لقد أراد المستعمر الحديث أن يزرع الفتنة في أرض الرافدين بكل أشكالها الخبيثة. ولم يلجأ هذه المرة إلى البنادق والرصاص وحدها، بل جاءنا بأساليب أشد خطراً وأعمق أثراً؛ ألا وهي زرع الطائفية والمذهبية بين أبناء العراق. هي حرب ناعمة لكنها أكثر قسوة، إذ تستهدف النسيج الاجتماعي وروح الوحدة الوطنية قبل أن تستهدف الأجساد. وقد أدخل الاستعمار أدواته من تجار الدم وعطشى السلطة لينفذوا هذا المخطط الدنيء، ويعملوا على تفتيت مجتمع كان وما زال أقوى من كل محاولات الشر.
إنني لا أقول إن مخططات الأعداء قد نجحت أو فشلت، بل أقول بثقة إن الشعب العراقي بوعيه وبقوة إيمانه بوطنه سيتغلب على كل مؤامرة. لقد حاول الاستعمار ــ بكل مسمياته الحديثة ــ أن يزرع الانقسام في جسد العراق، فتارةً يشعل الفتن بين المذاهب، وتارةً بين القوميات، ثم يحاول تفتيت المكوّن الواحد حتى يصل بنا إلى مرحلة العدم أو “الصفر” كما في لغة الأرقام.
وأتساءل هنا: من أين جاءت هذه التسميات الغريبة التي تفرّق بين العراقيين؟ ألم نعش جميعاً تحت حكمٍ دكتاتوري واحد لسنوات طويلة؟ ألم نعاني ويلات الحروب والحصار ونحن أبناء وطن واحد؟ حينما حُرِم العراق من الطعام والدواء بسبب الحصار، ألم نتقاسم الجوع جميعاً دون تفرقة؟ وحينما كنا في جبهات القتال، ألم يكن يقف بجانبي كاكا حما الكردي، وبطرس متي المسيحي، وكريف خدر الإيزيدي، وعبد الحسين كاظم الشيعي، وأنا ابراهيم الجبوري السني ومعنا عارف الشبكي الذي يطربنا بصوته الجميل دائماً. ؟ كنا نأكل من إناء واحد، وننام في خندق واحد، وننتظر الموت جميعاً وكأننا روح واحدة.
ألم تكن الجوامع والحسينيات والكنائس والمعابد في العراق مفتوحة لجميع العراقيين؟ ألم نتربى جميعاً ونحن نشرب من مياه دجلة والفرات التي لا تفرّق بين عربي وكردي، بين مسلم ومسيحي، بين شيعي وسني؟ فمن أين أتتنا هذه الصناعة الجديدة المسماة بالطائفية والمذهبية؟ إنها صناعة دخيلة زرعها المستعمر وأدواته، ولكنها لا يمكن أن تنمو في أرض الرافدين ما دام في العراق رجال شرفاء وقلوب نقية.
وأتساءل دائمًا عندما أشاهد البرامج الإعلامية المغرضة: من أين جاءت هذه الأبواق الإعلامية الجديدة التي اعتدنا سماع أصواتها، والتي لم تُصنع إلا لتكون بالونات فارغة تُنفخ بالكراهية والتفرقة؟ يتحدثون وكأنهم خبراء في تاريخ العراق، وهم في الحقيقة قد تناسوا عمدًا كل ما يحمله هذا الوطن من أصالة وعراقة. تناسوا العائلة العراقية التي طالما جمعت بين جدرانها مختلف المذاهب والقوميات، وتجاهلوا الأخوّة الصادقة التي ربطت بين العراقيين لعقود طويلة. لقد تناسوا روابط الجيرة التي لا تهتزّ، وروابط الدم التي يستحيل استئصالها مهما حاولت أدوات الفتنة والخراب.
إن أكثر ما يؤلمني أن أرى العراق الكبير، بتاريخ حضارته واسمه العريق، وقد شوهته هذه التسميات الضيقة التي لا تمتّ إلى أصالتنا بصلة. أين مواقف رجال الدين؟ لماذا صمت الكثير منهم؟ هل ما زالوا يخشون السياسي الذي جعلوه “آمراً ناهياً”؟ نحن اليوم في بلد يُفترض أنه بلد الديمقراطية، ومن حق الجميع أن يتحدث ويدافع عن وطنه العظيم قبل أي انتماء آخر.
لقد كنّا يوماً ما كبار الوطن العربي، أصحاب تاريخ ومجد وتأثير، فلماذا نسمح اليوم لأنفسنا أن نتحول إلى صغار أمام لعبة الطائفية والتعصب؟
إن العراق ينادينا جميعاً لنقف موقف رجل واحد، موقف ينهِي المآسي، ويضع حداً للانقسام، ويقضي على كل محاولات الشر. موقف يحتاج إلى صراحة مع الذات، ومصداقية مع النفس، وشجاعة مع الآخرين. لنعلنها جميعاً:
لا للطائفية.
لا للتعصب القومي.
لا للمذهبية.
فنحن إخوة في وطن واحد، في مركب واحد، وإذا غرق العراق فسوف نغرق جميعاً.