سردية “ترامب” وإشعال حرب الإستقلال التجارية؟الأسهم تنهار تلدغ كالأفعى وتضيء كالبرق!

سردية “ترامب” وإشعال حرب الإستقلال التجارية؟الأسهم تنهار تلدغ كالأفعى وتضيء كالبرق!

استيقظت وول ستريت صباح اليوم الخميس 3 نيسان 2025 على كارثة اقتصادية حقيقية، تسونامي من الخسائر اجتاح الأسواق المالية بعد قرارات الرئيس “ترامب” العشوائية والارتجالية التي أعلنها ليلة أمس. فرض تعريفات جمركية باهظة وغير مسبوقة , لم تقتصر على السيارات فحسب، بل شملت كل شيء تقريبًا، أشعل فتيل انهيار شامل للأسهم، حيث خسرت البورصة أكثر من تريليون دولار بحلول الساعة العاشرة صباحًا من هذا اليوم . هذا الجنون التعريفي، الذي يبدو أنه نابع من هوس العظمة، لم يترك مجالًا للشك أو التأويل : السوق ينزف، والشركات التكنولوجية العملاقة تشاهد أسهمها تتهاوى بسرعة مذهلة، فيما أسعار النفط والعملات المشفرة تترنح تحت وطأة هذا التسونامي .

“ترامب” الذي يصر على أن الاقتصاد الأمريكي -الذي ظل يعاني لأربعين عامًا- يتعافى الآن بفضل عبقريته، يروّج لفكرة أن الثاني من نيسان سيكون “يوم التحرر الاقتصادي” مشبّهًا إياه بعيد الاستقلال الأمريكي في الرابع من تموز؟ لكنه، بدلاً من تحرير الأمة، أطلق ما يشبه حربًا عالمية ثالثة اقتصادية، ليست بالصواريخ والقذائف، بل بقرارات تنفيذية وقّعها كطلقات نارية من التعريفات الجمركية التي استهدفت الجميع دون استثناء , الصديق قبل العدو : الاتحاد الأوروبي، كوريا الجنوبية، البرازيل، الهند، الصين، اليابان، كندا، والمكسيك “حرب الإستقلال التجارية” بدأت بوادرها تتجلى بوضوح اليوم ، ولكن بثمن باهظ.

وفيما يتوهم “ترامب” بأن هذه التعريفات ستعيد “العصر الذهبي” لأمريكا وتجدد استقلالها الاقتصادي، ويبدو أن الدولة العميقة قد تستعد لرد فعل يعيد سيناريو “جون كينيدي” ولكن هذه المرة بأدوات مختلفة. العالم الآن يترقب بقلق: كيف سترد هذه الدول؟ وهل سينجح ترامب في إعادة صياغة الاقتصاد العالمي، أم أنه يقود سفينة أمريكا نحو الغرق في بحر متلاطم من الفوضى؟ الجواب قد يكمن في الأيام والاسابيع والاشهر القادمة، لكن اليوم ، وول ستريت غارقة في فوضى من الدمار والخراب الاقتصادي.

قبل قليل، خرج علينا وزير الخزانة الأمريكي ” سكوت بنسيت” متبخترًا كما لو كان ساحرًا اقتصاديًا، يحمل عصاه الضريبية في يد، وقلمه المسموم في الأخرى، ليطلق تحذيرًا متغطرسًا ووعيدًا متعجرفًا : “نصيحتي للدول هي ألا ترد على الرسوم، لأن التصعيد القادم سيكون أقسى” ولكنه، في غفلته العمياء، يتجاهل القنبلة الموقوتة التي زرعها في قلب المجتمع الأمريكي نفسه. الأسعار لن ترتفع فقط على البضائع الكمالية التي يتباهى بها الأثرياء من خلال دور الازياء وسياراتهم الفارهة ، بل ستمتد النيران لتحرق جيوب الشعب بأكمله ، حيث ستصبح المواد الغذائية -قوت اليوم والحياة- باهظة الثمن، خارج متناول الملايين. وهذا الوزير، ومن خلفه “ترامب” لا يدركان أن هذه السياسات العبثية لن تمر مرور الكرام . ثورة تصحيحية قد نراها تلوح في الأفق قريبا ، ليست من النخب أو الساسة، بل من جحافل المشردين والمعدمين الذين سئموا الوعود الفارغة والقرارات المتغطرسة المتعجرفة . شوارع المدن الأمريكية على وشك أن تتحول إلى ساحات مواجهة ، حيث تجتاحها موجات الغضب الشعبي ، تهز عروش البيت الأبيض , وتطيح بتاج “دونالد ترامب” حتى قبل أن يحلم بإكمال ولايته الثانية؟. 

 كل هذا حدث ليس من فراغ او من خلال نوبة من الغضب ولكن عندما أدرك الرئيس “ترامب” أن لا أحد -لا من الكونغرس، ولا حتى من أعضاء حزبه الجمهوري المطبلين والمصفقين لنرجسيته المفرطة- يملك الجرأة للوقوف في وجهه ــ لذا أطلق العنان لغطرسته المطلقة , أما الديمقراطيون، الذين يغلي صدورهم غضبًا من هذه القرارات التعسفية العشوائية التي تنقصها أدنى درجات الدراسة أو الانضباط، فقد أصبحوا مجرد صدى باهت أمام إعصار تسونامي الرئيس ولكنه لم يكتفِ بذلك، بل ركل بقدمه استشارات كبار مدراء شركات الطاقة والنفط والتكنولوجيا، رافضًا حتى مجرد الإنصات لمخاوفهم، وكأن صوته وحده هو الحكم والفيصل ومن قمة هرمه الوهمي، أعلن ليلة أمس عن “حرب الاستقلال التجارية” معلنًا بأن الثاني من نيسان يجب أن يحل محل الرابع من تموز كعيد وطني جديد، ليحتفل الأمريكيون بتحريرهم الاقتصادي من العالم بدلاً من بريطانيا العظمى.

ولكن اليوم، على شاشات التلفاز، تحولت الأحلام الخضراء للأسهم إلى كابوس أحمر دامٍ، يعكس حزنًا كئيبًا وخسارة تجاوزت تريليوني دولار. لكن الألم الحقيقي ليس في الأرقام، بل في جيوب الفقراء والمشردين، حيث أصبحت العائلات الأمريكية عاجزة عن شراء بيضة لأطفالها، وسط أسعار صارت فلكية. تخيلوا : لو أن الخاتم في الخطوبة يُستبدل بطبق بيض؟ مع ارتفاع اسعاره الجنونية في محلات البقالة ومع هذا غير متوفر بصورة كما كانت في السابق !!؟ بل هي ضربة قاصمة للفقراء والمشردين الذين لم يعد بإمكانهم شراء بيضة لأطفالهم، وفي مشهد تراجيدي يجعل البيض رمزًا للترف بدلاً من الخاتم الذهبي ,وفي مأساة تكاد تكون ساخرة لو لم تكن مروعة ! هذه القرارات الطائشة ، التي ضرب بها “ترامب” كل منطق وحكمة عرض الحائط، ستُطلق ارتدادًا كارثيًا لا يُحمد عقباه، وسيكون الشعب -لا الأسواق- من يدفع الثمن غاليًا.وبينما يقف العالم متفرجًا ، يترقب الأيام القادمة التي قد تشهد سقوط إمبراطورية مالية بناها الغرور وأحرقها الجهل .

[email protected]

 

أحدث المقالات

أحدث المقالات