التاريخ يعيد نفسه، مقولة تتردد كالصدى في عقول البشر، تتسلل إلى أفكارهم كالحقيقة المرة التي لا مفر منها، رغم أن البعض يرفضها رفضًا شبه مطلق، وكأنهم ينكرون الشمس في وضح النهار. لكن الأحداث تثبت عكس ذلك، فهي تتكرر عبر الزمن بصيغ تكاد تكون متشابهة، كأن الزمن عالق في حلقة مفرغة. بالأمس , كانت قيادات (حزب الدعوة الإسلامية) و(المجلس الأعلى للثورة الإسلامية) و(منظمة العمل الإسلامي) وغيرها من التنظيمات والأحزاب المعارضة التي اتخذت من العاصمة دمشق مقرا لها يتآمرون لإسقاط نظام “صدام حسين” و يتحينون الفرص حتى وان تحالفوا مع الشيطان الأكبر أمريكا، واليوم يجدون أنفسهم تحت مطرقة قانون جديد يرمي إلى إسقاطهم هم أنفسهم . يا للسخرية الأقدار والزمن! الأيام والسنون تدور عليهم كالرحى، بأشكال مختلفة لكنها تتلاقى في نفس المعنى،
لكن دعونا لا نُغرق أنفسنا في هذه الشاعرية الرمزية ، فما يحدث اليوم ليس إلا تكرارًا لما حدث في عهد الرئيس الأمريكي السابق “بيل كلينتون” *صدر قانون “تحرير العراق” عام 1998، حيث انطلقت الاحتفالات الصاخبة والتي أقيمت في حسينيات الضاحية الجنوبية بلبنان والسيدة زينب بريف دمشق، من حيث كان قادة الأحزاب المعارضة يتراقصون فرحًا والذين كانوا في دول اللجوء الاجنبية يعيشون على فتات المساعدات الاجتماعية في “دول الكفر” – كما كانوا يسمونها في خطاباتهم – واليوم، ها هو التاريخ يعيد نفسه مرة أخرى ولكن بصيغة مضادة ، مع إصدار قانون “تحرير العراق من إيران”، لكن هذه المرة بطعم أكثر مرارة وتداعيات أعمق، لن تقتصر على العراق وحده، بل ستضرب إيران في الصميم، وتهدم البنى التحتية والاقتصادية والعقائدية والسياسية التي نسجتها في العراق منذ 2003، كما فعلت في سوريا ولبنان، لتكون المسمار الأخير في نعش “الهلال الشيعي” .
مشروع القانون الجديد قُدم بقيادة النائب الجمهوري “جو ويلسون” مع دعم من نواب آخرين من كلا الحزبين . حيث أعلن نواب في الكونغرس الأمريكي من خلال مؤتمر صحفي عن مشروع قانون يحمل اسم “تحرير العراق من إيران” في خطوة تهدف إلى مواجهة النفوذ الإيراني المتنامي في العراق , وأن المشروع حظي بدعم مشترك من نواب جمهوريين وديمقراطيين , وتتضمن بنود مشروع القانون، وفق البيان المعلن :” إنشاء استراتيجية جديدة لحل جميع او معظم فصائل الحشد الشعبي وبالاخص التابعة الى ايران ” وكما يشمل المشروع :”وضع بعض فصائل الحشد الولائية ، مثل منظمة بدر، على لوائح قوائم الإرهاب” وبالإضافة إلى اقتراحات لفرض عقوبات على شخصيات سياسية وعسكرية وقضائية عراقية بارزة مرتبطة بطهران وفق تعبير دعاة وهذه الخطوة الجريئة من قبل نواب في الكونغرس الأمريكي , وهو مشروع يهدف إلى قطع أواصر النفوذ الإيراني الممتد كالأخطبوط في أرجاء العراق، ذلك النفوذ الذي أصبح كالسرطان ينهش في جسد الدولة العراقية ويُفقدها سيادتها يومًا بعد يوم. هذا المشروع يأتي كصرخة تحذيرية مدوية في وجه الجميع : إذا لم نتحرك الآن، فإن العراق سيظل أسيرًا لمخططات طهران التوسعية، وسيبقى شعبه يئن تحت وطأة الظلم والفساد والقتل والخطف.
*وما اشبه اليوم بالبارحة حيث تضمنت الفقرة 2 من قانون تحرير العراق لعام 1998 بالتالي: “تتمثل سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في مساعدة الشعب العراقي في إسقاط نظام صدام الدكتاتوري وإقامة نظام ديمقراطي“ والفقرة 2 من قانون تحرير العراق من إيران لعام 2025: “تتمثل سياسة الولايات المتحدة في دعم الشعب العراقي في رغبته في تحرير بلاده من النفوذ الخبيث لإيران وميليشياتها العميلة ولدعم الديمقراطية، وترسيخ سيادة القانون وحقوق الإنسان في العراق”.
مشروع القانون يتضمن أيضًا فرض عقوبات على شخصيات قضائية وسياسية وعسكرية عراقية بارزة مرتبطة بطهران، وهي خطوة قد تكون المسمار الأخير في نعش النفوذ الإيراني إذا ما تم تطبيقها بجدية. لكن دعونا نحذر: هذه العقوبات قد تتحول إلى سلاح ذو حدين إذا استُخدمت بشكل انتقائي أو أدت إلى تصعيد التوترات الداخلية. الشخصيات المرتبطة بإيران ليست مجرد أفراد، بل هم جزء من شبكة معقدة تمتد جذورها في كل مفاصل الدولة العراقية. استهدافهم قد يُشعل فتيل صراع داخلي، لكن تركهم دون عقاب يعني استمرار هذا الكابوس الذي يعيشه العراقيون.
في عهد الرئيس “دونالد ترامب” ذلك الصقر الأمريكي الذي اشتهر بسياسته الحديدية ضد إيران، يرى الكثيرون في مشروع “تحرير العراق من إيران” تلك “العصا الغليظة” التي طالما حلم بها الشعب العراقي لتأديب هؤلاء والذين نهبوا البلاد وسفكوا دماء أبنائها. لكن دعونا لا نُغرق أنفسنا في الأوهام، فالسؤال المرير يظل معلقًا كالسيف فوق الرقاب: هل ستكون هذه العصا كافية لتحطيم أكثر من 22 سنة من الظلم والفساد المستشري كالوباء؟ أم أنها ستُصبح مجرد حلقة أخرى في سلسلة الوعود الجوفاء التي سمعها العراقيون حتى تقطعت أسماعهم، بينما يضحك القدر من سذاجتهم؟
والأنكى من ذلك، ماذا لو رضخت إيران – تلك الثعلبة الماكرة – لضغوط أمريكا، وتخلت عن دعمها للميليشيات، وأنهت نفوذها الفعلي في العراق، ثم جلست على طاولة المفاوضات كالتلميذ المطيع، تلبي شروط واشنطن لإنهاء برنامجها النووي إلى الأبد؟ يا لها من مسرحية هزلية! فجأة، تتشابك خيوط اللعبة كعقدة عمياء وكأنما تراءت لنا وقد تحدث ــ ولما لا فكل شيء مسموح بالسياسة كما في الحب ــ تحدث في الأسابيع والأشهر القادمة، ستصبح فكّها مستحيلة حتى على أمهر السحرة. كل لون من هذه الخيوط – السياسية والاقتصادية والعسكرية – سيُنسج في ثوب قانون العقوبات، لكن من يضمن أن هذا الثوب لن يكون مجرد خرقة بالية لا تصلح حتى لمسح دموع العراقيين؟
إننا أمام مشهد يغص بالتناقضات: الرئيس “ترامب” يلوح بعصاه، وإيران تتلاعب بحبالها، والشعب العراقي يظل الضحية المغلوبة على أمرها، ينتظر معجزة من السماء بينما يغرق في مستنقع الفساد. لا عصا ترامب ولا خضوع إيران سيغيران شيئًا إذا ظلت الأمور مجرد صفقات خلف الكواليس، تُباع فيها آمال شعب بأبخس الأثمان. احذروا أيها السادة، فالتاريخ يعلمنا أن العصي الغليظة قد تكسر الظهور، لكنها نادرًا ما تبني مستقبلًا!
ودعونا لا نيأس لهذه الدرجة , فتبقى امالنا معلقة على طريقة تنفيذه وتطبيقه على ارض الواقع , لان هذا القانون قد لايكون , وليس مجرد ورقة سياسية، بل قنبلة موقوتة تهدد بتفجير أوهام الطغمة الحاكمة التي جثمت على صدر الشعب العراقي، وخنقت أنفاسه، وسرقت حلمه بحياة كريمة. هؤلاء الذين قدموا تحت شعار “منح الشيعة فرصتهم التاريخية” – وكأن التاريخ ينتظر 14 قرنًا ليرى اللطم وضرب الزناجيل وتوزيع الطعام في مواكب العزاء – ولنكن صريحين على الأقل مع أنفسنا قبل الغير ,ولو أنها أصبحت حقائق ملموسة للجميع على ارض الواقع، فلقد حولوا العراق إلى مسرح مفتوح لنشر الخرافات والأساطير والتخلف والجهل، بينما التطوير العلمي، التقني، الاجتماعي، والاقتصادي أصبح من المحرمات التي لا يجوز المطالبة بها. لماذا؟ لأن الشعب يجب أن يظل معلقًا في انتظار أن يأتي اليهم المخلص , بينما يُرعبونهم بأشباح “البعثيين” الذين سيعودون ليمنعوا هذه الشعائر الدينية والتي ترفض إقامتها إيران بين مدنها قم وطهران ولكن تشجع عليها وتسمح بها وتؤيدها وتفرض عليهم إقامتها بالعراق لكي يعيش الشعب العراقي بالتخلف والجهل. ويا لها من مهزلة! حقائق على الأرض تُظهر أن من ينكر هذا الواقع إما كاذب أو خارج عن الملة التي يدّعون تمثيلها.
لا يمكن الحديث عن هذا مشروع القانون المنتظر صدوره خلال الأيام القادمة ، دون النظر إلى معاناة الشعب العراقي، تلك الضحية الصامتة التي دفعت ثمن كل هذه الألاعيب السياسية. خلال تظاهرات تشرين (2019-2021)، التي طالبت بإنهاء النظام الطائفي وتحسين الأوضاع الاقتصادية، استخدمت ميليشيات الحشد الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع ضد المتظاهرين، مما أسفر عن مقتل المئات وإصابة الآلاف. هذه ليست معارك ضد الإرهاب، بل حرب معلنة ضد شعب أعزل يطالب بحقوقه الأساسية.وكيف يمكن لنا أن نقبل باستمرار هذا الوضع؟ كيف يمكن للعالم أن يغض الطرف عن شعب يُذبح يوميًا تحت ذرائع واهية؟ إن مشروع “تحرير العراق من إيران” قد يكون بارقة أمل، لكنه لن يعني شيئًا إذا لم يترجم إلى فعل حقيقي يوقف هذه الجرائم ويعيد للعراقيين كرامتهم المسلوبة.
وإننا نطلق صرخة مدوية في فضاء العراق ونحذر بأعلى صوت: “إذا لم يتكاتف الجميع – شعبًا متكاتف بجميع طوائفه وتوجهاته السياسية والعقائدية وبمساندة من قبل المجتمع الدولي – لدعم هذا المشروع وكشف الفساد المالي والإداري والأخلاقي المستشري، فإن العراق سيظل رهينة بيد الميليشيات وأحزابها وفصائلها الولائية المسلحة وأسيادهم في كل من قم وطهران. يجب أن تُفتح كل الملفات، من جرائم القتل والخطف إلى صفقات الفساد التي تنهب ثروات البلاد، وأن تُعاد الأموال المنهوبة إلى خزينة الشعب.
مشروع القانون الأمريكي “تحرير العراق من إيران” قد يكون خطوة أولى، لكنه ليس كافيًا بمفرده. الشعب العراقي ينتظر بفارغ الصبر تحريرًا حقيقيًا، لا مجرد شعارات. إنها دعوة للجميع للوقوف في وجه هذا الظلم الذي طال انتظار التخلص منه، لأن السكوت عنه هو تواطؤ مع الجلاد ضد الضحية. فلنكن على قدر المسؤولية، ولنعمل معًا لإنهاء هذا الكابوس الذي طال أمده.
هذا المشروع قد يبدو كبارقة أمل أخيرة لشعب سئم الوعود الكاذبة التي تتساقط كالذباب منذ 2003، حين تعاقبت حكومات فاسدة على سدة الحكم، تتغنى بتحسين أحوال المواطن العراقي بينما ترميه في مستنقع البؤس. عيش كريم؟ هذه كلمات محرمة في قاموس هؤلاء! البطالة تتراكم كالجبال على أكتاف الشباب العراقي، تنمو كل عام كالطاعون، بينما تخرج جحافل المتعلمين من الجامعات ليجدوا أنفسهم بلا عمل، بلا أمل، بلا مستقبل. الوظائف؟ محجوزة لأبناء الوساطة والمحسوبية، لمن لهم صلة بأحزاب الإسلام السياسي الحاكمة، تلك الأحزاب التي تتاجر بالدين والوطن بلا خجل أو وازع.
وهذا المشروع ليس مجرد أمل، بل تحذير صارخ يدوي كالرعد: التاريخ لن يغفر لمن سكتوا عن هذه المهزلة المقيتة! إذا لم يتحول هذا القانون إلى فعل ملموس يقطع أيدي اللصوص ويُسقط القتلة، فسيظل العراق ساحة مفتوحة للنهب والدمار، مسرحًا للعبث يُعاد عرضه بلا حياء. الشعب العراقي لا يستحق مجرد شعارات تُطلق كالبالونات الفارغة، بل يستحق حريته، كرامته، حياة تليق بإنسانيته. إنه صرخة مدوية للعالم: كفى ظلمًا، كفى فسادًا، كفى مهازل تُساق كالنكات المبتذلة على حساب شعب يعوم فوق بحر من النفط والثروات، بينما يُرمى له الفتات ليقتات عليها!
شعب يمتلك ثروات لو استُغلت بالصورة الصحيحة لأصبح منارة العالم، ولكنها تذهب إلى جيوب حفنة من أحزاب الإسلام السياسي وتجار الدين والسياسة والمستفيدين منهم ، أولئك الذين يتدثرون بعباءة التقوى وهم يبيعون أرواح العراقيين في سوق المحاصصة الطائفية والمذهبية. هؤلاء الذين يوزعون الوعود كالحلوى الفاسدة، بينما يتركون الشباب يتعفنون في طوابير البطالة، والأطفال يموتون جوعًا، والأمهات يبكين أحلامهن المسروقة. إذا لم يكن هذا المشروع ثورة حقيقية تنهي هذا الكابوس، فهو مجرد مسكن مؤقت لجرح نازف لن يشفيه سوى العدالة. الشعب العراقي يستحق أكثر من هذا، ومن يظن غير ذلك فهو إما أعمى أو متواطئ مع جلادين أحزاب الإسلام السياسي!
* ” قانون تحرير العراق “والذي شارك في تقديم مشروع القانون النائب بنجامين أ. غيلمان (جمهوري، نيويورك-20) وشارك في رعايته النائب كريستوفر كوكس (جمهوري، كاليفورنيا-47). وقد تم تقديم مشروع القانون باعتباره H.R. 4655 في 29 سبتمبر 1998. وأقر مجلس النواب مشروع القانون 360 – 38 في 5 أكتوبر، ووافق مجلس الشيوخ عليه بموافقة جماعية بعد يومين. وقد وقع الرئيس كلينتون على قانون تحرير العراق في 31 أكتوبر 1998. وكان الغرض المعلن من القانون هو: “إنشاء برنامج يدعم الانتقال الى الديمقراطية في العراق”.