تكشف الحروب المعاصرة عن حقيقة أصبحت أكثر وضوحاً؛ هي أنَّ القوة لا تُصنع في ميدان المعركة فقط، فما يظهر في الحرب من صواريخ وطائرات ومنظومات دفاعية وقدرات تكنولوجية هو النتيجة الأخيرة لعمل بدأ قبل سنوات في الجامعات والمختبرات ومراكز البحث العلمي. وهذا ما يتجلى بوضوح في الحرب بين إيران وأمريكا، إذ تؤكد العلاقة المتزايدة بين المعرفة العلمية والقوة الوطنية.
لا يعني ذلك أن الحرب بين إيران وأمريكا حربٌ علمية، بل يعني أن أهم مقوماتها يتمثل في القدرة على امتلاك المعرفة العلمية والتكنولوجية وتحويلها إلى أدوات للقوة والاستقلال؛ أي صراع في قوة البحث العلمي.
لقد عاشت إيران عقوداً تحت العقوبات والضغوط والقيود المفروضة على وصولها إلى كثير من التقنيات المتقدمة. وفي مثل هذه الظروف، يصبح الاعتماد على الخارج مشكلة استراتيجية؛ لأن الدولة التي تعتمد على الآخرين في التكنولوجيا والسلاح تبقى مرتبطةً—بدرجات مختلفة—بإرادة المنتج والمورّد. ولذلك عملت إيران على تطوير قدرات محلية في مجالات علمية وتكنولوجية متعددة، ولا سيما في الصناعات الصاروخية، والطائرات المسيّرة، والتكنولوجيا النووية، والصناعات الدفاعية.
وهنا تظهر قوة البحث العلمي؛ فالصاروخ لا يبدأ في القاعدة العسكرية، والطائرة المسيّرة لا تبدأ في المصنع، والمنظومات التقنية لا تظهر فجأة في ميدان الحرب. إنها تبدأ بفكرة علمية، ثم تجربة، ثم مختبر، ثم بحث وتطوير، ثم صناعة. وبين هذه المراحل يقف الباحث، والمهندس، والجامعة، ومركز البحث، والمؤسسة التي تمول وتخطط وتحوّل المعرفة إلى قدرة عملية.
إن امتلاك المعرفة لا يعني بالضرورة امتلاك القوة، لكن غياب القدرة على إنتاج المعرفة يجعل امتلاك قوة مستقلة أمراً صعباً؛ فقد تستطيع دولة ما شراء أحدث الأسلحة، لكنها تبقى عاجزة عن تطويرها أو إنتاج بدائل لها إذا كانت المعرفة العلمية والتكنولوجية موجودة خارج حدودها. أما الدولة التي تمتلك قاعدة للبحث العلمي وتطويره، فإنها تستطيع أن تبني—ولو تدريجياً—درجة أكبر من الاستقلال التكنولوجي.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم الدلالة الأعمق لاستهداف الجامعات والمراكز البحثية في الصراعات الحديثة؛ إذ طالت الضربات مؤسسات علمية وبحثية مثل جامعة الشهيد بهشتي ومركزها لأبحاث الليزر والبلازما، وجامعة إيران للعلوم والتكنولوجيا ومرافق بحثية مرتبطة بتطوير الأقمار الصناعية، إلى جانب معهد باستور الإيراني، ومركز طهران للأبحاث، ومنشآت بحثية وتكنولوجية أخرى مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني.
إن أهمية هذه الوقائع لا تكمن في حجم الدمار المادي وحده، بل في طبيعة ما تمثله هذه المؤسسات؛ فمراكز أبحاث الليزر والبلازما، ومرافق تطوير الأقمار الصناعية، والمختبرات النووية، ومراكز إنتاج التكنولوجيا المتقدمة، ليست مجرد أبنية، بل هي حلقات في منظومة إنتاج البحث العلمي الإيراني. ولذلك يمكن فهم استهدافها بوصفه استهدافاً للقدرة على إنتاج المعرفة وتطويرها وتحويلها إلى تقنية.
وهنا تتضح طبيعة الحرب الحديثة: فهي لا تستهدف القوة القائمة فقط، بل قد تستهدف أيضاً مصادر القوة التي يمكن أن تتشكل في المستقبل؛ فضرب المختبر يعني تعطيل تجربة، وتدمير المعدات يعني إبطاء سنوات من العمل البحثي، واستهداف مركز علمي قد يعني قطع الصلة بين المعرفة النظرية والتطبيق التكنولوجي.
هذه الحقيقة تدفعنا إلى السؤال الأهم بالنسبة للعراق: أين البحث العلمي العراقي من هذه المعادلة؟
يمتلك العراق عدداً كبيراً من الجامعات ومؤسسات التعليم العالي، كما يمتلك آلاف الأكاديميين والباحثين والطلبة. ومع ذلك، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بعدد الجامعات أو بعدد البحوث المنشورة، بل بمدى قدرة هذه المؤسسات على إنتاج معرفة تتحول إلى حلول وقدرات ومشروعات.
هناك فرق بين جامعة وظيفتها الأساسية تخريج الطلبة ومنح الشهادات، وجامعة تشارك في إنتاج المعرفة التي تحتاج إليها الدولة والمجتمع. فالجامعة الحديثة ليست مؤسسة تعليمية فقط، إنها أيضاً مؤسسة لإنتاج الأفكار والتقنيات والكوادر القادرة على مواجهة مشكلات المستقبل.
إن العراق يواجه مشكلات كبرى في المياه، والطاقة، والزراعة، والبيئة، والصناعة، والصحة، والتكنولوجيا. وهذه المشكلات ينبغي أن تتحول إلى قضايا للبحث العلمي في الجامعات العراقية تنزل إلى أرض الواقع؛ فما قيمة البحث في أزمة المياه إذا بقي في مكتبة الجامعة؟ وما قيمة الدراسات الزراعية إذا لم تصل نتائجها إلى المزارع؟ وما قيمة البحوث الهندسية والتكنولوجية إذا لم تتحول إلى منتجات أو حلول عملية؟
المشكلة—إذن—ليست في نقص العقول العراقية، بل في ضعف العلاقة بين الجامعة والدولة والاقتصاد والمجتمع؛ فكثير من المعرفة يُنتج داخل المؤسسات الأكاديمية لكنه لا يجد طريقه إلى التطبيق. والبحث العلمي لكي يصبح قوة وطنية يحتاج إلى منظومة متكاملة: جامعة تنتج المعرفة، ومؤسسات تمول البحث، وقطاع اقتصادي يستفيد من نتائجه، ودولة تجعل العلم جزءاً من التخطيط الوطني.
إن الدرس الذي يمكن استخلاصه من الصراع الإيراني–الأمريكي لا يتعلق بتقليد إيران أو تبني نموذجها السياسي، بل بفهم حقيقة أكثر عمومية: الدول التي تريد امتلاك قرارها وقدرتها على مواجهة التحديات لا تستطيع أن تبقى مستهلكة للمعرفة التي ينتجها الآخرون.
ولا يعني ذلك أن العراق ينبغي أن يجعل البحث العلمي مشروعاً عسكرياً؛ فالقوة الوطنية أوسع بكثير من القوة العسكرية؛ فالبحث في الطاقة قوة، وفي المياه قوة، وفي الزراعة والصناعة والطب والتكنولوجيا قوة. وكل مجتمع يستطيع تحويل المعرفة إلى قدرة عملية يصبح أكثر استقلالاً وقدرة على حماية مستقبله.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح على الجامعة العراقية ليس فقط: كم طالباً تخرّج؟ وكم بحثاً نشر أساتذتها؟ بل السؤال الأعمق هو: ماذا أنتجت الجامعة للعراق؟
إن مستقبل العراق لن يتحدد بالنفط وحده؛ فالثروة يمكن أن تُستهلك، أما القدرة على إنتاج المعرفة فهي ثروة قابلة للتجدد. والدولة التي تستثمر في الإنسان والجامعة والبحث العلمي لا تشتري مستقبلها من الخارج، بل تبدأ بصنعه بنفسها.
وهذا هو المعنى الأعمق للسؤال: كيف تصنع المعرفةُ القوة؟
إنها تصنعها عندما لا تبقى المعرفة حبيسة الكتب وقاعات الدرس، بل تتحول إلى تقنية، ومن التقنية إلى إنتاج، ومن الإنتاج إلى قدرة وطنية. وعند هذه النقطة، يصبح البحث العلمي جزءاً حقيقياً من قوة الدولة ومستقبلها.