لا يزال العراق، بعد مرور أكثر من عقدين على التغيير السياسي عام 2003، يعيش حالة من القلق الوجودي: إلى أين يتجه؟ هل نحو دولة وطنية جامعة وقادرة، أم نحو مزيد من الانقسام والتشرذم؟ إن قراءة الواقع العراقي تكشف عن خلل سياسي واجتماعي وفكري متشابك يجعل الإجابة صعبة، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن إمكانات كامنة للنهوض.
أولاً: الخلل السياسي
1. نظام المحاصصة:
اعتمدت العملية السياسية منذ البداية على تقاسم السلطة بين القوى وفق أسس طائفية وقومية، مما أدى إلى ترسيخ الانقسام بدلًا من بناء دولة مؤسسات.
2. غياب السيادة الوطنية:
بقي القرار السياسي مرتهنًا لمصالح قوى إقليمية ودولية، وهو ما جعل الإرادة الوطنية ضعيفة.
3. الفساد المستشري:
تغلغل الفساد في مؤسسات الدولة حتى أصبح ظاهرة طبيعية، فأضعف ثقة المواطن وأعاق التنمية.
ثانيًا: الخلل الاجتماعي
1. تفكك الهوية الوطنية:
طغت الهويات الفرعية (المذهبية والعشائرية والقومية) على الهوية الجامعة، ما أدى إلى صراعات داخلية وتوترات دائمة.
2. الفجوة بين الطبقات:
ازداد التفاوت الاجتماعي بين قلة ثرية مرتبطة بالسلطة وغالبية تعيش البطالة والفقر.
3. ضعف مؤسسات المجتمع المدني:
عجزت منظمات المجتمع المدني عن أن تكون صوتًا وازنًا، وغالبًا ما جرى تسييسها أو تهميشها.
ثالثًا: الخلل الفكري
1. ثقافة التبعية:
ترسخت عقلية انتظار الحلول من الخارج بدل الاعتماد على الذات الوطنية.
2. ضعف الوعي الديمقراطي:
تحولت الديمقراطية إلى مجرد صناديق انتخاب، من دون قيم المواطنة والمساءلة.
3. غياب المشروع الثقافي:
لم يتبلور مشروع فكري وثقافي جامع يعزز قيم المواطنة والتسامح ويعيد إنتاج الهوية العراقية.
رابعًا: سبل المعالجة والحلول
1. إصلاح سياسي جذري:
إنهاء نظام المحاصصة الطائفية.
سنّ قوانين انتخابية عادلة تعزز المنافسة البرامجية لا الهويات الضيقة.
تعزيز استقلالية القضاء لمحاربة الفساد.
2. بناء مجتمع متماسك:
الاستثمار في التعليم كأداة لصناعة وعي وطني جديد.
دعم منظمات المجتمع المدني وتشجيع المبادرات الشبابية.
تعزيز العدالة الاجتماعية عبر خطط تنموية تقلل الفوارق بين الطبقات.
3. مشروع وطني فكري:
إعادة تعريف الهوية العراقية على أساس المواطنة أولًا.
نشر ثقافة التسامح وقبول الآخر في الإعلام والمناهج الدراسية.
تشجيع النخب الفكرية والثقافية على صياغة خطاب جديد يتجاوز الماضي.
خاتمة
إن سؤال “العراق إلى أين؟” لا يمكن أن يُجاب عنه إلا بوعي العراقيين أنفسهم، وبقدرتهم على كسر دوائر الفساد والطائفية والتبعية. العراق يمتلك من التاريخ والحضارة والثروات البشرية والطبيعية ما يؤهله ليكون دولة قوية وفاعلة، لكن الشرط الأساس هو أن يتوافق العراقيون على مشروع وطني جامع يضع الإنسان العراقي في قلب كل إصلاح.