مقامة وشالة العمر

مقامة وشالة العمر

يقول أنتوني هوبكنز عن وشالة عمره : (( أعلم أن ما تبقى لي للعيش أقل مما عشته بالفعل , أشعر كطفل أعطي علبة من الشوكولاتة, يستمتع بتناولها , وعندما يرى أن القليل قد تبقى له , يبدأ بتناولها بطعم خاص )) , وصف دقيق أكاد ألامسه , والعمريُقاس بالامتار المربّعة (وانا طويل القامة مستطيل الخُطى),  وبالزوايا الحرجة , ورغم ذلك تنمو سنواتي بشكل أفّقي كأنًها خيط من سراب كثيف , بين عالمين متناقضين في المضمون لا في الشكل ولا في التشكيل , وما زال بريق البراءة منذ كذا من السنين يضيء ملامح غيوم داكنة الحنين وامنيات متعبة , تتدلى من شفاه ملحاحة تنتظر بفارغ اليأس موسم قطاف القُبل قبل موعد الحصاد ببضع سويعات , وها أنا أجمع قطرات الندى خارج فصول الظمأ المشاكسة في راحتي العمر, وابني جسورا من خيوط العناكب لعابر سبيل , فقد حريّة الاستدارة إلى الوراء فمضى إلى حال سبيله يبحث عن خُفّي حُنين بين مكبّات الذاكرة ومقابر الكلمات .

عندما أشرف الشاعرمحمود درويش على حافة وشالة عمره , كتب : (( لو كنت صياداً لأعطيت الغزالة فرصة أولى وثانية وثالثة وعاشرة , لتغفو, واكتفيت بحصتي منها سلام النفس تحت نعاسها , أنا قادر لكنني أعفو وأصفو مثل ماء النبع قرب كناسها , لو كنت صيادا لآخيت الغزالة , لا تخافي البندقيةيا شقيقتي الشقية , واستمعنا , آمِنَيْن , إلى

عواء الذئب في حقل بعيد )) , ثم أضاف : (( للحَنينِ أعراضٌ جانبيّة , من بينها إدمانُ الخَيال , النّظر إلى الوَراءْ , والإفراطُ في تَحويلِ الحَاضر إلى ماضٍ , وأنا مازلتُ أبحث عن شيءٍ حين ضاعَ ضيّعني , ولم يفوتني القطار وحده , بل فاتتني المحطة وضلّني الطريق , وخانني رفاق السفر , وإذا أخذني الموت و لم نلتقي , فلا تنسى أني تمنيت لقائك كثيرا  )) .

قال الشاعر الشعبي في بيت من الأبوذية : (( يا كأس العمر ما ضل وشل بيك , يا جرحي لشوكت تنزف وشل بيك , يكلي ليش متغير وشل بيك ؟ تهت ياهو اليدليني عليه )) ,  والوشالة , الماء القليل , وحين يفرغ الماء من الدلو , تبقى في قعرة بقايا من الماء , تلك الكمية القليلة المتبقية في قعره يطلق عليها وشالة , وهي قليلة لا تنفع في غسل شيء أو إرواء من عطش , وكما تمنى المغني : ((ضلت وشالة من الُعمر ردناُها عوِد وٌياكم )) , ليرد عليه شاعر موشل : (( ليل , والدنيه مطر واتنث على الشباچ ریحة غربه تاكل بالعمر , وانته وحدك  , تنتظر نگرة باب التفزز صفنتك گاعد الوحدك , وکاس ایجیب کاس ,ولیل یعگب لیل  ,والمزه حزن , تحسب اسنین العمر کالساع , واترد من الاول , تاخذك حسبات واتردك صفر , ماكو غير الكاس , واشوية شعر , يجلي زنجار البراسك , تنتشي , ويصعد الليل بدماغك , تنرسم گدامك امرايات زيبگها عتگ , اتریدلك واحد , ايحس البيك ويفهمك , ولو بس بالبچي , تذكر ايام الخسارات العشتها ايورث ابروحك جمر)) .

كتب نجيب محفوظ في أصداء السيرة الذاتية من خواطر جنين في نهاية شهره التاسع : (( يطاردني الشعور بالشيخوخة رغم إرادتي وبغير دعوة , لا أدري كيف أتناسى دنوّ النهاية وهيمنة الوداع تحيةً للعمر الطويل الذي أمضيته في الأمان والغبطة , تحية لمتعة الحياة في بحر الحنان والنمو والمعرفة , الآن , يأْذنُ الصوت الأبديّ بالرحيل : ودِّع دنياك الجميلة واذهب إلى المجهول , وما المجهول يا قلبي إلا الفناء , دع عنك ترهات الانتقال إلى حياة أخرى , كيف ولماذا وأي حكمةٍ تبرّر وجودها ؟‍ أمّا المعقول حقّاً فهو ما يحزن له قلبي , الوداع أيّتها الحياة التي تلقيتُ منها كل معنى ثمّ انقضت مخلّفةً وراءها تاريخاً خالياً من أيّ معنى ))  .

الهدف هو الوصول إلى النهاية في انسجام مع النفس , ومع الأحبة , ومع الضمير ,

كنت أعتقد أن لدي حياتين , لكن تبين أن لدي واحدة فقط , ويجب أن أعيشها بكرامة ,

وفي وشالة المقامة , اليكم هذا الحوار الذي يخبرنا أن (( وشالة العمر)) ليست نهاية الحزن , بل بداية لتقدير اللحظات الصغيرة والجميلة  : (( أدهم شرقاوي : تعالي نختلق حديثاً صباحياً عن أي شيء , حتى لو كان عن أن القهوة مرة وحديثك سكر ,  إليف شفق : يقال أنّ القهوة مثل الحب , كلما صبرت عليها أكثر, ازداد طعمها حلاوة , كن كما تشاء , ولكن حذاري أن تكون وجعا لأحد , كن كفنجان قهوة , دافء لاينبعث منه إلا رائحة طيبة ونكهة مزهرة , صباحكم قهوة انتم سكرها )) .