إن الأزمات المتواصلة التي يعيشها العراق وتفاقمها، تبدو الحاجة ماسة إلى ابتكار مناهج تحليلية قادرة على تفكيك الظواهر الاجتماعية والسياسية والثقافية بعيداً عن الأحكام الانفعالية أو الأدلجة الجاهزة. ومن بين هذه المناهج يبرز ما يمكن تسميته بـ”اختبار القنوات”، أي إحالة أي فكرة أو ممارسة أو سلوك إلى خمس محطات أساسية: القانون، والقيمة، والعرف، والسلوك المنظم، والتراث. والغاية ليست إصدار حكم قطعي، بل رصد قدرة الظاهرة على الاستقرار أو التلاشي، على إنتاج التماسك أو الانقسام، وعلى أن تتحول من حدث عابر إلى جزء من البنية الاجتماعية.
محطة الأختبار: هو منهج اختبار اجتماعي يقوم على تمرير أي فكرة أو سلوك جديد عبر قنوات:
وبناءً على ذلك، دعنا نأخذ أمثلة كــ (المثلية ) بشكل تحليلي من دون تبني موقف معياري (مع أو ضد)، بل من زاوية التأثير الاجتماعي عند مرورها عبر هذه القنوات. وايضا (فساد السلطة السياسية) مصطلح/ظاهرة مختلفة تماماً عن المثلية، لأنها ليست “خياراً فردياً ” بل “ خللاً بنيوياً ” يضرب النظام كله.
اخترنا في هذا البحث مثالين محددين: المثلية وفساد السلطة السياسية، ليس لمجرد كونهما موضوعين مثيرين للجدل، بل لأنهما يمثلان قطبين متباينين يختبران قدرة المجتمع على التوازن بين المظهر والقيمة الواقعية. فالمجتمع العراقي، على الرغم من كونه محافظاً شكلياً في تقاليده وقيمه الظاهرية، يختزن في داخله ظواهر وأفعالاً تكشف عن تناقض كبير بين المعلن والممارَس، بين القانون والعرف، بين السلطة والمجتمع المدني.
المثلية تمثل حرية الفرد وحدود الاعتراف بالاختلاف في مجتمع يرى في ذاته الانتماء الديني والثقافي معياراً، بينما فساد السلطة يمثل الانعكاس المباشر للتناقض البنيوي في الدولة، حيث تتحالف النخبة السياسية مع المرجعيات الدينية والقبلية لتضفي شرعية على ممارسات تقوض القانون والقيم. بهذا، يتيح هذان المثالان لنا اختبار قدرة المجتمع على استيعاب الاختلاف، ومواجهة الخلل البنيوي، وفهم الآليات التي تنتج الانقسام أو الفوضى، وهو ما يعكس حالة العراق بعد 2003 على نحو خاص.
إن هذا النهج يبدو ملائماً للحالة العراقية على نحو خاص، حيث تتصارع المرجعيات: الدولة والقانون من جهة، والدين والقبيلة والعرف من جهة أخرى، فيما يبقى الفرد متأرجحاً بين مطلب الحرية ورغبة الانتماء. هنا يصبح المجتمع العراقي مرآة صافية لهذا الاختبار: إذ ما يدخل حيّز القانون قد يواجه رفضاًمن القيمة أو العرف، وما يستبطنه العرف قد يتعارض مع الدستور، وما تحميه القبيلة قد ينسف فكرة الدولة الحديثة. وفي وسط هذه المتناقضات، يصبح تحليل أي ظاهرة اجتماعية أو سياسية من خلال القنوات الخمس أشبه بكشف البنية التحتية للعقل الجمعي العراقي، بكل ما فيه من تناقضات وموروثات واندفاعات.
وعندما نضع مثالين متباينين مثل المثلية الجنسية، بما تمثله من حرية فردية مثيرة للجدل، وفساد السلطة السياسية، بما هو ممارسة بنيوية متجذرة في الدولة وتحالفاتها مع السلطات الدينية والقبلية، فإننا لا نبحث في موضوعين متباعدين بقدر ما نفتش عن قدرة المجتمع ذاته على استيعاب المختلف أو مقاومة المهلك. ذلك أن اختبار المثلية يكشف حدود التسامح والتعددية، بينما اختبار الفساد يكشف حدود بقاء الدولة نفسها.
في لحظة الانعطاف الحضاري التي يمر بها العالم، تبدو الحاجة ملحة إلى مقاربة المفاهيم ليس من زاوية الأحكام المعيارية الجاهزة، بل عبر منهج تحليلي يضع أي فكرة أو سلوك موضع الاختبار في قنواته الاجتماعية، القانونية، القيمية، التراثية، والسلوكية، لقياس مدى قابليته للرسوخ والانتقال من مجرد حادثة أو جدل إلى حقيقة معاشة. إن المثلية، بوصفها سلوكاً فردياً يتصل بالحرية الجسدية والهوية الجنسية، وفساد السلطة السياسية، بوصفه ممارسة بنيوية تتجذر في صميم أجهزة الدولة وتحالفاتها مع المرجعيات الدينية والقبلية، يشكلان نموذجين متباينين في الماهية لكنهما قابلان للتجريب في ذات الأطر التي نقترحها، بحيث يكشف الاختبار عن طبيعة المجتمع نفسه أكثر مما يكشف عن الموضوع المدروس.
إذا أُدخلت المثلية في حيّز القانون فإنها تتحول إلى حق مدني مثير للجدل، قادر على تقسيم المجال العام بين من يراها تجسيداً لحرية الفرد ومن يراها خروجاً على منظومة قيمية ممتدة عبر قرون. غير أن انتقالها من القانون إلى القيمة يقتضي قفزة أبعد، إذ تصبح الحرية نفسها القيمة المستبطنة خلف السلوك، مما يجعلها عرضة للتوتر بين العقل الحداثي والفكر التقليدي. فإذا ما انسربت إلى العرف والتقليد، فإنها تتخذ هيئة ممارسة جزئية محدودة في فضاءات مدينية أو ثقافية معينة دون أن تبلغ الإجماع الاجتماعي، بل تبقى أشبه بجزر متفرقة وسط بحر رافض. وحين تُنظَّم في سلوكيات مؤسساتية من جمعيات أو حملات أو برامج، فإنها تدخل دائرة الفاعل الاجتماعي، لكنها تبقى في حالة استقطاب. أما إذا بلغت مستوى التراث فذلك يكاد يكون محالاً، لأن التراث يفترض ذاكرة جمعية متواصلة، فيما المثلية تصطدم بذاكرة دينية وأخلاقية تستعصي على إعادة التشكيل.
على النقيض، فإن إحالة الفساد السياسي–الإداري–المالي، المتواطئ مع السلطة الدينية والقبلية، إلى نفس القنوات، يكشف عن مأساة مختلفة. فإذا ما قُنِّن الفساد تحوّل القانون إلى أداة للظلم، وانهار العقد الاجتماعي من أساسه. وإذا صار الفساد قيمة ضمنية يقاس بها “الذكاء” والقدرة على التحايل، فقدت الأخلاق معناها وغاب الضمير الجمعي. وإذا استحال إلى عرف، ترسّخ في كل معاملة، وأصبح الإصلاح ضرباً من المستحيل لأن المجتمع ذاته يحميه من الداخل. وحين يغدو سلوكاً منظماً عبر شبكات السلطة والأحزاب والولاءات القبلية والدينية، ينشأ ما يشبه الدولة الموازية التي تبتلع الدولة الرسمية. أما إذا تَورَّث كجزء من الهوية، فإن الأمة كلها تدخل دورة تاريخية مغلقة يعاد فيها إنتاج الفساد جيلاً بعد جيل، فيتحول إلى قدر ثقافي لا فكاك منه.
إن الفلاسفة، من هوبز الذي رأى أن الدولة لا تقوم إلا على عقد ينظم الغرائز ويحد من الفوضى، إلى روسو الذي جعل من الإرادة العامة أساس الشرعية، إلى حنّة أرندت التي ربطت بين تفاهة الشر وانعدام التفكير النقدي، يقدمون لنا إطاراً لفهم هذا الاختبار. فالمثلية هنا تقف عند تخوم الحرية الفردية، أي عند المساحة التي يُختبر فيها مدى استعداد المجتمع لتوسيع دائرة الاعتراف بالآخر المختلف. أما الفساد السياسي فإنه يقف عند نقيض الحرية، لأنه يفرغ الإرادة العامة من مضمونها ويحوّل الدولة إلى أداة نهب. بهذا المعنى، اختبار المثلية يكشف عن حدود المجتمع الأخلاقية والثقافية في مواجهة التنوع، فيما اختبار الفساد يكشف عن حدود وجود الدولة نفسها في مواجهة العدم.
الجانب النفسي–الاجتماعي في هذا النهج لا يقل أهمية؛ فالمثلية، حتى حين تُرفض، تظل تعبيراً عن تجربة ذاتية ووعي فردي يبحث عن اعتراف، بينما الفساد ليس تجربة فردية بل بنية قهر جماعية تُفرض من الأعلى إلى الأسفل. ولذلك فإن أثرها الاقتصادي والاجتماعي يتباين جذرياً: المثلية قد تولّد انقسامات ثقافية وقيمية، لكنها لا تهدد آليات الاقتصاد أو العدالة التوزيعية بصورة مباشرة، في حين أن الفساد يمتص الموارد ويحولها إلى ثروات محصورة في نخبة متحالفة، مما يفاقم الفقر والبطالة ويعزز اللامساواة. من هنا يمكن القول إن الفساد هو العدو الداخلي للدولة، بينما المثلية هي سؤال عن شكل المجتمع وتنوعه.
وفي البعد الأخلاقي، يتبدى التناقض أوضح: المثلية تستنطق الضمير حول حدود الحرية والتسامح، أما الفساد فيستنزف الضمير نفسه ويفرغه من محتواه. ومن زاوية الفلسفة السياسية، يمكن القول إن المجتمعات التي تُشرعن المثلية تظل قادرة على التعايش والانقسام في آن، بينما المجتمعات التي تُشرعن الفساد تفقد حتى قدرتها على الانقسام المنظم، لأن القيم والقوانين والعرف والتراث جميعها تصبح أدوات في يد شبكات الهيمنة.
هكذا يكشف لنا الاختبار المزدوج أن المنهج الفلسفي–الاجتماعي الذي يحيل أي فكرة أو ممارسة إلى قنوات القانون والقيمة والعرف والسلوك والتراث ليس مجرد تمرين نظري، بل هو أداة لتحليل مصائر المجتمعات. فالفكرة التي تنجح في عبور هذه القنوات من دون أن تحدث انفجاراً أو انهياراً هي التي تستحق البقاء، بينما الفكرة التي تدمر القنوات ذاتها لا تترك للمجتمع خياراً سوى إعادة بناء ذاته من جديد.
ومع نهاية هذا التحليل، يتبادر إلى الذهن سؤال أوسع وأكثر إلحاحاً: ماذا لو استخدمنا هذا النهج في دراسة المفاهيم والظواهر التي أصابت المجتمع العراقي بالعلل والتآكل منذ انهيار مفهوم الدولة تحت سلطة الطغيان و استبداد الحكم الفردي ابان حكم البعث ، مروراً بأشد الحقبات تأثيراً على المجمتع خلال فترة التسعينيات ابان الحصار الدولي على العراق وبعد عام 2003، والتي تسببت في الفوضى على الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية؟ عن أي صورة نبحث للمجتمع العراقي في ظل هذا الانهيار المؤسسي والفكري؟ وكيف يمكن لنا تنقية المجتمع من هذه الظواهر المستوطنة، أو الحد من تأثيرها المدمّر؟ وما هي السبل العلمية والسياسية والاجتماعية لتحقيق ذلك، ومن هو المعني الأول بالمسؤولية في التشخيص والعلاج: الدولة، المجتمع المدني، المؤسسات التعليمية، أم القوى الفكرية والثقافية؟
إن الإجابة على هذه الأسئلة تتطلب منهجية دقيقة تجمع بين التحليل النفسي الاجتماعي والفلسفة السياسية والاقتصاد الأخلاقي، وتضع الفرد والمجتمع والدولة في دائرة متكاملة لفهم أسباب التآكل، واستشراف آليات الإصلاح، وفهم ديناميات الصراع بين البنى الحديثة والموروثات الثقافية والاجتماعية.
توضيح ختامي:
هذا النهج التحليلي، الذي يعتمد على اختبار الأفكار والممارسات عبر قنوات القانون والقيمة والعرف والسلوك المنظَّم والتراث، هو جزء من بحث أكاديمي مقدم من قبلي لدراسة الماجستير في كلية العلوم السياسية، قسم الدراسات الاجتماعية والسياسية، جامعة هلسنكي عام 1997. جميع الحقوق محفوظة لصاحب البحث.
لكل من يرغب في الاطلاع على مزيد من التفاصيل حول هذا البحث الأكاديمي أو تبادل الأفكار حول المنهجية، يمكن التواصل مباشرة معي عبر الوسائل الرسمية المتاحة.