السيد رئيس جمهورية العراق الدكتور محمد فؤاد معصوم المحترم،
إشارة إلى خطابكم الذي ألقيتموه في الجمعية العمومية للأمم المتحدة بتأريخ 26/9/2014 إسمح لي أن أبين ما يلي:
– لا أطالبك بأن تعرض على المجتمع الدولي حقيقة أن هناك دولة قد تعاقدت مع العراق على تجهيزه بطائرات حربية ودفع العراق ثمنها وهو بأمس الحاجة للفلس الواحد لأنه محطم البنى بسبب الإحتلال الذي، بالمناسبة، حَرَّرَنا عرضياً من واحد من أبشع النظم الإجرامية في العصر الحديث ونحن شاكرون، ولكن لم تقم تلك الدولة بالتجهيز أي لم تحترم العقد المبرم بين الطرفين علماً أنها لم تقم قبل ذلك، كما ينبغي حسب القوانين الدولية، بتدريب القوات العسكرية والأمنية العراقية إلا بقدر ضيق جداً ولم تقم بتعويض العراق عما دمرته له من طائرات وأسلحة ومعدات وقع بعضها بيد الإرهابيين ذوي الأجنحة السياسية داخل مجلس نوابنا وبدعم من أمريكا نفسهاليمر عبرهم مخطط هيمنة دائمة على العراق موقعاً ونفطاً.
– ولا أطالبك بأن تدعم ما صرح به السيد رئيس مجلس الوزراء الدكتور حيدر العبادي، وهو في نيويورك، من أن العراق ما كان ليصبح بحاجة للمساعدة الدولية لو كانإستلم الطائرات التي إشتراهاولم تُسلَّم.(بل ولما تجرَّأت داعش على عبور الحدود إلى الأراضي العراقية أصلاً؛ولما تطلب تخفيف تدفق الداعشيين الى العراق كل هذا الوقت حتى بدأت طائرات التحالف بضرب أرتال داعش وهي في سوريا حسب تصريح الجنرال جون ألن قائد التحالف الدولي لمحاربة داعش بتأريخ 3/10/2014).
– ولا أطالبك بإبلاغ العالم بأن الولايات المتحدة التي يرتبط العراق وإياها بإتفاقية تنص على مساعدة العراق في حالة تعرضه للخطر –أخفقتفي رصد أن هناك من خَطَّطَ لتنظيم داعش الإرهابي ليتجمع ويتسلح ويتدرب في سوريا ويستعد لدخول العراق واحتلال مدينة الموصل وقد فعل ذلك.
– ولا أطالبك بإبلاغ العالم بأن حلفاء داعش في الداخل العراقي ومنهم من كان ومايزال منخرطاً في العملية السياسية قد شنوا حملة إرهابية منذ عام 2003 حتى يومنا هذا مستخدمين السيارات المفخخة والعبوات الناسفة والكواتموالهاونات والصواريخ التي أودت بحياة عشرات الآلاف وجرح مئات الآلاف من المدنيين العراقيين الأبرياء، وكان الأمريكيون يعتبرونهم ثواراً سنة وليسوا طغمويين*، وشن الإعلام الأمريكي حملة شعواء ضد الحكومة العراقية.
– ولا أطالبك بأن تدعم ما ورد في خطاب رئيس مجلس الوزراء الدكتور العبادي عندماقال “نريد فعلاً ولا نريد كلاماً” معقباً على “حماسة” الرئيس الأمريكي أوباما وغيره الذين أعربوا عن تصميمهم على مساعدة العراق.
– ولا أطالبك بدعم ما طالب به الدكتور العبادي من “أننا نريد طرد داعش في أسرع وقت”للتحوط أزاء إصرارالسادة أوباما وكيري وكاميرون وتشاك هيغل ومارتن ديمبسي وجون ألن على أن دحر الإرهاب سيتطلب سنيناً طويلة أقصرها ثلاث سنوات وهذا أمر مرعبويثير الشكوك.
– لا أطالبك بأن تطرح على قائد التحالف المزمع تشكيله بعض الأسئلة التنويرية من قبيل: كيف يتقدم صفوف المتحالفين من هو متورط بالإرهاب الذي يدعي محاربته أي “حاميها حراميها”؟ (برهان التورط بالإرهاب جاء قاطعاً على لسان قائد هيئة الأركان الأمريكية الجنرال مارتن ديمبسي عندما أعلم لجنة القوات المسلحة في الكونغرس بأن “أقرب حلفائنا وهي قطر” تمول الإرهاب؛ وجاء قاطعاً على لسان نائب الرئيس جو بايدنعندما صرح بأن أردوغان أعلمه شخصياً بأن تركيا تهرب الإرهابيين إلى الداخل السوري).من صنَّع هذا الإرهاب الذي إقتضى تحالف (40) دولة لمحاولة القضاء عليه وبعد سنين عديدة من نشاطه الذي ألحق أفدح الدمار بسوريا؟ لماذا تفترض قائدةُ التحالف أمريكا بأن حليفها التقليدي منذ عقود وهو النظام السعودي يمثل الإسلام والمسلمين؟ أليس هو نظاماً وهابياً متطرفاً وتكفيرياٍ يشذ عن كافة المذاهب الإسلامية الأخرى التي تتسم بالوسطية. ألم يكن (16)سعودياً من بين (19) إرهابياً ضربوا مركز التجارة العالمي في نيويورك؟
– ولا أطالبك بأن تبين للمجتمع الدولي بأن زرع داعش وأخواتها من الإرهابيات في سوريا، قرب الحدود العراقية، وتسليحها بدعوى تسليح الجيش الحر الذي لا وجود له على الأرض– كان في واقع الحال إعداداًلداعشقبل توجيههاالى العراق.
– ولا أطالبك بأن تدعو قادة أمريكا للكف عن إتهام السنة في العراق وعلى عموم العالمين العربي والإسلامي بتورطهم أو تعاطفهم مع الإرهاب. لقد تمادى رئيس وزراء بريطانيا السيد كاميرون وهو يدعو مجلس العموم الى تاييد خطته في المشاركة في توجيه ضربات جوية لداعش، إذ قال: نريد أن نعيد إلى السنة إسلامهم. إن كل هذا فرية كبيرة يقصد منها التبرير لتنمية الإرهاب من جهة والتأليب وبث الفرقة بين المسلمين وبينهم وبين الأديان الأخرى من جانب آخر.
القضية وما فيها هناك الطغمويون* في العراق وهناك بعض النظم العربية الشمولية الوهابية المتخلفة وهناك الحالمون في المنطقة وخارجها كالعثمانيين الجدد.
السنة هم الذين تظاهروا في الأعظمية تعاطفاً مع جماهير الكاظمية الشيعية ضد الإرهاب الذي ضرب الكاظمية قبل اسبوع. والعشائر السنية هي التي بادرت الى تشكيل هيئة العشائر المنتفضة على داعش.
النظامان السعودي والقطري الشموليان المتخلفان اللذان يَرهَبان الديمقراطية في المنطقةيثيران الطائفية لحرف الأنظار ويدعمان الإرهاب لمحاربة النظم والحركات الديمقراطية في المنطقة.
الحالم الذي يريد إحياء إمبراطورية “الرجل المريض” استلم قيادة داعش وأخواتها وأدارها بالمشاركة مع الآخرين المتخلفين تحت غطاء استراتيجية عالمية معينة ترتبط بها تركيا.
لذا فعلى الأمريكيين وحلفائهم الكف عن هذا النهج المهين والتحريضي المدمر.
– لا أتوقعك أن تعلم الغيب وتعرف أن رئيس هيئة أركان الجيوش الأمريكية الجنرال مارتن ديمبسي تكلم، بعد إلقائك خطابك، وفي مؤتمر صحفي بصحبة وزير الدفاع السيد تشاك هيغل بتأريخ 26/9/2014 – صرح وهو يرد على سؤال: “متى تتحرر الموصل”؟ فأجاب: متى ما يدرك السنة والشيعة أن الفرقة تضر بهما والوحدة نافعة لهما عندئذ سيبتعد المدنيون عن داعش ونستطيع ضربهم.
طيب، من قال للسيد ديمبسيإن السنة والشيعة لا يدركون أهمية الوحدة؟ أما يتحدث ديمبسي عن الطغمويين* وليس عن السنة؟ومن قال للسيد ديمبسي أن الجماهير السنية ملتصقة بداعش ضاربة حزام أمان حولها لحمايتها من الضربات الجوية؟
إن هذا يبعث على القلق.
– لا أطالبك، يا سيادة الرئيس، أن تستبق خطاب الرئيس التركي أردوغان في الجمعية العمومية للأمم المتحدة التي نحن الآن بصدد بحث خطابكم فيها، وتتلو على أسماع العالم ما ورد في فضائية الحرة الأمريكية نقلاً عن وزير خارجية العراق هوشيار زيباري السابقحول أردوغان: “أعلمَ السيدُ هوشيار زيباري وزير خارجية العراق فضائيةَ الحرة بتأريخ 2010/9/23 بأن تركيا تعارض تولِّي السيد نوري المالكي منصب رئاسة الوزارة …. العراقية”. (للتأكيد قال زيباري “العراقية” … ولم يقل”التركية”!!.)
لا أطالبك أنتوضِّح للعالم أن هذا الرئيس صمم على التدخل في الشؤون العراقية بشكل فض ومرفوض منذ أبعد من عام 2010 يوم عقد حلفاً مع الحكومة السعودية الشمولية المتخلفة عام 2006 يقضي بمحاربة “التمدد الشيعي” (على ذمة وكالة الإستخبارات الأوربية)، ويوم صار يضيّق على الإطلاقات المائية لدجلة والفرات دون سابق إنذار، وأخيراًإنحط به الحال إلى مستوى دعم الإرهاب حيث ما عاد يخفى على أحد أن تسويق النفط السوري والعراقي المسروق يسوّق عن طريق تركيا. وما عاد خافياً أن المصابين أثناء القتال من الداعشيين وغيرهم ينقلون الى الداخل التركي للعلاج في المستشفيات الرسمية.وأخيراً صرح بأن إطاحة النظام السوري تمثل الأولوية له واستحصل على تخويل برلماني للقيام بعمليات عسكرية داخل الأراضي السورية والعراقية.
– لا أطالبك أن تحاجج القادة الأمريكيين بالمنطق التالي: لما أخفقتم في إقناع القيادة اليمينية الإسرائيلية المتطرفة للتوصل إلى حل الدولتين مع الفلسطينيين خلال أطول من عقد من الزمن؛
ولما أخفقتم في المصالحة مع ابن لادن ومن ثم مع أيمن الظواهري زعيمي تنظيم القاعدة؛ولما أخفقتم في التفاهم مع قادة داعش (إذا إفترضنا أنهم أعداء حقيقيون!!) فاضطروكم إلى تشكيل تحالف دولي لمحاربتهم.
فما الذي جعلكم، يا قادة أمريكا قائدة العالم، واثقين أن الذنب هو ذنب نوري المالكي عندما أخفقت حكومته في المصالحة مع الطغمويين وهم لا يقلون إرهاباً ودموية وحقداً على الديمقراطية من قادة إسرائيل وابن لادن والظواهري وقادة داعش؟
نعم يا سيادة الرئيس لا أطالبكم بكل هذا وأكثرلأنني لا أريد إحراجكم. ولكنني لا أملك إلا أن أطالبك بأمر لا يطاق. لقد شكرتم وبكلمات خطابك “أمريكا والآخرين على مساعداتهم للعراق….”. فلنتذكر أن الكلام يدور حول مساعدة العراق على مكافحة داعش وليس حول أمر آخر. فما الذي يميز أمريكا عن غيرها لتشكرها بالإسم؟ هل على زرع داعشعند حدودنا؟ هل للغدر بنا حين لم تسلمنا الطائرات؟ هل لعدم إعلامنا بتوجه داعش نحو الموصل بل نحو البصرة؟ هل لدعمها الطغمويينوالإنتهازيين في الداخل؟ وهل … وهل… وهل…؟
لماذا لم تشكر روسيا وإيران على دورهما المتميز وهما الدولتان الوحيدتان اللتان هرعتا لمساعدتنا بالطائرات؟بينما اعلام امريكا يصرخ أن داعش على أبواب بغدادلا من باب التنبيه الى المخاطر وشحذ همم العالم بل من أجل احباط معنويات العراقيين لينهار الوضع وتزحف داعش حتى البصرة للقضاء على “عبدة البشر والحجر” أي الشيعة على حد كلمات بيانداعش ذاتها، وللقضاء على أحبتنا الصابئة المندائيين المسالمين، وإحداث تغيير ديمغرافي في العراقإستكمالاً لما حصل من تطهير وتغيير ديموغرافي الذي جرى على التركمان والمسيحيين والأزيديين والشبك، وإلا فلماذا لم تحرك أمريكا ساكناً حيال بغداد وهرعت إلى أربيل عند أول بادرة تهديد؟
عندما أطالب بشكر روسيا وإيران فليس مرد ذلك الدافع الأخلاقي وحسب بل هناك ما هو أهموأخطر في دنيا السياسة وعلى الوجه التالي:
– أعطيتَ ما لا يوازي ما حصلتَ عليه من الجانب الأمريكي. فهو مازال مديوناً للعراق بإخفاقه في تدريب وتسليح القوى الأمنية والعسكرية وقد سلم العراق الى الإرهابيين على حد قول البروفيسور الأمريكي (نايت) عندما قال في فضائية (الحرة – عراق/ برنامج “الطبعة الأخيرة”) وفي مناسبتين منفصلتين بأن القوات الأمريكية كانت تراقب جميع شوارع العراق ثم سحبت المعدات والمناطيد فجأة عند المغادرة.
أقرُّ للأمريكيين فضلَهم على العراق أنها طلبت من “أصدقائها” العراقيين ألا يركبوا رؤوسهم ويهربوا الى الأماموأن يقللوا من المشاكسة والتخريب والدعم الواضح للإرهاب وذلك لإقتناص فرصة توجّه مرجعية النجف لإعطائكم فرصة بتغيير نوري المالكي الذي إذا إستمر لدورة ثالثة فكنتم سترون أن (جماهيركم ستلفظكم وترميكم على قارعة الطريق) لأنه يجيد لعبة ركل “الكلاوجية” خاصة إذا كانوا مجرمين.
– وضعتَ بيض العراق كله في سلة الأمريكيين وأوصدتَ الأبواب الأخرى. هذا غير جائز ويعرِّض مصالح العراق وسيادته واستقلاله للخطر.
أود أن أذكر أن قراءتي الواقعية للأحداث تشير الى أن رئيس الوزراء نوري المالكي طرق أكثر من باب لمساعدة العراق ضد داعش يوم كانت حتى بغداد مهددة وربما أحسَّ هو والمرجعية بأن داعشقد أرسلها “مرسلوها” لتجتاح الوسط والجنوب لإحداث تغيير ديموغرافي في العراقي بعد أن هيَّأوا الظروف “الناضجة” على مدى سنين طويلةودموية.لذا فقد أعلن المالكي الجيش الرديف وأعلنت المرجعية الرشيدة الجهاد الكفائي وأرسل المالكي وزير دفاعه بالوكالة الشهم الدكتور سعدون الدليمي إلى موسكو وهي موضع ثقة بدون أدنى شك وقد أثمرت جهوده الطيبة أيما ثمار؛ كما طلب مساعدة الأمريكيين من باب إسقاط فرض، على أغلب الظن، كي لا يظهر لنا لاحقاً السيد أوباما و كيري و “أصدقاؤهم” داخل العراق مولولين: آهٍ لو نطق المالكي بكلمة واحدة لهرعت الأساطيل الجوية والبحرية والفضائية تلبية لدعوته وعملاً باتفاقية الاطار الستراتيجي!!
أرجو ألا يعتد أحد بالكلام السفيه الذي أطلقه هوشيار زيباري وردده أحد موظفي فضائية (الحرة – عراق) وكلهم منتشون بكلمات جون كيري ضد المالكي إذ نقل موظف الحرة عن زيباري بأن الكلام الذي قاله كيري في الاجتماع المغلق كان أقسى وأشد مما ظهر للعلن. أكاد أكون واثقاً من أنه لو لم يكن الرئيس المالكي ملتزماً بموقف المرجعية في التغيير ولو سمع كلاماً غير لائق من جون كيري لما تردد في وضعه على طيارته وأرسله الى حيث يريد خارج العراق. فشرفاء العراقيين كالمالكي لا يطيقون أن يأتيهم من يطالبهم بتدمير سوريا قلعة الصمود العربي وتصفية القضية الفلسطينية وافتعال حرب على إيران والسماح بتصدير النفط العراقي الى إسرائيل. المالكي ليس علاوي الذي طالب بفرض حظر جوي على سوريا لإسقاط النظام وإراحة إسرائيل منه.
خلاصة، أجد أن خطابك، يا سيادة الرئيس، قد يعيد العراق الى “حلكَ السبع” بعدما أخرجه التحالف الوطني بقيادة ائتلاف دولة القانون وزعامة نوري المالكي منه. أنا لا أدعو الى القطيعة او الجفاء مع امريكا ولكن أدعو الى التوازن والشفافيةووجوب عدم التسليم المجاني لها وعدم وضع كل بيضاتنا في سلتها فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين. ألم تقولوا إن العراق الآن منفتح؟!! فلماذا تغلقون أنفع بوابتين للشعب العراقي هما بوابة موسكو وبوابة طهران؟
ختاماً، يا سيادة الرئيس، أجد أن خطابك، أيضاً، يداري شعور السيد مسعود البرزاني وحزبه أكثر مما يعكس الشعور الجماهيري العراقي بضمنه الشعور الشعبي الكردي العزيز.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*): للإطلاع على “مفاتيح فهم وترقية الوضع العراقي” بمفرداته: “النظم الطغموية حكمتْ العراق منذ تأسيسه” و “الطائفية” و “الوطنية” راجع أحد الروابط التالية رجاءً:
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=298995
http://www.qanon302.net/news/news.php?action=view&id=14181