أوضاع الجمهورية الإسلامية في إيران وتداعياتها على العراق

أوضاع الجمهورية الإسلامية في إيران وتداعياتها على العراق

النظام السياسي في إيران بين خيارين، أحلاهما مرّ.  وايا كان الخيارين، فإن عاصفة تداعياتها على المشهد السياسي في العراق ستكون عاتية.

 يلعب عاملان أساسيان دورًا محوريًا في المشهد السياسي في إيران. يتمثل الأول في تصاعد السخط الجماهيري العارم ضد القمع والاستبداد والفقر، والذي يتجلى في عشرات الإضرابات العمالية والاحتجاجات الطلابية و النسوية. أما العامل الثاني، فهو المشروع الإسرائيلي المعروف بـ”الشرق الأوسط الجديد”، والذي يتقدم دون مواربة أو رادع، مستهدفًا إعادة تشكيل التوازنات السياسية في المنطقة، بدعم مباشر من الإدارة الأمريكية. 

وهذا يقودنا الى العديد من الاحتمالات المطروحة في المشهد السياسي الايراني، منها الإطاحة الثورية بنظام الجمهورية الإسلامية. وبموازاتها، في ظل تصاعد التصريحات والدراسات في المراكز البحثية الإسرائيلية والأمريكية، التي تعتبر أن الظروف مهيأة لإسقاط النظام الإسلامي في إيران بعد سحق حزب الله في لبنان وسقوط نظام بشار الأسد. ولابد الإشارة هي ان الرؤية الإسرائيلية تتقاطع مع الرؤية الأمريكية في هذا المسعى، ومع هذا يتبلور داخل الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة، لا سيما في الدوائر البحثية، تيار اخر يرى أن الخيار الأكثر نجاعة لضمان عدم امتلاك إيران للسلاح النووي وتأمين المصالح القومية الأمريكية في الشرق الأوسط، تحت المظلة الإسرائيلية، هو إسقاط النظام الإسلامي في طهران.

بالتوازي مع ذلك، تسير إسرائيل بخطى متسارعة نحو مخطط آخر يستهدف تفتيت سوريا، إما عبر تحويلها إلى إقطاعيات أو فيدراليات، أو من خلال إشعال حرب أهلية ذات طابع طائفي وقومي، في ظل فشل نظام “احمد الشرع” حاليا والجولاني سابقا من طرح برنامج سياسي لتأسيس دولة غير قومية وغير دينية في سوريا، والمضي بتنفيذ مشروعه الإسلامي المتنكر بالقناع القومي العروبي للتمويه بانه يمسك العصا من الوسط وتأمين جميع اطرافه، عرابته تركيا الاخوان المسلمين بقيادة اردوغان من طرف، و المحيط العربي الذي يحاول حلبها ماليا لدعم اقتصاده الحر الى جانب الدول الغربية من طرف آخر . وفي كل الأحوال، يبدو أن هبوب رياح الفوضى في المنطقة بات مسألة وقت لا أكثر. فالمشاريع الإسرائيلية والأمريكية لا تبالي بحدوث أي اضطراب أو فوضى قد تهز المنطقة، كما يظهر من إطلاق يد إسرائيل في فلسطين، حيث نشهد تصعيدًا في عمليات القتل اليومي وخطط خنق سكان غزة بهدف تهجيرهم والاستيلاء على أراضيهم. وهذا ينسجم مع العقيدة الأمريكية التي عبّر عنها الرئيس السابق دونالد ترامب بمصطلح “السلام بالقوة”، وهو النهج الذي يُراد فرضه، بغض النظر عن التداعيات المحتملة من فوضى وصراعات. فمشروع السلام بالقوة يعني تأمين المصالح القومية الأمريكية في الشرق الأوسط بعد تحييد روسيا بحراسة شرطي المنطقة الجديد وهو إسرائيل، والتفرغ أي الطبقة الحاكمة في امريكا لمشروعها في احتواء الصين. 

إذا كان حزب الله في لبنان هو الذراع العسكرية الضاربة للنظام الإيراني، فإن العراق يشكّل “دُرة التاج” الاقتصادي للنظام في طهران. وبين التمويل المالي العراقي، والذراع العسكري اللبناني، والتأمين اللوجستي والجيوسياسي السوري، كانت إيران تسرح وتمرح في المنطقة. لكن اليوم، بعد السابع من أكتوبر، لم يتبقَ لها سوى الحوثيين في اليمن، الذين يمكن اعتبارهم “الساموراي الأخير”، وهم يتعرضون لضربات أمريكية متواصلة منذ أكثر من أسبوع، مع تصفية العديد من قادتهم، بينما يلتزم المرشد الأعلى في إيران الصمت، وكذلك القوى العراقية المناهضة للتطبيع والصهيونية، التي هرب معظم قادتها إلى روسيا وإيران أو تواروا عن الأنظار، ينتظرون دون جدوى عبور العاصفة من فوق رؤوسهم. ولم يعود يحصون الضربات على اخوتهم في اليمن كما كانوا يحصونها على سورية وغزة ولبنان.

ارتفاع النهيق الطائفي في العراق مرتبط بالتحولات الجارية في المنطقة. صحيح هناك عملية تجري على قدم وساق لفك ارتباط العراق بالنفوذ الإيراني، سواء عبر مشروع مؤتمر التنمية التركي-الإماراتي-القطري في العراق بقيمة ١٧ مليار دولار، وتوقيع العراق على تطوير حقول نفط كركوك مع شركات بريطانية أبرزها بريتش بترليوم المعروف بال “BP” بقيمة ٢٥ مليار دولار، فضلا عن مشاريع أمريكية جديدة في قطاع الطاقة وغيرها، وبالتوازي مع فرض عقوبات على بنوك عراقية لها علاقة بتهريب الأموال  لدعم النظام الإيراني، والكف عن استيراد الغاز من ايران، بيد ان هذا المشهد الاقتصادي الذي يعطي صورة وردية، مغايرة تماما اذا قلنا عليها متناقضة مع المشهد السياسي، الذي تلعب مكانة الجمهورية الإسلامية دورا محوريا فيه.

إن ما آلت إليه أوضاع المشروع القومي الإيراني في المنطقة الذي حمل عنوان “محور المقاومة والممانعة” يتراجع الى الداخل الإيراني، وتجد تداعياته على المشهد السياسي في العراق. فالصراع بين الأجنحة السياسية داخل الإطار التنسيق الحاكم والمتمثل بحكومة السوداني يتصاعد، بين جناح يحاول المسك بقبعته حتى تمر العاصفة، وجناح آخر ضيع بوصلته ولا يعرف أين يتجه، وجناح آخر يدرك بسقوط الجمهورية الإسلامية أو الانكفاء الى الداخل الإيراني يعني إسدال الستار على شهر عسل لطالت أيامه.  أي ان جميع اجنحة الاطار التنسيقي المتورطة مع اخوتهم من السنة والكرد في العملية السياسية دون استثناء في النهب المطلق لجماهير العراق تدرك ليس أمام النظام الإسلامي في ايران أما الإذعان للشروط الامريكية-الإسرائيلية بنزع سلاحها النووي وصواريخها الباليستية واذرعها في المنطقة، وهذا يعني تفكك الجمهورية الإسلامية “انظر مقال- المأزق الأيديولوجي والسياسي لمحور المقاومة- او ان يكون مصيرها على سبيل المثال وليس الحصر مثل مصير نظام صدام حسين والقذافي عبر الحرب، وفي كلتا الحالتين، فأن التحالف الإسلام السياسي الشيعي في العراق في وضع لا يحسد اليه. ومع أفول المشروع القومي الإيراني الملتحف بالسردية التاريخية الشيعية التي تعتبر جزء من أيديولوجيتها، بدأت القوى الموالية لطهران بالبحث عن الحطب حتى وإن كانت من بقايا الحطب المتروكة من الحرب الطائفية في العراق او في سوريا، لتسخين المستنقع الطائفي. وما أطلقه من تصريح ناري من قبل محمود المشهداني رئيس البرلمان العراقي الجديد قبل اكثر من اسبوع، “إذا قطع الشيعة النفط عن السنة، فإن السنة سيقطعون مياه دجلة والفرات عن الشيعة”. ولم يكن لهذا التصريح ان يتفوه به، لو كانت الجمهورية الإسلامية متعافية وقوية، وهو مؤشر على استعدادات من جميع الأطراف الشيعية والسنية للمرحلة المقبلة، للغوص في المستنقع الطائفي حتى وان كان يجر المجتمع اليه ويتم اغراقه من أجل حماية امتيازاتهم ونفوذهم السياسي.

على العموم، الجميع يتباكى على مصالح “الشيعة” كما يعبرون عنها مصير الشيعة، والمقصود هنا هو سلطة الإسلام السياسي الشيعي، والامتيازات التي يتمتع بها هذا الجناح من البرجوازية، والثروات التي جمعها من السرقة والنهب. في المقابل، فإن الغالبية العظمى ممن يُصنَّفون على أنهم “شيعة” يشكّلون الجزء الأكبر من الطبقة العاملة في العراق وإيران، وهي الطبقة التي تعاني من الفقر والتجويع والعوز، وساعات العمل الطويلة، والقوانين التي تمنعهم من الإضراب والتظاهر، فضلًا عن الأجور المتدنية والبطالة المتفشية. 

وفي العراق، وبعد أكثر من عقدين من حكم “الشيعة”، لم تجنِ هذه الطبقة سوى نقص الخدمات وتفشي البطالة، ومن يخرج للاحتجاج يواجه قوانين جاهزة لقمعه ومحاكمته، مثل قانون نشر “الفيديوهات الهابطة”، وقانون “المثلية”، وقانون العمل، وقانون مكافحة الإرهاب (المادة 4 إرهاب)، إضافة إلى مجموعة من القوانين التي تُعدّ لسلب حق التظاهر والإضراب، مثل قانون الحريات النقابية. 

وقد برهنت تجربة انتفاضة تشرين/أكتوبر 2019 على مدى سخط الجماهير المصنّفة على أنها شيعية ضد حكم الإسلاميين الشيعة، وهو المصير الذي يتباكى عليه المالكي والشابندر والخزعلي والعامري والفياض وغيرهم. 

صحيح أن الوضع السياسي اليوم في العراق ليس كما كان في ظل الاحتلال وتحديدا بعد تفجير مرقدي علي العسكري والهادي في شباط ٢٠٠٦ الذي أشعل حرب طائفية ضروس، ومن الاحتمالات البعيدة لنشوب حرب أهلية جديدة في العراق بسبب عدم وجود الاشتهاء الإقليمي والدولي لاعادة سيناريو ٢٠٠٦ او سيناريو داعش ٢٠١٤ للتغيرات التي حصلت في المنطقة ولوجود مصالح شركات ومشاريع مرتبط بالدول الفاعلة في العراق كما اشرنا اليه في بداية المقال.  الا ان ما يجب أن يأخذ بالحسبان ان فيروس الطائفية من الممكن انتشار عدوها حالما تجد البيئة الخصبة لها مثل بقية الفيروسات الأخرى، ويجب الاستعداد لمكافحتها. وهذه الاستعدادات تتمثل بعدد من الخطوات العملية المطلوبة، وتكمن في فضح الخطاب الطائفي دون أي تردد ومساومة، والسعي إلى إرساء نظام علماني، لا ديني ولا قومي، في العراق لنزع فتيل أي صراع طائفي وقومي في المستقبل وانهاء الفصول الدرامية لهذه الجماعات الطائفية التي اكتوت بها الجماهير بنيرانها بفضل الغزو ومشروع الاحتلال. وفي الوقت نفسه، يجب عدم التوهم بالمشاريع الإسرائيلية وأهدافها في المنطقة والانجرار خلفها التي لم ولن تكن اقل جهنمية من المشاريع “محور المقاومة والممانعة” والإخوان المسلمين التركي في المنطقة. وفي الوقت ذاته السعي والعمل للتقوية الحركات الاحتجاجية المطلبية والمدنية والحقوقية التي من شانها تقلب الصراع بشكل مباشر وجها لوجه مع هذه الأحزاب التي تحاول طمس ماهية فسادها وجرائمهم والباسها لباسا طائفيا من اجل ادامة سلطتها. إن المهمة تتقوم في تفجير الطاقات الكامنة داخل الطبقة العاملة في قيادة التحرر ورفع راية المساواة التي هي الوحيدة، وبعكس النخب المثقفة المنتمية الى البرجوازية الصغيرة او الى الطبقة البرجوازية، ليس لها اية مصالح مع الطائفية والقومية والدينية والعرقية والعنصرية بكل اشكالها، بل ان قوتها لتحقيق مطالبها تكمن فقط عبر تجاوزها لهذه النزعات المريضة.

أحدث المقالات

أحدث المقالات