يشيد عبد الودود غناوي بما كتبه الدكتور الحمداني عن مثقفات بعقوبة , ثم يعيد تذكيرنا بأبنتي عمته ايقونتي ألأدب البعقوبي , القاصة ((فائزه محمد علي الفدعم)) , واختها الشاعرة ((عاليه محمد علي الفدعم)) , ويطلق عليهما لقب السمراوتين , والأشياء السمراء فاتنة دوماً , رائحتها زكية كما القهوة والشوكولاتة , تعيدان للمزاج المتراقص الاستكنان , وقد قالوا عن السمراء : ((سمراء تكحلت فأخفت وجود القمر, فمن لا يعشق السمر لا زال عن جمال الدنيا أعمي )) , و (( سمراءُ غنّاها الجمالُ ترنّماً ،، خلقَ الجمالُ على الجميلةِ أسمر )) .
يقول الكفوي في (( الكليات)) عن البراعة : (( كمالُ الفضلِ , والسرورِ, وحُسنُ الفصاحةِ الخارجةِ عن نظرائها )) , تلك هي صفات ماأنتجته السمراوتان من شعر و سرد , واللغةُ لا تَتَجَسَّد حُلْمًا وواقعًا إلا في الأدب , باعتباره الشكل الإبداعي المُعَبِّر عَن عواطف الإنسان , والتَّعبير الفَنِّي المُظْهِر لأفكارِه وهَوَاجِسِه , وعندما يولد النص من رحم معاناة الكاتب والشاعر , فإنه غالباً ما يأتي إبداعي , ومكتضا بالدلالات والصور التعبيرية , التي تعكس إرهاصات حس اللحظة , ذلك مانلمسه في نتاجات مبدعتينا السمراويتين .
نبدأ بقاصتنا المبدعة , ونقول ان الزمن هو الخيط الذي ينشر عليه الكاتب احداث حكايته , بينما المكان هو البساط الذي تتحرك فوقه الشخصيات , وتعتبر الافكار المرتبطة بالذكريات اساس في تحويل المشاريع الابداعية من مجرد موجة هائلة تدور في الاخيلة إلى مادة محسوسة قابلة للقراءة أو المشاهدة , فماذا عسانا أن نقول ونحن نراها تنفخ في اوراق الذكريات , لتحيل صفارها للون البهجة والحياة , وكانها ولدت من رحم ربيع الابداع , فالكتابة عندها ملاذ وملجأ , مكان للبوح الآمن , ومرآة تنعكس عليها ذات الكاتبة , ومشاعرها , وأفكارها , وكتابتها تخرج ما بداخلنا من طاقات , وتحتمل حزننا وهمومنا , وتشاهدنا ونحن نتخيل معها لحظات جميلة مرت , وترسمها بسن القلم للتحرر والتمتع بالفضاء الرحب , تلك القدرة على قول الكثير باستعمال القليل من الكلمات , التي يتولد منها نص قصصي صغير يحفز مخيلة القارئ وتفكيره ,ويثير مشاعره وعواطفه لتشكل جوهر فن الحكاية التي تتطلب موهبة أصيلة , ومهارة فنية عالية.
ان سردية قاصتنا الواقعيةُ لَيْسَتْ عمليةَ رَش للسُّكَّرِ على الواقع , وإنَّما هي منظومة لِجَعْلِ الأحلامِ مَرئيةً في مَرايا الحياةِ اليوميةِ , وخرائطِ النَّفْسِ الإنسانية , مِن أجْلِ تَمريرِ تجربتها الإبداعية عبر الواقعِ الجميل , مع تحقيقِ للتوازنِ بَين الألَمِ والأمَلِ , ذلك هو التناغم البارع بين السرد والحدث , وكلمات الذكريات تحمل شحنة عميقة ومكثّفة من الدلالات التي تنقل القارئ إلى عالم يقترب ليبتعد , ويبتعد ليقترب , كأنه منسوج من الدانتيل , صورا شفافة ورقيقة , تنساب مثل ماءٍ عذبٍ يجري في ثنايا الروح , تعكس ذاكرة متوقّدة لايفوتها الحنين , الذي يتكلّم بلهجة طفل لعالم لن يعود, ولغة السرد الجميل تصطاد من الصور والخواطر ما يدهشنا, و يتناغم بين الألم و الجمال , كل معنى يعزز من قوة النص , وجاذبيته الأدبية التي تخلق جوا استذكاريا مؤثرا ومدهشا, وتلقي بظلال جميلة على قوة كل هذه المشاعر .
ننثني فنتوجه لسمراء عبد الودود الثانية , الشاعرة التي استطاعت ان تخطّ لها طريقاً واضحاً, وتتحدّى كل الصعاب , وترسم لها هويّة واضحة الملامح , فهي من خلال قصائدها تبعث اشارات , أشبه بالرسائل المتنوعة , التي حملت أسلوباً شعرياً اتسم بالبلاغة , التي استطاعت من خلالها أن تتوجه بها إلى أصحاب الذائقة الشعرية , في مفردات عذبة , تخاطب الوجدان , ما جعل قصائدها ذات لغة شعرية قوية , اتسمت بالحداثية , كعادة الشاعرة في أعمالها , التي تحمل لغتها شحنات ذات دلالة عميقة , تستطيع من خلالها الغوص في مستويات من عمق القول , على نحو ما تعكسه تجربتها الشعرية , وبلوغها لمستوى راقٍ من الإبداع ,تخييلا وتصويرا وإيحاء , وغالباً ما تستخدم الرمز في تجربتها الشعرية في محاولة منها لإيصال المعنى الذي تودّ إيصاله إلى المتلقي , وذلك من خلال مفردة أو عبارة أو شخصية أو حتى مكان ما , فكل رمز له دلالاته التي من خلاله تجعل للنصّ الشعري مساحة واسعة من التأويل , وتعدد القراءات .
أنّ القصائد التي تكتبها المرأة الشاعرة , تبقى معبّرة بصدق عن اللواعج والالام والفرح والشقاء والحرمان والسعادة , تبثّ فيها شجونها وخلجات ما انتاب فؤادها , في محاولة منها كي تزيح عن كاهلها ثقل الهموم وسطوة اللوعة , فهي تحاول أن تجسد في قصائدها آلامها ومعاناتها في بناء جملي متدفق , من أجل أن تمنح المتلقي دهشة عظيمة يروّي ذائقته, وتحرّك الاحساس لديه , وتظلّ زاخرة بالمشاعر , والاحاسيس العذبة, ومتوهّجة بفيض من الحنان , نتيجة الى طبيعتها وكونها شديدة التأثر , وتمتاز برقّة روحها , فينعكس كلّ هذا على مفرداتها , وعلى الجوّ العام لقصائدها , فتصبح المفردة تمتلك شخصية , ورقّة وعذوبة, وممتلئة بالخيال , وبجرسها الهامس, وتأثيرها في نفس المتلقي , فتمتاز بالصفاء والعمق , والرمزية المحببة, والخيال الخصب , والمجازات , ومبتعدة جدا عن المباشرة والسطحية , فهي عبارة عن تشظّي , وتفجير , واستنهاض ما في اللغة من سطوة , كل هذا تستخدمه بطريقة تدعو للوقوف عندها , والتأمل , واعادة قراءتها لأكثر من مرّة , لتعبّر عن واقعها , وعن همومها وهموم النساء في كل مكان , رغم مشاغلها الحياتية, والتزاماتها الكثيرة.
أخيرا ولست آخرا , شكرا لسمراوتي بعقوبة المتدفقتين عطراً وبهجة , لتتناثر الوان حروفهما من الجوانح الظليلة , لتصنع عرس الضوء والفرح فوق أفئدتنا المتطلعة الى المزيد من الغوص في ألأعماق والتأمل في الغد الواعد الجميل .