تداعيات الحرب الأمريكية – الإيرانية على العراق

تداعيات الحرب الأمريكية – الإيرانية على العراق

 

تشهد منطقة الشرق الأوسط تصاعداً خطيراً في وتيرة التوترات بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وسط مؤشرات متزايدة على اقتراب مواجهة عسكرية واسعة قد تغير شكل المنطقة لعقود قادمة. إن الحديث عن صدام مباشر لم يعد افتراضاً نظرياً بل تحول إلى سيناريو واقعي تتهيأ له الأطراف كافة، وبين كل دول الإقليم، يبقى العراق هو الحلقة الأضعف والأكثر تعرضاً للاهتزاز والانفجار عند اندلاع الشرارة الأولى. فالعراق يقع جغرافياً بين ناري الخصمين، ويُعد ساحة مفتوحة تتداخل فيها النفوذ والسياسات والولاءات.منذ عام ٢٠٠٣، أصبح العراق ميداناً للصراع غير المعلن بين أمريكا وإيران، حيث تتواجد القواعد الأمريكية على أراضيه، وتتمدد الجماعات المسلحة ذات الولاء العقائدي والسياسي لإيران في شتى مفاصله. ولهذا فإن اندلاع الحرب بين الطرفين يعني تلقائياً فتح الجبهة العراقية دون إذن أو إرادة من العراقيين أنفسهم. الفصائل المسلحة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي ضربة أمريكية تطال طهران، وردّها سيكون عبر استهداف القواعد الأمريكية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ما سيدفع واشنطن ومعها إسرائيل إلى الرد بعمليات نوعية، قد لا تقتصر على الضربات العسكرية بل تشمل القيادات والمنشآت وحتى البنية التحتية، داخل العمق العراقي.في خضم هذه الفوضى، تبرز أخطار أخرى لا تقل شأناً، إذ سيسعى تنظيم داعش وبقايا الجماعات الإرهابية إلى العودة من جديد، مستغلين انشغال الدولة بالصراعات الخارجية والداخلية. ستتحرك الخلايا النائمة في الظل، وتعيد تنظيم صفوفها، وربما تنفذ ضربات موجعة في مدن ومواقع حيوية، تماماً كما فعلت في لحظات ضعف مماثلة سابقة. الأخطر من ذلك أن الساحة الداخلية لن تبقى ساكنة، فهناك من سيدفع نحو إثارة الفوضى من الداخل عبر احتجاجات قد تبدأ مطلبية، لكنها تتحول سريعاً إلى حالة تمرّد منظم تقود إلى انهيار أمني، وربما انزلاق تدريجي نحو اقتتال أهلي تأكله الطائفية والحسابات السياسية الضيقة.

وسط هذا التمزق، ستتحرك بعض دول الجوار لفرض وقائع جديدة على الأرض. تركيا على سبيل المثال لن تفوّت فرصة كهذه، وستحاول التمدد في الشمال العراقي تحت غطاء حماية الأمن القومي أو الأقليات، لكنها في العمق تسعى للسيطرة على الموصل وكركوك وإحياء أطماعها التاريخية. ولا نستبعد أن تساهم دول الخليج في إذكاء الصراع داخل العراق، سواء عبر المال السياسي أو عبر دعم توجهات مناطقية وطائفية، بهدف تقسيم العراق إلى أقاليم ضعيفة يسهل توجيهها وتوظيفها ضمن مشاريع إقليمية أكبر.هذه الفوضى الإقليمية ستعيد طرح مشروع تقسيم العراق إلى كيانات عرقية وطائفية، وسيمثل الأكراد رأس الحربة في هذا الاتجاه، حيث سيكونون أول من يعلن الانفصال الفعلي بدعم أمريكي إسرائيلي تركي مشترك، وسرعان ما ستحذو المناطق الغربية حذوهم، لتتبلور خارطة جديدة لعراق مُجزأ لا يملك سيادة ولا قراراً موحداً. وبذلك يتحول العراق من دولة ذات ثقل تاريخي وموقع استراتيجي، إلى ساحة تصفية حسابات وممرات نفوذ إقليمي ودولي.على المستوى الاقتصادي، ستكون النتائج كارثية. العراق دولة ريعية تعتمد بنسبة ساحقة على تصدير النفط، وأي حرب تعني توقف أو تراجع صادراته، مما سيؤدي إلى شلل في الموازنة العامة، وانهيار قيمة الدينار، وتفشي البطالة والفقر وتآكل القدرة الشرائية. كما أن تراجع ثقة المستثمرين والقطاع الخاص سيسرّع من دخول البلاد في أزمة اقتصادية خانقة لا تُحتمل، تترافق مع فقدان الأمن الغذائي والخدمات الأساسية.أما البعد الاجتماعي فلا يقل خطورة، إذ سيتحول النزاع إلى نزوح جماعي لعشرات الآلاف من المواطنين، وسنجد أنفسنا أمام أزمة إنسانية لا تملك الدولة إمكانيات التعامل معها. المدن ستتحول إلى مناطق اشتباك، والمجتمع سينقسم أكثر، مما يمزق النسيج الوطني الذي بالكاد بدأ يتعافى من جراح الحروب السابقة.أمام هذا المشهد القاتم، لا بد من دعوة صريحة وواضحة لكل القوى السياسية والعسكرية في العراق إلى التعامل مع هذه التهديدات بأقصى درجات المسؤولية والحكمة. يجب أن تكون مصلحة العراق العليا فوق كل اعتبار، وأي تهاون أو تواطؤ أو اصطفاف خارجي سيكون ثمنه باهظاً. إن طريق الدبلوماسية، رغم تعقيداته، يظل الخيار الأسلم لتجنيب العراق الكارثة، ومن مصلحة جميع الأطراف تغليب الحوار الإقليمي والدولي لتفادي الانفجار الكبير.إن احتمالية انهيار النظام السياسي وتغيير الخارطة الدستورية ليست بعيدة في هذا السيناريو، وقد يعاد إدخال العراق في حقبة انتقالية جديدة تُشبه ما حدث بعد عام ٢٠٠٣، لكن بوجوه جديدة وصيغ أخطر. هذا السيناريو يجب ألا يُستهان به، ويجب الاستعداد له لا بالتمني بل بالتحرك الاستباقي الهادئ والمسؤول.

العراق بلدٌ عريق لا يستحق أن يكون ضحية لحروب الآخرين، ولا أن يتحول إلى ميدان لتصفية حسابات بين قوى تتنازعه من الخارج والداخل. ما نحتاجه اليوم هو الوعي الجمعي، والتكاتف الوطني، والعمل على بناء موقف عراقي موحد يرفض الزج بالبلاد في أتون صراع لا طاقة لنا به.

اللهم احفظ العراق وشعبه من الفتن والخراب، وامنحه القوة والصبر لعبور هذا المنعطف المصيري بسلام.

أحدث المقالات

أحدث المقالات