فتح الأقسام العلمية في كليات تكنولوجيا المعلومات: تشخيص واقعي ودعوة إلى إصلاح أكاديمي منظم

فتح الأقسام العلمية في كليات تكنولوجيا المعلومات: تشخيص واقعي ودعوة إلى إصلاح أكاديمي منظم

يشهد قطاع التعليم العالي في العراق، سواء في الجامعات الحكومية أو الأهلية، توسعًا متسارعًا في فتح أقسام علمية جديدة، لا سيما في مجالات تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي. ورغم أن هذه الخطوة تأتي استجابةً للتطورات العالمية ولحاجة سوق العمل المحلي، إلا أن المقلق في الأمر هو غياب التخطيط الأكاديمي الرصين وافتقار العديد من هذه الأقسام إلى الكوادر التدريسية المتخصصة.

لقد أصبح فتح الأقسام العلمية الجديدة، في كثير من الأحيان، قرارًا إداريًا أكثر منه علميًا، دون دراسة دقيقة للاحتياجات الحقيقية أو التحديات المستقبلية. والأخطر من ذلك، هو الاعتماد شبه الكلي على كوادر من تخصصات أخرى – غالبًا علوم الحاسبات – لتدريس مناهج تخصصات دقيقة ومختلفة، مما يفقد هذه البرامج هويتها العلمية ويشوّه رسالتها الأكاديمية.

الأقسام العلمية في كليات تكنولوجيا المعلومات: تنوع نظري، توحّد فعلي

تتألف كليات تكنولوجيا المعلومات عادةً من أقسام مثل:

علوم الحاسبات

الأمن السيبراني

نظم المعلومات الحاسوبية

الأنظمة الطبية (أو المعلوماتية الطبية)

ورغم أن كل قسم من هذه الأقسام يتمتع بمنهجية علمية مستقلة ومجال تخصصي واضح، إلا أن الواقع التدريسي في العديد من الجامعات يُظهر أن أكثر من 90% من الكادر التدريسي في هذه الأقسام ينتمي لتخصص علوم الحاسبات. وهو أمر ربما يكون مقبولًا في قسم الحاسبات ذاته، لكنه يُعد خللًا أكاديميًا في بقية الأقسام التي تتطلب تخصصات مختلفة تمامًا.

الفروقات العلمية بين الأقسام: ضرورة الفهم والتمييز

لفهم حجم المشكلة، لا بد من توضيح الفروقات العلمية الدقيقة بين هذه الأقسام:

علوم الحاسبات تركز على الجانب النظري والتقني للحوسبة، وتشمل مجالات مثل الخوارزميات، وهندسة البرمجيات، ونظرية الحوسبة.

الأمن السيبراني يتطلب تخصصًا في مجالات مثل أمن الشبكات، التشفير، كشف التسلل، والتحليل الرقمي الجنائي (Digital Forensics).

نظم المعلومات الحاسوبية (CIS) تدمج بين التقنية وتطبيقات الأعمال، مع التركيز على تحليل وتصميم الأنظمة، قواعد البيانات، والتكامل بين البرمجيات.

الأنظمة الطبية أو المعلوماتية الصحية، تركز على استخدام التكنولوجيا في خدمة القطاع الصحي، مثل أنظمة السجلات الطبية، وتحليل البيانات الطبية.

من غير الممكن – علميًا – أن يدرّس أستاذ متخصص في علوم الحاسبات موادًا متقدمة في الأمن السيبراني أو المعلوماتية الطبية أو نظم المعلومات الحاسوبية، دون تدريب وتأهيل مناسب وقبل هذا شهادة متخصصة ورصينة في هذه المجالات الدقيقة.

تمييز ضروري بين نظم المعلومات الحاسوبية ونظم المعلومات الإدارية

إحدى الإشكاليات الشائعة أيضًا هي الخلط بين قسم نظم المعلومات الحاسوبية (CIS) في كليات تكنولوجيا المعلومات وقسم نظم المعلومات الإدارية (MIS) في كليات الإدارة والاقتصاد. ورغم التشابه في التسمية، إلا أن الفرق بينهما جوهري:

نظم المعلومات الحاسوبية (CIS) تُعنى بالجانب البرمجي والتقني لتطوير الأنظمة، ويُتوقع من الخريج أن يكون قادرًا على تصميم حلول تقنية متكاملة.

نظم المعلومات الإدارية (MIS) تركز على استخدام نظم المعلومات في دعم القرارات الإدارية، وتشمل موضوعات مثل نمذجة الأعمال، الرقابة الإدارية، ونظم دعم القرار.

هذا التمايز يعني أن كوادر CIS ينبغي أن يكونوا تقنيين بامتياز، بينما كوادر MIS يحتاجون إلى خلفية إدارية قوية مع فهم تقني معتدل. الخلط بينهما في الكوادر أو المناهج يؤدي إلى ضعف التخصص، وضياع الهوية العلمية لكل قسم.

الواقع الميداني وتداعياته

العديد من الطلبة اليوم يُصابون بخيبة أمل بعد التحاقهم بأقسام مثل الأمن السيبراني أو نظم المعلومات، ليكتشفوا لاحقًا أن المناهج لا تختلف كثيرًا عن علوم الحاسبات، وأن المحتوى لا يعبّر بدقة عن عنوان التخصص. أما الكوادر التدريسية، فكثير منهم إما يجهل الفروقات، أو يتجاهلها بدافع تغطية الحاجة التدريسية، تحت شعار “تمشية الأمور“.

وقد أظهرت دراسة ميدانية من خلال مقابلات مباشرة مع تدريسيين في هذه الأقسام، أن بعضهم – رغم حملهم شهادات دكتوراه – لا يدركون الفروقات الجوهرية بين هذه التخصصات، ولا بين نظم المعلومات الحاسوبية والإدارية، ما يؤدي إلى إعادة تدوير نفس المحتوى العلمي في أقسام مختلفة.

مفارقات في الإدارة الجامعية

من المفارقات اللافتة في بعض إدارات الجامعات أنها تُجيز تكليف تدريسي من تخصص علوم الحاسبات لرئاسة قسم الأمن السيبراني أو نظم المعلومات، بذريعة “مرونة التخصص”، في الوقت ذاته ترفض تكليف تدريسي من الهندسة المدنية بإدارة قسم الميكانيك بحجة “اختلاف التخصص”. هذا التناقض في المعايير يُبرز خللاً واضحاً في الفهم المؤسسي لطبيعة التخصصات العلمية وتداخلها.

الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، بل يتجلى الخلل في تركيبة مجالس كليات تكنولوجيا المعلومات، حيث تقتصر عضويتها – في الغالب – على تدريسيين من تخصص علوم الحاسبات. ينطبق ذلك على المجالس العلمية، واللجان الاستشارية، ومجالس الأقسام، بل حتى على لجان الترقيات العلمية داخل هذه الكليات. وبهذا تكون وجهة نظر تخصص الحاسبات هي الوحيدة الحاضرة والمهيمنة، فيما تُغيّب آراء باقي التخصصات، حتى وإن كانت أكثر دقة أو مناسبة من الناحية العلمية في بعض القضايا.

وقد يلحق هذا التغييب ضررًا كبيرًا بالتخصصات الأخرى – إن وُجدت – رغم كونها تخصصات مركزية ومحورية ضمن هذه الكليات. إلا أنها، من وجهة نظر بعض المتخصصين في علوم الحاسبات، تُصنف على أنها تخصصات ثانوية أو زائدة يمكن الاستغناء عنها، بما يضمن بقاء القرار في شؤون الكلية حكرًا على فئة واحدة دون غيرها.

فغياب التنوع العلمي في هذه الهيئات يمنع وجود من يمكنه تصحيح المسارات أو الاعتراض على قرارات قد تكون مجانبة للصواب، مما ينعكس سلبًا على البيئة الأكاديمية وجودة المخرجات العلمية.
إن الإصرار على هذا النوع من التفرّد الأحادي في التمثيل الأكاديمي لا يخدم المصلحة العلمية ولا يضمن العدالة المؤسسية. ومن الضروري إعادة النظر في آليات تشكيل المجالس واللجان الجامعية بما يحقق التوازن والتكامل بين مختلف التخصصات، ويضمن جودة القرارات الأكاديمية والإدارية على حد سواء.

دعوة إلى إصلاح أكاديمي شامل

إن فتح الأقسام العلمية لا ينبغي أن يكون قرارًا استثماريًا أو إداريًا سريعًا، بل يجب أن ينبع من رؤية أكاديمية شاملة، تتضمن تحليلًا للاحتياج الحقيقي، وتوفرًا للكادر المتخصص، وخططًا واضحة للمناهج والمخرجات. كما يجب أن تتبنى وزارة التعليم العالي والجامعات سياسة جادة لتقييم واقع هذه الأقسام، وإيقاف حالة التكرار والتشويه الأكاديمي التي بدأت تتسلل إلى بيئتنا الجامعية.

فالإصلاح لا يبدأ بتغيير العناوين أو توسعة المباني، بل يبدأ بتصحيح المفاهيم، واحترام التخصص، وإعادة الاعتبار للجودة الأكاديمية التي يجب أن تبقى في صميم أي عملية تعليمية.

أحدث المقالات

أحدث المقالات