اسمه “كامل”. لكن أحدًا لم يناده باسمه الحقيقي. في الأزقة والأسواق، كان يُعرف فقط بـ”كامل ستوتة“، كأن حياته اختُزلت في المركبة التي يقتات منها، ويُحمّل بها أثقال الآخرين، دون أن يلتفت أحد إلى ما تنطوي عليه حياته من ثقل.
نشأ في حيٍّ عشوائي ببغداد، لم يُكمل المرحلة الابتدائية، ولم يذق طعم الطفولة. والده تزوّج امرأة أخرى، ونسيه كأنهلم يكن. ومنذ ذلك الحين، حمل على كتفيه عبء إعالة أمه وإخوته الثلاثة، متنقّلًا بين الأزقة، باحثًا عن لقمة تسد رمقهم.
في سوق الشورجة، التقى برجل يُدعى “ل.ص“. بدا وكأنه مختلف عن غيره: أنيق، كريم، يتحدث بلغة تشبه الحلم. استأجره أكثر من مرة لنقل بضائع، وكان يدفع له بسخاء، بل أخذ رقم هاتفه، وصار يتصل به كلما احتاجه.
وقبل اندلاع المظاهرات بأسابيع، سلّمه “ل.ص” مبلغًا قدره 250 ألف دينار، وقال له: “نحتاجك في مهمة قريبة.
250 ألف دينار؟ انه مبلغ كبير، لم يجمع مثله في شهر كامل، شعر وكأن الحياة أخيرًا تفتح له بابًا، ولو إلى مكان مجهول.”
ولما رأى “ل.ص” بريق الشغف في عيني كامل ستوتة، تابع حديثه قائلاً: “أنت شاب، والدولة لم تمنحك حقك… تسكن في تجاوز، بلا وظيفة، بلا بيت، بلا زواج، أليس كذلك؟” فأجابه بحماسة: “والله صحيح.”
وعده الرجل بأن إسقاط الحكومة سيغيّر حياته، وأن له نصيبًا في الخير القادم. طلب منه أن يكون جاهزًا، وأن يبقى على تواصل.
ثم جاءت لحظة التكليف. في ذروة المظاهرات، طُلب منه أن ينقل خمسة أشخاص من منزل “ل.ص” إلى ساحة التحرير. كانوا يحملون أكياسًا، عَرف لاحقًا أنها تحتوي قنابل “مولوتوف”.
ظنّ أنها تُستخدم للدفاع عن النفس. طُلب منه أن يبقى قريبًا منهم في خضم المظاهرات، وأن يُعيدهم إلى المنزل متى أرادوا.
لكن ما رآه هناك قلب الصورة. أولئك الأشخاص لم يكونوا يدافعون عن أنفسهم، بل كانوا يرمون القذائف على المتظاهرين أنفسهم، من زوايا محسوبة بدقة، وكأنهم يعرفون كيف يُشعلون الفوضى دون أن يُكتشفوا.
عاد بهم إلى منزل “ل.ص“، وهناك طلب الحديث معه على انفراد. قال له: “هؤلاء يرمون القذائف على المتظاهرين، وقد سقط منهم قتلى ومصابون… إنهم لا يعملون ضد الدولة، بل ضد المظاهرات.
” ضحك الرجل وقال: “هذه سياسة، لا تتدخل فيها… واجبك أن توصلهم وتُعيدهم.” ثم دفع له مبلغًا آخر، 200 ألف دينار، كانت كافية لإسكات كل تساؤلاته.
اعتقل كامل ستوتة بعد ان رصدت كاميرات المراقبة تردده على المظاهرات وهو ينقل اشخاصا غامضين يثيرون الريبة، ولاحقًا، حاولت الأجهزة الأمنية الوصول إلى “ل.ص“، لكنه اختفى. قيل إنه في أربيل، ولم يُترك خلفه أثر.
كامل ستوتة، ابن العشوائيات، الذي ظن أن (الثورة)ستنقذه، وجد نفسه أداة في يد مجهولة مريبة تثير الفوضى لأهداف لا علاقة لها بالفقراء والوطن ومشاكل الناس.
لم يكن مجرمًا، بل ضحية فقر، وضحية خطاب تحريضي، وضحية لعبة أكبر من وعيه.
لقد استُدرج إلى فخ السياسة، لا بوصفه فاعلًا، بل بوصفه وقودًا. هل فهمت ايها القارئ اللعبة؟
إنهم شياطين الإنس، يعبثون بالعراق، يصنعون أحداثًا لتسيير المظاهرات، ثم يستهدفون المتظاهرين والناشطين لتأجيج الأوضاع، ويحمّلون الأجهزة الأمنية مسؤولية الدم.