الشهيد علي هادي/105

الشهيد علي هادي/105

{إستذكارا لدماء الشهداء التي ستظل تنزف الى يوم القيامة، من أجساد طرية في اللحود، تفخر بها أرواح خالدة في جنات النعيم، أنشر موسوعة “دماء لن تجف” في حلقات متتابعة، تؤرخ لسيرة مجموعة الابطال الذين واجهوا الطاغية المقبور صدام حسين، ونالوا في معتقلاته، خير الحسنيين.. الشهادة بين يدي الله، على أمل ضمها بين دفتي كتاب، في قابل الايام.. إنشاء الله}
وهب الرحمن صوتا شجيا.. عذبا للشهيد علي هادي عبد الحسين، مجيدا الترنم بكلام الله، من خلال تقليد صوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد.
ليس حنجرته وحدها المعطرة بأريج زهرة القرآن، إنما أخلاقه ايضا؛ فهو طيب خلوق مثال يقتدى في الأدب والحياء الاجتماعي.. حنون دمث إنساني؛ ذو شخصية جذابة، جعلت الناس تلتف حوله بإحترام نبيل.
 
نكبة
ولد الشهيد، العام 1958، حالما بالتخصص بطب الجملة العصبية، وهو ما يزال طالباً في كلية الطب / جامعة الكوفة، التي يتخطر بين ربوعها وخضرة حدائقها الغناء، وأروقتها الجميلة، بحب مقبل على الحياة.. كأنه يعيش أبدا، من دون ان ينسى آخرته؛ كأنه يموت غدا.
 و .. في صيف 1980، إعتقله أزلام أمن الطاغية المقبور صدام حسين، يقتادونه من الكلية، الى جهة مجهولة، وفي اليوم المشؤوم نفسه، وبتوقيت متزامن، إعتقلوا أخاه الشهيد هيثم، من منزله.
“إنهجم البيت” قال أحدهم، وهو يرى كارثة عظيمة تحل في العائلة، إختفت معها مظاهر الحياة، وإستلبت سعادة الأسرة، إرضاء لهوس صدام بالكرسي الذي يخشى ان ينافسه أحد عليه.
 
الوالدة
هاجر والدهما الى خارج الهراق، هرباً من ملاحقة امن النظام له؛ لاشتراكه بنشاطات حزب “الدعوة” الاسلامية؛ لات نفع من وجوده في العراق، عرضة.. بل من المؤكد كانوا سيعتقلونه؛ لأنهم بعد شهرين، مشبعة بالحزن والانتظار، طرقوا باب البيت؛ مصطحبين والدة الشهيد معهم بحجة انها ستكفل ولديها؛ كي يفرجوا عنهما، فذهبت الى غير رجعة.
أي سلطة متهافتة تلك التي تجبن إزاء حرية عائلة، فتجمعهم تباعا لديها، وتضيع ذكرهم الدنيوي، وسط المجتمع، بينما هم سيظلون خالدين الى الابد.
 
عام درسي جديد
عند بدء العام الدراسي الجديد، آثر عبد الكريم.. صديق علي بتاجيل السنة الدراسية؛ آملاً بالافراج عن صديق عمره، مواظباً التردد على البيت؛ سائلاً عن الاخبار ومساعداً في الاوقات العصيبة، مادا يد العون متى تطلبت شؤون العائلة، تدخله.. مخلصا، حتى تم اعتقاله من قبل الامن العامة؛ بسبب زياراته المتكررة للمنزل الذي كان مراقباً.
لا يكتفون بإلقاء القبض على من يخشونه، إنما يديمون مراقبة منزله معتقلين من يتصل بأهله!
حوكم عبد الكريم، أمام قاض مهرج، ينفذ إرادة الطاغية، وليس حكم القضاء؛ فسجنه إثنتي عشرة سنة، ضاع فيها مستقبله؛ مثل ماء يغيض في أرض سبخة، متأسيا بالقول: “غير اسف مادامت خسرت صديق عمري.. علي؛ لم تعد تهمني خسارة أي شيء.
 
حقائق تكتشف
بعد سقوط نظام الطاغية صدام حسين، في العام 2003؛ علم من تبقى على قيد الحياة، من أبناء العائلة، بأعدام علي وأمه وأخيه؛ في العام 1982، أما الصديق الوفي فشغل منصب مدير قناة “الفرات” الفضائية، مدة سنة واحدة، توفي بعدها نتيجة ازمة قلبية، ليلة العيد.
هنيئاً للمتاحبين في الله، ولسوف يبقون في ظل الله يوم لا ظل الا ظله؛ إذ عاش الصديقان رمزاً للشباب المسلم.. الطموح..  المثابر، مجسداً معاني الصداقة السامية.. مات احدهما شهيدا مظلوما وقاسى الآخر، مر الهوان وقسوة السجن، من دون تهمة واضحة، في سبيل الوفاء لصديقه، واصيب جراء ذلك بمرض قلبي تسبب بوفاته صابراً محتسباً.
 
دفء عائلي
حكم نبية ومعاني نبيلة وقيم مثلى، تستقى من تجربة الشهادة، التي دكت أوتاد خيمتها، مطنبة، حول عائلة هادي عبد الحسين، الذي فقد ولديه وصديقهما وزوجته ودفء العائلة، التي تشتتت وشت هو عنها.. تحت الثرى وفي أصقاع الدنيا.. بنفخة مجرمة من صدام، في رماد القانون الذي بدده سدى، يغشى بصيرة الشعب قهرا.