لقد مثل الشهيد السيد حسن نصر الله شخصية محورية على صعيد الصراع مع الصهيونية، لما له من دور بارز في قيادة لحركة مقاومة، واجهت المشروع الصهيوني بصلابة لم يعهدها، حتى من الجيوش العربية، وقد فرضت عليه شروطا واذعن، حتى وصل الامر الى ما اصطلح عليه توازن الرعب الذي يلزم إسرائيل بان تتوقف عند حد معين، ان تجاوزته تصبح هدفا لعمليات المقاومة.
كانت إسرائيل حذرة من مقاومة حزب الله، الذي حصن نفسه من الاختراقات، فلم تجد المخابرات الإسرائيلية طريقا للنفوذ الى حلقات الحزب العميقة، وبقيت تتحرك في سياق المظاهر التي لا تعبر ابدا عن بنية الحزب القتالية العميقة، فكانت مراكز البحث الإسرائيلية تعرف ولو بشكل اجمالي قدرات الحزب العسكرية، ولكنها كانت تفشل في الوصول الى التفصيلات، إلّا أن الخرق المخابراتي الإسرائيلي الكبير لحزب الله، كان قد حدث على الأرجح بعد تدخل الحزب في احداث سوريا الى جانب نظام الأسد، وكان ذلك التدخل اكبر خطأ استراتيجي، قدم بنيته العسكرية العميقة لقمة سائغة للمخابرات الاسرائيلية التي كانت تصول في سوريا وتجول، لوجود هوة ساحقة بين نظام دكتاتوري دموي وشعب مغلوب على امره، ما يسهم في نشوء بيئة قابلة للتعامل مع كل من يقدم لها ما يضعف ذلك النظام، أمّا عندما دخلت ايران على الخط، اصبح الصراع، قبلنا ام ابينا، صراعا طائفيا، وفي غلواء هذه الطائفية وجد الإسرائيلي، من غير مشقة تذكر، مناخا متقبلا لنفوذه، وكان طريقه سهلا الى بنية الحزب العسكرية العميقة، ويمكن ان تؤرخ حادثة أجهزة البايجر لذلك الجهد المخابراتي الإسرائيلي، فبعض التقديرات تشير إلى أنه قد بدأ بعملية البايجر في بدايات الثورة ضد نظام الأسد عام 2011م، وكانت ثورة شعبية مطلبية، واجهها النظام امنيا بالقمع المعهود عن أنظمة الاستبداد البعثي من صدام الى حافظ، ما سهل تسلل الجماعات المتطرفة والارهابية الى شعب الثورة، فكانت سنين عجاف للشعب السوري، الذي علق بين مطرقة النظام المجرم وسندان التطرف والإرهاب، فدخلت إسرائيل الى كل مفاصل الدولة السورية مخترقة الطرفين، معارضة ونظام، وقد كانت الاحداث تدلل على ذلك الاختراق، وقد طال ذلك الاختراق الإسرائيلي الوجود العسكري لحزب الله في سوريا، وكان بوابة للتسلل الى وجوده في لبنان.
على الرغم من الأخطاء الجسيمة لمنظومة حزب الله السياسية، التي أدت الى تدمير منظومته العسكرية، فان خسارة حزب الله لمعركته مع إسرائيل قد مثلت ضربة موجعة لمسار القضية الفلسطينية عربيا، وافقدت العرب، اقروا ام انكروا، كثيرا من مقومات تطلعهم لانتزاع حق الفلسطينيين في دولة مستقلة، بل انها أدت الى انكشاف عربي مهول امام إسرائيل، فبعثت في أوساط الصهيونية أطماع كانت قد طويت، وهي أطماع قد لا تتوقف عند حدود غزة والضفة الفلسطينيتين، بل تصل الى مصر والأردن وسوريا ولبنان، وربما الى ما هو ابعد
ان خسارة حزب الله لمعركته مع إسرائيل انما خسار لكل العرب، يتحملها الطرفان، حزب الله الذي تحول من مقاومة تقارع الصهيونية الى مليشيا تنخرط معارك محاور افقدته كثيرا من رصيد مقاومته المشرفة، التي لقنت الصهيونية دروسا لن تنساها، ولكن العرب أيضا يتحملون جزءً من تلك الخسارة، عندما تعاملوا مع حزب الله كفصيل إيراني يعزز نفوذ ايران في المنطقة العربية، وكان الاجدر بهم ان يعرضوا عن جانب علاقته بايران، وينظروا الى الجانب اللبناني العربي فيه، فهو حزب عربي وليس فارسي، رجالة من بقاع لبنان وجنوبه، وهذه مرابع لاقحاح العرب، بل ان الجنوبين هم احفاد اهل الثغور، من المسلمين العرب، وقد وقف معهم المسيحيون العرب، الذين واجهوا بالأمس المد الصليبي في فلسطين، واليوم يواجهون هم أنفسهم، المد الصهيوني.