اكتب هذه السطور في هذه المقالة، ونحن نودع شهر رمضان المبارك ونستقبل عيد الفطر السعيد، نتذكر كيف كان للعيد طعم خاص لدى أبناء القرية والأرياف. ورغم أن الاحتفالات في العيد كانت مختصرة، حيث تبدأ ساعات العيد مع بزوغ الفجر، فإن الرجال يجتمعون بعد شروق الشمس في منزل المختار، لعدم وجود مسجد أو جامع في القرية، وتقام صلاة العيد في منزله. وبعد أداء صلاة العيد، يقوم أحد رجال القرية، الملم بالقراءة والكتابة، بإلقاء الخطبة وبعد نهايتها يقوم الرجال بالمصافحة فيما بينهم لتقديم التهاني..، ثم تقدم بعدها عائلة المختار وجبة إفطار صباحية لكل الحاضرين من رجال القرية. وبعدها يتوجهون لمعايدة عوائلهم، ويبدأ أبناء القرية بمعايدة بعضهم البعض حتى فترة الظهيرة، حيث يكون الجميع قد التقى بكل أبناء قريته كباراً وصغاراً وكل أفراد العوائل.
كان العيد بالنسبة لنا عندما كنا صغاراً يبدأ منذ ساعات الفجر الأولى، حيث كنا نذهب إلى المقبرة الموجودة في أطراف القرية لنبدأ بمعايدة النساء اللواتي جئن إلى قبور ذويهن، ونحمل معنا أكياساً من النايلون تضع كل امرأة لنا فيها ما تحمله معها من مواد غذائية، وغالباً ما تكون مادة الكليجة المصنوعة في تنور الطين ومن مادة التمر هي أكثر المواد التي نحصل عليها في هذه الجولة الصباحية. بعدها نعود إلى القرية ونبدأ بزيارة البيوت بيتاً تلو الآخر، وعلى نفس النظام تقوم ربات البيوت بوضع ما لديهن في سلاتنا التي نحملها معنا سواء من النساتل أو بعض قطع الكيك الصغيرة، وبعض العوائل كانت تعطينا مبلغاً بسيطاً من المال يسمى عيدانية، وكنا نجمع هذه العيدانيات فيصبح كل واحد منا يمتلك 50 فلساً، أي ما يعادل درهماً أو ربما أكثر أحياناً. وهذا الرقم بالنسبة لنا كان يعتبر شيئاً كبيراً، لأن بعضنا لم يمر عليه هذا المبلغ طوال أيام السنة، لأن المعيشة العامة لأبناء تلك القرى كانت تعتبر تحت خط الفقر. كنا نقوم بالشراء من الدكان الوحيد في القرية بعض الحاجيات البسيطة التي تقدر سعرها بالمفرد بخمسة فلوس.
ورغم أن القرية لا يوجد فيها مدن ألعاب أو وسائل ترفيهية أخرى، إلا أننا كنا نقوم فيما بيننا ببعض الألعاب الشعبية المتوارثة في القرى والأرياف، وأغلبها كان صناعة يدوية من أدوات بسيطة متوفرة في كل البيوت. نعم، كانت فرحة الناس بالعيد فرحة كبيرة، وأنت تشاهد الألفة والمحبة والسعادة على وجوه الجميع كباراً وصغاراً. وكان من استعداداتنا للعيد أن نقوم بتجهيز ملابس بسيطة، ولكننا نعتبرها مميزة ولا نقوم بارتدائها إلا في فترة العيد. هكذا كانت أيام عيد الفطر المبارك في القرى والأرياف…
وهكذا كنا نودع شهر رمضان المبارك…
وكل عام وأنتم بخير.