حين تتحول الرسائل المقلقة إلى تهديد للأمن: لا مكان لحاضنة الإرهاب

حين تتحول الرسائل المقلقة إلى تهديد للأمن: لا مكان لحاضنة الإرهاب

ليست كل فعالية جماهيرية مجرد احتفال عابر، ولا ينبغي للمجتمع أن يتعامل مع المشاهد ذات الدلالات الأمنية والسياسية الخطيرة وكأنها مجرد استعراض لا معنى له. فحين تظهر في مناسبة عامة مشاهد يمكن أن تُقرأ بوصفها محاكاة للعنف أو استعراضًا لمظاهر مرتبطة بأجواء الجماعات المتطرفة، فإن السؤال المشروع يصبح: ما الرسالة التي يراد إيصالها؟ ومن المستفيد من تطبيع هذه الصور أمام الناس؟
إن العراق دفع ثمنًا باهظًا بسبب الإرهاب، ولا يملك ترف التعامل مع أي سلوك أو خطاب يمكن أن يوفر بيئة نفسية أو اجتماعية لتقبّل الفكر المتطرف. فداعش لم يبدأ بالسيطرة على المدن من فراغ؛ سبقت ذلك بيئات احتضنت الخطاب المتطرف، وساهمت في تبرير العنف، وسمحت بتحويل الكراهية إلى مشروع سياسي وأمني.
ولهذا فإن أي جهة تريد إقامة فعالية جماهيرية مطالبة بأن تدرك حساسية المشهد العراقي. الحرية لا تعني تحويل المناسبات إلى منصات لتطبيع العنف، والاحتفال لا يعني إسقاط المسؤولية الوطنية.
والأخطر من المشهد نفسه هو أن يعتاد الناس عليه. فالإرهاب يبدأ أحيانًا من محاولة جعل صور العنف مألوفة، ومن تحويل ما كان مرفوضًا بالأمس إلى مادة للفرجة والتسلية اليوم. ولذلك فإن مواجهة التطرف ليست فقط مواجهة بالسلاح، وإنما مواجهة للفكرة والرمز والخطاب والبيئة التي يمكن أن تمنحه مساحة للعودة.
ومن هنا، فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل بوضوح هي أن العراق ليس أرضًا سائبة، ولن يسمح بإعادة إنتاج الظروف التي مهدت لظهور داعش.
لقد أثبت الجيش العراقي والأجهزة الأمنية والحشد الشعبي أن الدولة والمجتمع قادران على مواجهة الإرهاب عندما تتوفر الإرادة والوحدة والتنسيق. والردع الحقيقي لا يكون بالفوضى أو الانتقام، وإنما بعمل أمني واستخباري وقانوني حازم: متابعة مصادر التحريض، محاسبة من يثبت تورطه في دعم الإرهاب، منع أي نشاط يتحول إلى منصة للتطرف، وتجفيف البيئة التي تسمح للجماعات الإرهابية بإعادة تنظيم نفسها.
كما أن القوى السياسية والاجتماعية والعشائرية مطالبة بأن تكون واضحة: لا غطاء سياسيًا ولا اجتماعيًا ولا عشائريًا للإرهاب، ولا تساهل مع من يحاول إعادة إنتاج ثقافته تحت أي عنوان.
أما فصائل المقاومة والقوى الوطنية، فمسؤوليتها الأساسية أن تسهم في حماية البلاد ضمن إطار يحفظ أمن المواطنين ويمنع عودة الفوضى، بالتنسيق مع مؤسسات الدولة، لا أن تتحول مواجهة الإرهاب إلى صراع داخلي بين العراقيين.
والرسالة الأهم إلى من يتصور أن العراق يمكن أن يعود إلى مرحلة ما قبل 2014 هي: ذلك الزمن لن يعود.
العراقيون يعرفون جيدًا ماذا يعني أن تفتح البلاد أبوابها للتطرف، ويعرفون حجم الدم والدمار الذي خلفه داعش. ولذلك فإن أي محاولة لإعادة إنتاج خطاب الكراهية أو استعراض العنف أو توفير بيئة اجتماعية للتطرف يجب أن تواجه بالوعي أولًا، وبالقانون والأجهزة الأمنية والاستخبارية ثانيًا، وبوحدة المجتمع ثالثًا.
لا نريد عراقًا يعيش على الخوف، ولا عراقًا يترك أبوابه مفتوحة أمام الإرهاب. نريد دولة قوية، ومؤسسات أمنية يقظة، وقانونًا يطبق على الجميع، ومجتمعًا يرفض التطرف قبل أن يتحول إلى تهديد.
ومن يريد اختبار قدرة العراق على حماية أمنه، فعليه أن يتذكر أن العراقيين الذين هزموا داعش عسكريًا لن يسمحوا بعودته فكريًا أو اجتماعيًا.

أحدث المقالات

أحدث المقالات