26 فبراير، 2025 1:49 م

أوروبا.. ويقضى الأمر حين تغيب تيم

أوروبا.. ويقضى الأمر حين تغيب تيم

على الجانب الروسي، كما نعلم، فإن الحرب في أوكرانيا أيديولوجية -ظهور ديمقراطية معدية على حدودها- واستراتيجية. من بين الدول الأعضاء الثمانية في حلف وارسو، انضم جميع حلفاء روسيا إلى حلف شمال الأطلسي. ومن بين دول الاتحاد السوفييتي الخمس عشرة، فعلت ثلاث دول الشيء نفسه (دول البلطيق)، وكانت اثنتان تستعدان للقيام بذلك (أوكرانيا وجورجيا). لذا اتخذت روسيا قرار الحرب.
وبمجرد أن أدرك الروس أنهم غير قادرين على تحقيق النصر في الحرب -مثل “الحرب الوطنية” وإبادة الجيش الألماني- أصبح هدفهم أن ينهيها الأوكرانيون قبلهم. ولم يكن هناك سوى الولايات المتحدة لتحقيق هذا الهدف، أو بالأحرى فرضه. من دون العتاد، وخاصة، من دون المخابرات الأميركية، تتوقف الحرب الأوكرانية. وهكذا سوف تتوقف.
الولايات المتحدة هي المُحاور الحقيقي لروسيا. ويتعين على أوكرانيا أن تستعد لتحمل خسائرها البشرية (480 ألف قتيل أو جريح) والإقليمية. فلم يطبق فلاديمير بوتين سوى القوانين الأبدية للحرب. من المؤكد أن أوكرانيا سترفض ذلك، ولكنها سوف تضطر إلى الاستسلام باذلة قصارى جهدها للحصول على “ضمانات” أمنية، مع الحرص على عدم الذهاب بعيدا في هذا الباب. ففي القرن الرابع قبل الميلاد استولى الغال على روما، وعندما اشتكى الرومان من أن الفدية كانت ثقيلة جدا وأن ميزان العدل مائل، وضع زعيم الغال سيفه في الميزان وطالب بفدية أكبر. ما أريد قوله هو: الويل للمهزوم.
إن حق الشعوب في تقرير المصير له جذوره في الثورة الفرنسية. في 20 يونيو 1789، في فرساي، أكد مندوبو الطبقة الثالثة حق الشعب في “جمعية وطنية” أسمى من قانون الأسرة الحاكمة. ثم تُرجم هذا الحق إلى علاقات دولية، مع الحق في التحرر من الوصاية (استفتاء إعادة الارتباط)، والحق في “الحكم الذاتي” كما أراد الرئيس الأميركي وودرو ويلسون في عام 1918، وحق “تقرير المصير للشعوب” المستوحى من الرئيس فرانكلين روزفلت المذكور في ميثاق الأطلسي لعام 1941. ويعترف الميثاق أيضا بحظر أي تعديل إقليمي دون موافقة السكان.
وقد وردت هذه المبادئ في إعلان يالطا (في شبه جزيرة القرم) عام 1945، الذي وقعه نفس الرئيس الأميركي. حتى إضفاء الطابع الرسمي على حق الشعوب في تقرير المصير في ميثاق الأمم المتحدة في عام 1945. أسس هذا الحق عملية إنهاء الاستعمار التي شرعها قرار الأمم المتحدة رقم 1514 في عام 1960. ويشير هذا القرار إلى أن “أي محاولة تهدف إلى تدمير الوحدة الوطنية والسلامة الإقليمية لبلد ما تتعارض مع مبادئ الأمم المتحدة”.
وفي الحقيقة، لقد ثبت دائما صعوبة تطبيق هذا الحق. لقد كان هذا هو الحال خلال تفكك يوغوسلافيا، ولا يزال يمثل مشكلة بالنسبة للقضية الفلسطينية. ومع هذا، فإنه لا يزال موجودا، ولم تذهب أي دولة إلى حد تحرير نفسها منه علانية. ولكن يبدو أن الرئيس الأميركي السابع والأربعون للولايات المتحدة قد تمكن من التحرر منه، على عكس سلفيه الرئيسين الثامن والعشرين والثاني والثلاثين. إن نهاية الحرب ستؤدي إلى “تنازلات إقليمية” سيتم التفاوض عليها من دون أوكرانيا. يخترع ترامب حق الناس في التصرف في الآخرين (في أوكرانيا في المقام الأول، وأيضا في “حلفائه” أو بالأحرى مساعديه). لأن أوروبا سوف تكون غائبة أيضا. تتكون المساعدة المقدمة لأوكرانيا من ثلاثة عناصر: المساعدة العسكرية والمالية والإنسانية. وفي كل جانب من هذه الجوانب الثلاثة، يمكن مقارنة الدعم الأوروبي بالمساعدة الأميركية إذا جمعنا بين المساعدات الثنائية ومساعدة الاتحاد الأوروبي، أي حوالي 130 مليار يورو. بالإضافة إلى ذلك، تشمل المساعدات العسكرية الأوروبية لأوكرانيا بشكل أساسي توريد الأسلحة التي تم استبدالها بمعدات أميركية جديدة. وفي الواقع، فإن 63% من مشتريات الأوروبيين من المعدات منذ الحرب كانت أميركية. و”الأفضل” من هذا أن الإدارة الأميركية أشارت إلى أن إعادة إعمار أوكرانيا سوف تقع على عاتق الأوروبيين. وكأن الولايات المتحدة -على ما يبدو- لا تهتم بمعرفة رقم هاتف أوروبا وإنما بحسابها المصرفي!
سيتحمل الأوكرانيون خسائرهم الجغرافية، ويجب على الأوروبيين الاستعداد لتحمل خسائرهم المالية.
ورغم أن الأوروبيين قد حشدوا جهودهم على كافة المستويات، على الأقل بقدر ما حشده الأميركيون، إلا أن الاتحاد الأوروبي غائب عن التسوية السلمية. لم يجد لنفسه حتى مقعد قابل للطي!
وبعد التنازلات الإقليمية، سترسل الولايات المتحدة مشروع القانون إلى الأوروبيين. وبعبارة أخرى، ستمارس الولايات المتحدة الحق في التصرف في أراضي الآخرين (أوكرانيا) وفي أموالهم (أوروبا). لقد توقفت الولايات المتحدة عن الإحسان إلى حليفتها التاريخية.
هذا الوضع مهين بكل بساطة. إنه أمر مهين لفرنسا، التي سعت منذ فترة طويلة إلى الحفاظ على موقف التوازن والتي لم تتعاف من خياراتها السياسية، ولألمانيا، الهدف الأول للرئيس الأميركي، ولبولندا، الرئيس الحالي لمجلس الاتحاد الأوربي، وأيضا للمؤسسات الأوروبية.
رئيسة المفوضية الأوربية أورسولا فون دير لاين بإطلاقها مبادرة كل أسبوع تثير شيئا من الإزعاج، لا أكثر ولا أقل. وبوسعي أن أخمن إجابتها: من أجل التغلب على القضية المالية المتعلقة بإعادة الإعمار، فإنها سوف تجد مخرجا من خلال التعجيل بانضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي! كان هذا هو حلها بالنسبة للبلقان، الحرب الأوروبية الأخرى، وسيكون الأمر نفسه مع أوكرانيا.
بدلا من التفكير في كيفية عمله، يتجه الاتحاد الأوروبي نحو الهاوية. وهكذا هو حال الرئيس الجديد للمجلس الأوروبي، البرتغالي أنطونيو كوستا، الذي لا يزال مجهولا تماما، ولديه فرصة غير متوقعة لإظهار مدى أهميته. يا لها من صورة تعطيها أوروبا! انهيار مصداقيتها.
وأخيرا، في السياسة، وكما هو معلوم: إن لم تكن أحد الجالسين إلى المائدة، فتأكد أنك الطعام.

أحدث المقالات

أحدث المقالات