إن دراسة الحضارة العراقية القديمة، أو بلاد ما بين النهرين، من منظور أنثروبولوجي تكشف عن خفايا عميقة تربط الماضي بالحاضر بشكل عضوي وغير مرئي. هذه النظرة لا ترى في التاريخ مجرد تسلسل زمني للأحداث، بل تراه كتيار حي ومتدفق يغذي الذاكرة الجمعية للمجتمع المعاصر. إن الإنسان العراقي اليوم ليس مجرد وريث لتلك الحضارات، بل هو حامل لموروثها الثقافي والأسطوري الذي يتجلى في كل تفصيلة من تفاصيل حياته.
تُظهر دراسة الأساطير القديمة، مثل قصة الطوفان العظيم أو ملحمة جلجامش، أنها لم تختفِ مع مرور الزمن، بل تسربت إلى النسيج الثقافي للمجتمع العراقي الحديث، لتظهر في القصص الشعبية والمعتقدات اليومية والطقوس الاجتماعية. هذه الأساطير لم تكن مجرد حكايات، بل كانت بمثابة أنظمة تفسيرية للكون والوجود، حيث كانت تفهم العلاقة بين الإنسان والآلهة، وتفسر الظواهر الطبيعية، وتضع الأسس الأخلاقية للمجتمع. وهذا ما يؤكده علم الأنثروبولوجيا الذي يرى في الأسطورة رمزًا يعكس رؤية مجتمع ما للعالم، وكيف يتم تناقل هذه الرموز من جيل إلى جيل عبر النقل الشفوي والتكيف الثقافي.
كما أن دراسة المسرح في بلاد ما بين النهرين تؤكد هذا الارتباط الأنثروبولوجي. فالمسرح لم يبدأ كفن للترفيه، بل كنتاج للطقوس الدينية والاحتفالات التي كانت تُقام في المعابد. كان تمثيل الأساطير، مثل صراع مردوخ مع تيامات أو أسطورة تموز وعشتار، هو أول شكل من أشكال الدراما. كانت هذه الطقوس تعيد تجسيد الصراع بين قوى الخير والشر، أو دورة الحياة والموت، وهو ما يعكس قلق الإنسان القديم ورغبته في السيطرة على بيئته وفهمها. هذا المفهوم الطقسي للمسرح لم يمت، بل ظل مصدر إلهام للمسرح العراقي الحديث الذي استلهم من هذه الأساطير مواضيعه ورموزه، مما يؤكد أن المسرح ليس مجرد فن، بل هو وعاء للذاكرة الجماعية ومحاولة دائمة لتجديد العلاقة مع الجذور الحضارية.
ولا بد من الإشارة إلى ، إن الحضارة العراقية القديمة ليست فقط موضوعًا للدراسة الأثرية أو التاريخية، بل هي كائن حي يتنفس من خلال الأساطير والطقوس والفنون التي لا تزال تشكل جزءًا من الهوية الثقافية للعراقيين اليوم. هذا الترابط الأنثروبولوجي العميق هو ما يجعل من بلاد ما بين النهرين مهدًا حقيقيًا للبشرية، حيث لم تكن مجرد نقطة بداية، بل مصدرًا لا ينضب للوعي الإنساني الذي يستمر في التطور والنمو.
إن ما يميز الحضارة العراقية ليس فقط كونها مهدًا للبشرية، بل أيضًا قدرتها المذهلة على التجدد بعد كل سقوط. فإذا كانت دراستنا الأنثروبولوجية قد كشفت عن استمرارية الأساطير والطقوس والمسرح في الوعي الجمعي للعراقيين، فإن هذا الاستمرار ليس مجرد مصادفة، بل هو سر بقاء هذه الحضارة وتجددها في وجه كل التحديات.
إن سقوط الحضارات، كما بيّنا، هو نتيجة لعوامل داخلية وخارجية، ولكن في حالة بلاد ما بين النهرين، يمكن القول إن قوتها الداخلية المتمثلة في تراثها الثقافي والروحي كانت دائمًا أقوى من أي محاولة للقضاء عليها. فكل غزو أو احتلال تعرضت له هذه الأرض لم يمحُ هويتها الأساسية؛ لأن هذه الهوية ليست محفورة في الحجارة فقط، بل في الأذهان والقلوب.
الأساطير التي تحدثنا عنها، مثل ملحمة جلجامش وقصة الطوفان، لم تكن مجرد حكايات، بل كانت آليات للبقاء. لقد علّمت هذه الأساطير الإنسان العراقي القديم كيفية التعامل مع الكوارث الطبيعية والسياسية، وكيف ينهض من جديد بعد كل انهيار. وهذا ما تجلى في المسرح الطقسي الذي كان يعيد تمثيل انتصار الخير على الشر، مانحًا بذلك المجتمع شعورًا بالأمل والتجديد بعد كل دورة من الفوضى والدمار.
إن العراق، بموقعه الجغرافي الاستراتيجي الذي جعله عرضة للغزوات والصراعات، لم يكن ضحيةً أبدًا، بل كان ساحة لتجديد الحياة. فكلما سقطت إمبراطورية، كانت تنهض أخرى، حاملةً معها بقايا الإمبراطورية السابقة، ومضيفةً عليها أبعادًا جديدة. هذا الترابط الأنثروبولوجي العميق بين الأسطورة والفن والتاريخ هو ما يمنح العراق مناعة ثقافية ضد السقوط النهائي، ويجعل من حاضره امتدادًا حيًا لماضيه العريق.