رحابة الغيب تسليم أم دعوة للبحث والتعليم
الحياة عند فهمها والإيمان بقيمة تصبح سهلة من خلال برمجة المعطيات مع المطلوب وهما متغيران، ففي عمق وجوده، يواجه الإنسان أسئلة كبرى تتجاوز إدراكه المباشر: من أين؟ ولماذا؟ وإلى أين؟ تلك هي “المسائل الكبرى” التي تتصل بالمصير والمعنى والحقيقة، وتطل برأسها كلما حاول الإنسان أن يُخضع الحياة لمقاييسه المحدودة، أو أن يتجاوز حدّه في معرفة ما لا سبيل إليه.
ومع تطور الأدوات المعرفية دقةً وتقدّمًا، تصبح معرفة الإنسان في اتساع وعلم الله أوسع دوما يستدعيك لمزيد من البحث: وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً” [الإسراء: 85] ليست لإحباط الإنسان وإنما دعوة له لعدم الاكتفاء بما يعلم وانه بلغ المراتب التي لا يحتاج عندها المزيد.
المنظومة العقلية لها قدرات واسعة جعل الله لها سعة وإدراك عظيم فمن أراد أن يستزيد استزاد لكن معايير التصويب من الشطط قد لا تلامس الكل من حيث التقوى واليقين لكن بصيرة الإنسان تعمل بشكل ما في المعرفة واستزادتها ربما ليس بعمق فهمها وإدراكها، فالأسئلةتولدها العملية العقلية والمعرفة والعلوم، لكن الأجوبة تبقى ظنية ما لم يؤكدها التوافق وقواعد التقوى، لهذا نرى نظريات عظيمة ومنها ما فيها مجاهيل، لكن تبقى التساؤلات تحيط بها حتى يأتيك الدليل، الشمس تجري لمستقر، وانا لموسعون، وكل في فلك يسبحون.
بين الإدراك والتوصّل أو الانزلاق:
الإنسان ليس بكم المعرفة وإنما بعمق الفهم لهذا إن كان معدن الإنسان نبيلا ستجد فكرا متجددا قد يصل مع الزمن إلى تغيير شامل ومعاكس لما بدأ عنده بحثه، قد يراه البعض انه خان أفكاره القديمة، لكنه في الحقيقة وضعها وفق درجة تفكيره في اتجاه الحقيقة أو التيه، لان التغيير يكون أحيانا كثيرة سلبيا إن ارتكز على ظاهر القول أو قبل استرسال التفكير باتجاه منزلق وليس بناء متصاعد يسمو ليرى كامل المشهد بما يتجاوز محيطه.
هنالك دوما فرق بين حقائق يدركها الإنسان مباشرة وبين محسوسات وتجارب وتحليلات ذاتية، المعرفة مهما بلغت درجتها إلا إدارة هذه المعرفة تحدد قيمتها، كذلك حولت إبليس شيطانا بارتفاع الأنا وغياب الرشد “أنا خيرٌ منه” كانت لحظة التحوّل: قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين] الأعــ12ــراف. وهذا المنزلق – الذي حول كائنًا عارفًا بالله إلى شيطان رجيم – يمكن أن يُصيب الآدمي أيضًا، حين يتورّم شعور التميز داخله، أو يعتقد أنه أرقى من الآخرين، فيختار مسار الإقصاء والتعالي بدل التواضع والعودة.
الإنسان، في أصله، مولود على الفطرة، بريء كما كان آدم في لحظة خلقه. والخطأ ليس سقوطًا نهائيًا، بل جزء من التجربة الوجودية التي تصنع الإدراك وتنحت الوعي، هي الخبرة مع الاستغفار والدمار مع الإصرار، كذلك أراد الله جل وعلا فالمغفرة مفتوحة وواسعة ولها أدواتها سواء التعبدية أو السلوكية ولن يخسر إلا من أبى ذلك أي استعلى فلا يعود يرى ما أمامه من هاويه وحفر.
الزمن نفسه يتحوّل إلى فرصة للغفران، كما في حديث النبي ﷺ:“الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفّرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر“
المسافة المكانية في المنظومة العقلية التي تميز بين ظلم النفس والتوبة هي مسافة لا يفعّلها المرء الغافل ليستغفر فيكون الانزلاق والحس كتجربة حس الضفدع في ماء يتحول من بارد إلى الغليان على النار، ثم التبرير الذي لا يخدع به إلا نفسه، فان عاد إلى رشده وجد الله الغفّار أي كثير المغفرة، فذكر الله يصوب التفكير (ألا إن بذكر الله تطمئن القلوب) لان المنظومة العقلية عندما تستحضر ذكر الله سواء بمعنى المشافهة أو القرآن أو استحضار ذكره ضمن الكلام ليكون الإنسان بعيدا عن الغفلة.
منظومة الحياة: اتساق داخلي مع الحقيقة
الحياة ليست مجرد سلسلة من الحوادث أو القرارات الفردية، بل هي منظومة متكاملة من القيم، والرؤية، والاختيار الأخلاقي، والمسائل الكبرى – كالمعنى، والمصير، والعدل، والخير، والشر – ليست موضوعات نظرية فقط، بل بوصلات تحدد طبيعة الحياة ذاتها، الانتباه لضعفناالمعرفي، وبحدودنا، لا يقود إلى العجز بل إلى الاتزان والتواضع والنضج، وبتقويته وإثراءه كهدف لوسيلة نحو غاية عظمى ستجعلنا أكثر حرصًا على القيم، وأكثر إدراكًا لعمق الخير والشر فينا، وأكثر رغبة في إصلاح الذات بدل تزكيتها.
خاتمة:
المعرفة ليست تملكًا، بل دَين ورزق، وما لا تعرفه مهم لتثري ما تعرفه وربما لتفعيل الجانب الخامل منه، الإنسان نفس أتى بأمر الله (الروح)، وهو عرضة للشطط ربما بدوافع رغباته وليس بنزغ إبليس ولكن بدافع الأنا، دوافع الغريزة كحب التملك والنوع والسيادة، إطاعة هذه إطاعة الهوى وإغفال عرضها على ما يرضي الله أو تجنيد المنظومة العقلية للتخطيط والتنفيد لإشباعها بدون ذلك العرض الضروري هو فشل في الاختبار للمنظومة البشرية ككل ومنظومة العقل هي من يمتحن في الحياة، فما اكثر البشر الذي استخدم المنظومة العقلية في الشر لأنه نسي الله فنسي نفسه في أمواج بحر الحياة فهل سنكون آدميين كما أراد لنا الله من تكريم ؟ أم نكون مصنعا ننتج منظومة إبليس بالشطط؟