رهين المحبسين  الدار, والعمى )) , وعاش زاهداً في الدنيا , ومنع نفسه من اللحوم وكل ما ينتج منها , ومن شعره في قصيدته الذائعة قوله في شأن الموت والحياة : (( غير مجد في ملتي واعتقادي نوح باك ولا ترنم شاد , وشبيه صوت النعي إذا قيــس بصوت البشير في كل ناد , تعب كلها الحياة فيما أعـجب إلا من راغب في ازدياد , إن حزناً في ساعة الموت أضعاف سرور في ساعة الميلاد ,  خلق الناس للبقاء فضلت أمة يحسبونهم للنفاد , إنما ينقلون من دار أعمال إلى دار شقوة أو رشاد )) .

يقول الدكتور طه حسين في كتابه ( تجديد ذكرى أبي العلاء) : (( حين أطل القرن الرابع من الهجرة على الناس دخلت سلطة الخليفة في بغداد طورها الأضعف عسكرياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً , فقوي بذلك الضعف أمر عرب البادية في الشام , وأصبحوا يتسامون إلى الملك , ومن هؤلاء صالح بن مرداس الكلابي أمير بني كلاب وزعيمهم , وقد دخل حلب سنة اثنتين وأربعمئة في خمسمئة من فرسان قومه , يريدون من حاكمها الصلات والجوائز, وقد طمعوا فيه , واستهانوا بسلطته , ولكن حاكم حلب أمر بغلق أبواب المدينة , وقتل من بني كلاب مئتين وأسر أكثر من مئة , وفيهم زعيمهم صالح بن مرداس حُبس في قلعة حلب , ثم يقول ابن الأثير في رواية الحادثة , أن حاكم حلب عمد إلى إذلال صالح بأن أكره أهل إحدى زواجاته الجميلات ويقال لها جابرة على الزواج منه , فرضيت في سبيل إطلاق أهلها من الأسر, احتال صالح بن مرداس للخلاص من سجنه , وهرب إلى قومه , ثم عاد إلى محاصرة حلب في ألفي فارس من بني كلاب يضيقون الحصار على حاكمها حتى استسلم , وانصرف صالح وقد ظفر من الثأر والمال وإضعاف خصمه وإذلاله بما أراد , وبعد بضع سنين من تلك الحادثة تحالف صالح بن مرداس الكلابي وحسان بن مفرج الطائي وسنان بن عليان على أن يقتسموا البلاد , فيمتلك صالح حلب إلى عانة على الفرات , ويملك حسان الرملة الفلسطينية إلى مصر, وتكون دمشق الشام إلى سنان)) .

أجمع المؤرخون الذين ترجموا حياة فيلسوف المعرة وعصره , أن حادثة سياسية كانت بينه وبين صالح بن مرداس أمير بني كلاب , جرت وقائعها في معرة النعمان , سنة ثماني عشرة وأربعمئة , وقد أشار فيلسوف المعرة إليها في أكثر من موضع في لزومياته, بعضهم يقول إن أهل معرة النعمان تمردوا على صالح , فحاصرهم , فلما ضيق عليهم شفعوا إليه فيلسوف المعرة فقبل شفاعته , ولكن لمَ عصوه وتمردوا عليه؟ يقول ابن العديم في كتابه ( الإنصاف والتحرّي في دفع الظلم والتجرّي عن أبي العلاء المعرّي) , أن امرأة دخلت جامع المعرة صارخة تستعدي المصلين على صاحب الماخور الذي أراد اغتصابها , فنفر كل من في الجامع , وهدموا الماخور ونهبوا ما فيه , وكان صالح بن مرداس الكلابي في نواحي صيدا فأسرع إلى هناك , وعسكر بظاهر المعرة وشرع في قتالها ورميها بالمنجنيق , واعتقل من أعيانها سبعين رجلاً , إقامة لهيبة السلطان , وأرسل رسوله الى وجهائها يعرض عليهم الاستسلام وإلا فالإجتياح سيتم صبيحة اليوم التالي , هنا استنجد أهالي المعرة بشاعرهم العظيم ( ابي العلاء المعري ) الذي كان قد طعن بالسن آنذاك وطلبوا منه الخروج لملاقاة المرداسي وان يطلب منه إخراج المعرة من خارطته التوسعية  , شعر أبو العلاء بالحرج لخوفه من بطش صالح بن مرداس الذي يسمع عنه , إلا ان ضغوط قومه أجبرته على القيام بهذه المهمة التي لا يعرف نتيجتها  , وقيل لصالح : إن باب المدينة قد فتح وخرج منه أعمى يتوكأ على قائد له , فقال صالح : هو أبو العلاء , فدعوا القتال للنظر ماذا يريد؟ ودخل فيلسوف المعرة على صالح فأكرمه وشفّعه , واستنشده , فارتجل أبياتاً جاءت في اللزوميات : (( تغيبت في منزلي برهة/ ستير العيوب فقيد الحسد/ فلما مضى العمرإلا الأقل/ وحُمَّ لروحي فراق الجسد/ بعثت شفيعاً إلى صالح/ وذلك من القوم رأي فسد/ فيسمع مني سجع الحمام/ واسمع منه زئير الأسد )) , ورد عليه القائد : (( بل نحن الذين تسمع منا سجع الحمام وأنت الذي نسمع منك زئير الأسد )) , ثم سأله عن حاجته فأخبره بها , فأصدر أمراً بالانسحاب , وترك معرة النعمان لأهلها , وهكذا تراجعت سلطة العسكر أمام سلطة مفكر حر, ألمَّ بفكر العرب وثقافتهم , واستمدَّ من تلك الثقافة رموزها الفلسفية , فأنضجها في أتون العقل , وصنع منها مشروعاً حضارياً عملاقاً نستطيع القول إنه ما زال حياً إلى يومنا هذا , وهي حالة نادرة , أن يتراجع عسكري أمام فيلسوف.

تشعب المعري في تساؤلاته وشكوكه أبان شرخ شبابه , ومثله من يملك عقلاً جباراً لابدَّ أن يجعل من الشك أساساً لليقين , ومن اقواله الشهيرة : ((هفتْ الحنيفة ُ والنصارى ما اهتدتْ ***ويهودُ حارتْ والمجوسُ مضللة , اثنان أهلُ الأرض ِذو علــــم ٍ بلا *** دين ٍ وآخــــر دينٌ لا عقـــل لـــه )) , وقد اعتزل طيلة نصف قرن , وحدثتْ في عصره الحروب والفتن بين الحمدانيين والفاطميين , وغزوات الروم , وحصار أسد الدولة صالح بن مرداس لمعرّته الجميلة  ( كما قدمنا ) الذي أفحمه بأبياته الرائعة بعد إلحاح أهلها لخروجه إليه , وهذه المرة الأولى والأخيرة التي خرج فيها من منزله طيلة اعتزاله , فرجع الصالح خجولا خائبا , فكان هو الأسد , وكان أسد الدولة هو الحمام , باعتراف الصالح الهمام .