الحرب على غزة . . اهمية التقييم والخيارات المتاحة

الحرب على غزة . . اهمية التقييم والخيارات المتاحة

ادهم ابراهيم
إن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لم يكن يوما على قدم المساواة . وقد اثبتت الحرب الاخيرة على غزة منهجية الحكومة الإسرائيلية في الإبادة الجماعية للفلسطينيين ، من خلال القتل المفرط والتدمير الشامل لكل مقومات الحياة ، وبالرغم من ان هذه الحرب لم تكن الاولى الا انها الاعنف على الاطلاق . وفي كل مرة تتجدد دورة العنف والنزوح والدمار البشري على الارض الفلسطينية ، ليبقى التدمير المنهجي لحياة البشر “بذريعة القضاء على الارهاب” وسيلتها للبطش والتنكيل بالمدنيين الابرياء ، يقابله الصمت الدولي الذي يشجعها على مواصلة العدوان .
ومع ذلك تبقى إرادة الشعب الفلسطيني في المقاومة تتجذر كاستجابة حتمية لاستمرار الاحتلال والاستيطان .

ان اختلال موازين القوى بشكل ظاهر في الصراع الحالي مع اسرائيل ، خصوصاً بعدما شاهدناه من الدعم اللامحدود من قبل الولايات المتحدة الامريكية ، وصمت العالم اللافت . كان له الاثر في الحاق خسائر بشرية ومادية فادحة .
وان استمرار المواجهات المسلحة مع حكومة نتنياهو الفاشية المتطرفة على هذه الشاكلة ، هو انتحار جماعي ، ومحرقة للشعب الفلسطيني .

ومن يتبنى المقاومة المسلحة لابد ان يستوفي شروطها الاساسية مثل إمكانية المطاولة بقدرات ذاتية لادامة الزخم وضمان التحالفات الداعمة في مواجهة قوة العدو وقدراته .
اضافة الى إمكانية استغلال الأرض، وتوافر عوامل جغرافية ملائمة للكر والفر مع المساحة الواسعة لاجبار العدو على نشر قواته ، حيث ان ضيق المساحة تمكن العدو من تغطيتها بنيران كثيفة لا قدرة للمقاومين على مواجهتها. . وتتطلب المقاومة المسلحة ايضا استيعاب شروط واساسيات الحرب الإلكترونية .
وبالرغم من ان الدعم الشعبي ضروري للاسناد في الحروب العادية الا ان القوة المفرطة الاسرائيلية واستهانتها بالمدنيين تصبح الكثافة السكانية عنصر سلبي للمقاومة من خلال الخسائر الكبيرة .

وفي الحرب الاخيرة على غزة يتطلب الامر دراسة وتقييم الوضع المأساوي الحالي لاتخاذ قرارات صائبة. قد يكون منها تغيير اوجه النضال الفلسطيني ليتخذ مسارا جديدا لتحقيق الاهداف المرجوة بدلا من المكابرة واختلاق انتصارات وهمية .

إن التاريخ وتجارب الشعوب المختلفة تشير إلى أن المقاومة الشعبية السلمية لاتقل فاعلية عن الكفاح المسلح . وهي واحدة من الأدوات المهمة لتحقيق العدالة والحرية على المدى الطويل ، خصوصا عند تعذر المجابهة العسكرية نتيجة اختلال موازين القوى .
وقد كانت في كثير من الأحيان استراتيجية فعالة في العديد من الصراعات التاريخية .
مثل حركة الاستقلال الهندية بقيادة المهاتما غاندي وحركة الحقوق المدنية الأمريكية بقيادة مارتن لوثر كينغ ونضال شعب جنوب افريقيا بقيادة نلسون مانديلا . وبالمثل في السياق الفلسطيني يمكن للاحتجاجات المنظمة والانتفاضات والعصيان المدني والتظاهرات والمقاطعة واستثمار المحافل الدولية أن تضع ضغوطا كبيرة على إسرائيل وحلفائها لمعالجة الظلم التاريخي .

ومن نقاط القوة في المقاومة السلمية قدرتها على فضح حقيقة القمع ، فعندما ينخرط الفلسطينيون في احتجاجات غير عنيفة، غالبًا ما تسلط التغطية الإعلامية الضوء على التناقض الصارخ بين المتظاهرين السلميين والردود العسكرية الإسرائيلية. ويحظى هذا الخلل الصارخ بتعاطف دولي ويعزز دعما عالميا أكبر للحقوق الفلسطينية .
ومن ناحية أخرى، غالبًا ما يستخدم العنف لتبرير المزيد من حملات القمع ونزع الشرعية عن النضال في نظر المجتمع العالمي .

ان المقاومة الشعبية السلمية لديها القدرة على جذب التضامن الدولي الأوسع. وتتيح المجال للنشطاء العالميين في مقاومة الاحتلال ، وايجاد حل عادل للقضية .
وعندما تبقى المقاومة سلمية، يصبح من الصعب على إسرائيل استغلال الحركة باعتبارها تهديدًا أمنيًا . وتسهل على منظمات حقوق الإنسان والحكومات المساندة الدعوة إلى تغييرات حقيقية في السياسة الإسرائيلية .
وبعيدا عن فاعليتها الاستراتيجية، فإن المقاومة السلمية تحتل أرضية أخلاقية عالية. وهو ما يعزز الحجة القائلة بأن الفلسطينيين يسعون إلى العدالة والتعايش بدلا من التدمير. وهذا الوضوح الأخلاقي أمر بالغ الأهمية للحفاظ على الزخم في المدى الطويل والحصول على دعم السكان المحايدين أو المترددين في جميع أنحاء العالم. وعلاوة على ذلك، فإن المقاومة السلمية تحرم إسرائيل من ذريعة تصعيد العمليات العسكرية تحت ستار الدفاع عن النفس، والحفاظ في نهاية المطاف على حياة الفلسطينيين وتقليل المعاناة.

لقد أظهرت المقاطعة وسحب الاستثمارات قوة المقاومة الاقتصادية اللاعنفية . وتضغط حركة المقاطعة على الشركات والحكومات لإعادة النظر في دعمها لسياسات إسرائيل. وكان لمثل هذه التدابير آثار ملموسة على اقتصاد إسرائيل وسمعتها الدولية، مما يثبت أن الأدوات المالية والدبلوماسية وسيلة قوية للمقاومة.

وفي مواجهة العنف المفرط والاحتلال العسكري، تظل المقاومة السلمية هي الطريق الأكثر فاعلية وأخلاقية. حيث تسلط الضوء على الظلم الذي يواجهه الفلسطينيون، مما يعزز التضامن العالمي، ويضمن ألا يطغى العنف الانتقامي على السعي لتحقيق العدالة. وفي حين أن الطريق إلى الحرية وتقرير المصير طويل وصعب، فقد أظهر التاريخ أن مرونة حركة موحدة وسلمية هي القوة الأكثر قدرة ضد القمع والاحتلال .

أحدث المقالات

أحدث المقالات