يقرأ المندلاوي الجميل الفاتحة على جيل الشباب العراقي في قصة قصيرة جدا نشرها في المواقع , يشرح فيها صدمة أستاذ بمصير طلابه الذين تخرجوا من كلياتهم , لينتهوا الى فشل حياتي كامل , حيث اصيبوا بالظواهر الدخيلة التي جلبها العصر ألأميركي (( البطالة , والمخدّرات , والابتزاز الإلكترونيّ , والانتحار, والتحرّش , وتفشي , الرشوة , وتشظّي الهويّة الوطنيّة , وتنامي روح القتل والإرهاب, والاستهانة بالقوانين , والجريمة المنظّمة وتجارة الأعضاء البشريّة , والاستغلال الجنسيّ , والعنف الأسريّ وغيرها)) .
يقول ابن النفيس : (( وَمَا سُوءُ ٱلْطَّبِيعِ فِي هٰذَاٱلْأَوَانْ , إِلَّا أُسُونُ ٱلْحِجَا مـذَّاكَ ٱلْهَوَانْ )) , قيل قديماً : (( توضيحُ الواضحات من أشكل المشكلات )) , وقيل أيضاً ((وليس يصح في الأذهان شيءٌ , إذا احتاج النهار إلى دليلِ )) , وإن زمناً يُجبر فيه الإنسان على توضيح الواضحات لزمن سوء , يفيض الخاطر بالكثير , وينشد محبة ومودة , تحولت إلى خواء وصراخ في ليل طويل , ومن أهم أسباب تنامي هذه الظواهر الفهم الخاطئ للديمقراطيّة والحرّيّة الشخصيّة , والتراخي الأخلاقيّ ,وغياب الدولة الضابطة للمجتمع , إن الدمار الحقيقي هو دمار الأجيال , العُمران يمكن ترميمه , أمّا هذه الأجيال إذا دُمِّرَتْ , فلا يمكن ترميم الوطن .
الوطن الذي لا يصنع يُصرَع , وتدوسه سنابك الدول الطامعة وتنتهك سيادته , وإهمال الشباب عدوان على الوطن وتدمير لذاته وموضوعه , هذا المجتمع الذي يحتاج اليوم الدفء ما زال يمعن في القطيعة , هذا الوطن الذي يحتاج لملمة الجراح ما زال ينكأها , وهذه السماء الملبدة بالغيوم ما زالت تحجب أنوار الشمس , وهذا القلب الذي تكررت انكساراته , وبات ينشد الترميم , ما زال نبضه يضعف ويكاد يقترب من إعلان الهزيمة , وإني أُجِلُّ جيل مابعد بريمير المغلوب على أمره في هذه الأكشاك الطائفية عن التناحر فيما بينه , بسبب تصرفات عصابات مماليك أو ملوك طوائف .
سئل الفيلسوف جان جاك روسو ما هو الوطن ؟ فأجاب : (( الوطن هو المكان الذي لا يبلغ فيه مواطن من الثراء ما يجعله قادراً على شراء مواطن آخر, ولا يبلغ فيه مواطن من الفقر ما يجعله مضطراً أن يبيع نفسه أو كرامته )) , الوطن هو رغيف الخبز, والسقف والشعور بالانتماء , الدفء والإحساس بالكرامة , ليس الوطن أرضاً فقط , ولكنه الأرض والحق معاً , فإن كانت الأرض معهم فليكن الحق مع الشباب , فالوطن هو حيث يكونوا بخير, وأجيالنا سُلبت منهم اوطانهم نهاراً جهاراً .
تُنسب إلى الوزير آ ابن العُلقُمي قصيدة قالها متألما على أحوال بغداد والخلافة :
(( كيف يُرجى الصلاحُ من أمرِ قومٍ ضيعوا الحزم فيه أي ضياع , فمُطاع المقالِ غيرُ سديدٍ وسديدُ المقال غيرُ مُطاع)) , يُعلِّمك العراق أن تتجاهل كل نظريات العلوم السياسية , ومبادئ العلاقات الدولية , تجد نفسك أمام بلد يسير عكس مصالحه , كأنه بلد انتحاري في عالم لا ينقصه الجنون , ولسوف يحيّر هذا البلد معظم منظِّري القرن الجديد , وهم يقرأون كيف تعامل مع محيطه, وحلفائه وأعدائه خلال العقود الأخيرة , العراق أمام موت جديد , في قصة ليست جديدة , (( أسَفِي على وَطَنٍ حَوَّلَ نخيلَ تِلالِهِ إلى تَوابيت )) .
يُقال أن إبن الخليل بن أحمد الفراهيدي , ذات يوم راح ينادي في الطرقات ((جُنَّ أبي)) عندما وجده يتحدث مع نفسه وبصوت مسموع , وهو يحاول إكتشاف نغمات وإيقاعات الشعر, وتأسيس منظومته العروضية الخالدة , ويبدو أن الكثيرين منا يصرخون بأعلى أصواتهم (( جُنّ وطني )) , فما يجري في الواقع ضرب من الجنون المرعب , الذي يستعصي على الشفاء , فما يدور في البلاد لم يخطر على بال العباد , لا في حاضرهم ولا ماضيهم , الدين مجهول , المذاهب في الكراسي , وغاب صوت ((حي على خير العمل )) وصارت (( حي على شر المآسي )) , نهب وسلب , والمال العام مجهول الملكية , وما ملكت أيمانكم من كل شيئ حق مباح لمَن تطاله يده.
إذا تمزقت الخيمة فلن يجد ما تحتها مَن يقيه , والأوطان أوعية ما فيها , فإذا تحطم الوعاء الوطني تناثر ما يحويه , وتناحر وتنافر وتمترس بأتراسٍ يلوذ بها متوهما بأنها ستحميه , ويصبح البلد بلا دولة ولا هوية , والمواطن فيه رقم موضوع في خانة المحو والطرح والضرب بصفر, حرمان من أبسط الحاجات , ومصادرة مطلقة لحقوق الإنسان , وعدوان على السيادة والكرامة والحرية والحياة الآمنة المستقرة ,فكيف لا يكون الوطن مجنونا؟
وكيف لا يكون المواطن مأفونا ؟ إنها إملاءات شياطين الدجل والضلال والبهتان , الداعين إلى مسيرات كل مَن عليها فان , ولن يبقى فوق التراب أنس ولا جان , فعليكم بالسمع والطاعة والرضوخ للإمتهان.
في برنامج يرصد نبض الشارع , يحكي صاحب المقهى بحزن قائلاً : (( كان الزبون سابقاً يطيل حواره معي , يواجهني بابتسامة وضحكة , واليوم وجهه قاتم , ويكتفي بأن يطلب ما يريد ويأخذه دون كلام )) , هذه أصل الحكاية في بلد الشظايا , أن الوطن تحوّل إلى ضمير مستتر تقديره مجهول , فانتشرت الأفاعي والعقارب والعظايا , وتمرّغت في ترابه وإلتهمت ثرواته , وتخندقت في كينونات تحميها من الوطن , الذي يريد أن يكون وعاءً جامعا وميدانَ تفاعل وإنطلاق لتأمين مصالح مواطنيه.إنها حكايات الكراسي المجنونة المعممة بالأفك والرياء والعدوان , تنطق طيبا وتفعل خبيثا , وتنافق وتهين كان يا ما كان , العروبة دخان , الوطن مُدان , الشعب بلا لسان , والتبعية قانون ودستور وسلطان , فالخنوع للغير من الإيمان , والمناداة بالحق من سلوك الشيطان , فهل هو مجنون الذي يقرأ الفاتحة في باحة الأزمان؟