25 مايو، 2024 3:37 ص
Search
Close this search box.

مركبة جياد هائجة

Facebook
Twitter
LinkedIn

جلست مع أمتعتي على مصطبة من الخشب الأحمر داخل محطة القطاروالسماء مازالت غائمة , أحدق في رخام القاعة الفسيحة ثم في قامات الجنود الوافدين . أنها أيام حرب فلا أصوات غناء ولا موسيقى كانت تسمع , بل أن وقع الأقدام على الرخام وصراخ أطفال وهم يغنون مقاطع من أغاني الحرب كانت هي السائدة , لذا كنت أرغب في كل مرة بالنظر إلى المطر المنهمر في الخارج لتمضية الوقت فحسب ثم أعود الى مكاني ثانية , كمايحدث في كل مرة .

لم أكن مبتهجآ , فقد أنتهت أجازتي بالمدينة التي لم يتلطف بها القدر , بل مضى القصف المدفعي في سائر أرجائها و يبدو أن جسدي أنطلق مكرهآ كعادته الى أصحاب الحرب ثانية , بينما روحي مازالت مرهقة وحزينة عند باب بيتنا بسبب تحطم الناس , الاعداء منهم والاصدقاء بشظايا الموت وحس الحرب المتبلّد وخضوع الحياة هناك لسيطرة قنابلها المختلفة .

بعد هنيهة جلس بقربي فجأة صديق دراسة قديم. لم أشعر بوجوده أول الأمر , ربما لأنني كنت منشغلآ أحملق بالمطر وهو يهطل متكاسلآ وكأنه يؤدي أغنية حزينة . لاأدري كيف أو متى جاء , هل القى التحية أم لا ؟ فقد التفتّ بالمصادفة نحوه حتى رأيته بوضوح , يرتدي ثيابي نفسها وحذائي نفسه , وبلطف شديد جذبت ذراعه وقلت مازحآ : كيف وجدتم الحرب ياأهل الجنوب ؟ ! ما أن نظراليَ حتى أنقلب الى الوراء مستغرقآ بالضحك قائلآ : “مركبة جياد هائجة !” تصافحنا بحرارة وتعانقنا بحميمية وبعد ذلك ووسط همهمة الجنود وهم يتدافعون كأنهم في نفير وزعيق القطار بين الحين والآخر, تدافعت أسئلة كثيرة قلّبت حقبة من السنين وصور الماضي , ثم أستدركت لأقول له : وأين مكانك في هذه العربة الآن ؟ فقال لي وهو يتلفّت بحذر :” أنا خارج النير الآن ” .

عرفت أنه هارب فقلت له: ” وهل نزفت في القتال حتى تهرب ؟” فأجابني بينما أندفع الجنود بهدوء نحو عربات القطار : ” وهل نحن دون ذلك , لكنني ذقت ذرعآ” , ثم أضاف :” ألم ينظروا الى الفساد والأنحلال الذي غزا البلد ؟! وأعلم أنني رأيت عدوي في الداخل وليس على الحدود” . فقلت له : “لا تقلق ولكن تولى الأمر بحذر , فهم لايتورعون حتى من القفز فوق سطوح البيوت “. ربّت على كتفي واثقآ وقال :” سنرى نهاية لهذا الخوف لأن واقع الحرب ليس بديلا للحياة الحقيقية . “

أصغيت لصوت أنهمار المطر الذي لم يعد يسمع فوق بلاطات الرصيف الطويل المحاذى للقطار الساكن , فعدت الى صديقي أتجاذب معه أطراف الحديث حتى سألته :” وكيف الخلاص من فاحص التذاكر والشرطة العسكرية المعترضين سبيلك نحو الحرية ؟ ! ” , و قبل أن يرد عليّ أجفلنا عواء القطار المدوي والمفاجيء لينذرنا , طبعآ , لتهيئة أنفسنا قبل الدخول في جوفه في صيحته الثانية . هكذا هي الحال , فبعد لحظات أطلق القطار صيحته الثانية ليسرع الجميع بالصعود نحو بداية الممر الممتليء حتى النصف بالجنود , ولأن الوقت لم يشفق علينا ولا المقاعد رحّبت بنا , فرأينا أن نجلس على حقائبنا كما هي عادة ألمتأخرين عن حجز التذاكر .

لم ينته حديثنا ولا تأملاتنا تحت أضواء العربة الفسيحة والضجة الكبيرة التي يحدثها القطار أثناء جريه , فكنّا بين الفينة والاخرى نتحدث مع لفيف من الجنود عما حفرته أياديهم من الخنادق تحت رياح البرد القارص وقرقعة القصف المدفعي . لم نسمع من أي واحد منهم أن نفسه لاتطاوعه على ترك الحرب لولا أن رأس الواقع العنيد كان له رأيآ آخر فلم يدع لهم ذلك الاختيار كما لو أنها أنتجت لهم من دون أن تتفكك . ثم جلسنا ننصت إلى صيحات القطار المذعورة تارة وإلى أحاديثهم التي تشابهت تارة اخرى حتى قال أحدهم بصوت خفيض : ” نحن نتحدث عن

شخير الحرب , وهو متعدد ومرهق ولا جدوى من وضع هذه الحكايات في جعبة الذكريات لأنها محضّ أخبار لم يُحرص فيها على براءة الذمة .”

التزم البعض الآخر بالصمت , ربما لا يفهمون أن للحرب لغة تريد أن نجترها في الليل والنهارلكي نغفل الموت والدمار التي جاءت به .

بعد دقائق انطفأت أحدى الشمعات والساعة لم تبلغ الثانية عشرة ليلآ بعد إلا أن الجميع لاذوا بالهدوء ولم يبق سوى دوي العجلات المعدنية الصاخب الذي يتسلل الى داخل العربة بكل ضجيجه ثم يحلّ السكون المطبق مرة اخرى . شعر صديقي برغبة في النوم إذ بدأ يفقد حيويته , ربما لفرط الأحساس بالراحة الذي أحاط به بسبب تركيزه على الحكايات أو لكثرة تحدثه مع الجنود فأستلقى بملابسه على سطح الممر واضعآ حقيبته تحت رأسه . أما أنا فقد بدأت أجفاني تتثاقل بعد صديقي فنهضت لكي أتنفس الهواء الطلق في الفسحة التي تفصل بين العربتين.

هناك , رأيت رجلا واقفآ كأنه مهتم فقط بسماع الازيز المدوي والاهتزاز العنيف الذي تصنعه العربتين المقترنتين ببعض , لأن الوقوف في تلك الفسحة يعني اللامفر من تلك الضوضاء . لم أحظ بشيء من ذلك الرجل , بل ساد الصمت بيننا , ربما أدرك أن الكلام في غمرة ذلك الصخب سيكون مشوهآ كما وأن الصخب نفسه ربما أختار أستبعاد الحوار بيننا مقابل أن نستمع اليه بكل ترانيمه المزعجة في ذلك المكان الضيّق .

لم يكن الوقت الذي أمضيته هناك يلائم نفسي ولا الريح الهوجاء المشتدة بالمكان خففت من العبء الذي أعانيه , بل زادته وحدة وسأم . وبعد مضي عشر دقائق تقريبآ أنتابتني رغبة في الدخول الى الحمام . وبصرف النظر عن تلك الرغبة فأن رغبتي بالتخلص من هذا الدوي هي التي شغلت بالي بشكل كبير حتى وأنا داخل العربة . أختفى الضجيج داخل الحمام وبدا كأنه يتهادى من البعيد , ربما بسبب الضيق الذي يمتاز به , حيث أنه أضيق من الفسحة تلك أو بسبب صناعته المحكمة حيث لا ثقوب ولا فتحات فيه ليتسرب منها الضوضاء وربما من غيرقصد جعلني أشعر بالراحة مما يدل على أن براعة صانعي القطار تكمن في هذا المكان فقط من ناحية الراحة .

تدحرجت من أعماق ذاكرتي الكثير من المواقف والحكايات وهمست بأذني كل الاصوات التي تجادلت معها وأنا أحملق بالمرآة وأدقق في تعابير وجهي حتى أنني غمغمت مع نفسي بنبرة حزينة :” ماهذا الوابل من الشّيب الذي بدأ يشق طريقه في رأسي وشاربي ؟ ! ” لم يُجب على تساؤلي إلا طرقات هادئة وصوت عاصف يقول:” هناك من ينتظر في الخارج.” غادرت الحمّام دون أن أتم تفحّص وجهي بدقة لأرى مافعلت به الحرب في عامها السابع .

بلغت الممر لأجد صديقي وهو في جدل بدا ساخنا , وغير معبر عن وجهة نظر, مع رجل أتسم بالخشونة والضخامة , يرتدي بدلة خاكي من قطعتين وفي يده قاطعة معدنية , عرفت أنه قاطع التذاكر الذي حظى بطريدته هذه الليلة التي لاتريد أن تنتظم بإيقاع آخر . لكنني رأيت صديقي يصرخ بأذن الفاحص : ” إن أعترضت جسدي فأنك لن تعترض روحي ” وكأنه يجيبني على سؤالي الذي سألته منذ دقائق . ومن يرى صديقي في تلك اللحظة يعرف في الحال أنه الطرف الاول في المشادة الكلامية مع ذلك الرجل , بينما الشرطي الذي يرافقه لم يكن يمتلك النية ولا الأمر لاقتياده , بل كان يردد : ” حسنآ , حسنآ فلتأت الشرطة العسكرية لتحلّ النزاع . “أما فاحص التذاكر فقد نطق آخر كلمتين لديه:” سترى الأمر وستشم رائحة جسدك وروحك المرتبطة به. “

بقيت واقفآ وأنا أراقب موقفين الأول لصاحبي الذي رأيت فيه أنه كمن يضع أصبعه في ثقب باب يرجو فتحه , أما الموقف الثاني فيتمثل في رأي فاحص التذاكر وهو تنفيذ حكم الحاكم ولكن بأسلوب الحاكم نفسه مما يبرز التناقض وهذا شأن الحرب نفسها إذ تنكشف تحت جناحها الكثير من الاخلاقيات والطبيعة الانسانية بفعل صراع الإرادتين المتحاربتين لغرض إعادة ترتيب التاريخ من جهة والثقافة من جهة آخرى .

ظل صديقي واقفآ لأكثر من خمس دقائق حائرآ ثم أندفع نحو الفاحص يسأله :” لو أنا كما تظن لرأيتني واقفا في تلك الفسحة , لكنني …” إلا أن الرجل خطا مبتعدآ وهو ينقر بالقاطعة المعدنية جدار العربة من دون أن يولي اهتمامه للعذر الذي نطق به صديقي , بل راح محذرآ وهو يردد : ” تعقل أيها الجندي فهذا ليس مقامك . ثم أضاف: لا تصنع من خطيئتك عملا دراميا .”

كانت برودة الطقس في العربة تقلل من انبعاث رائحة الأجساد التي ما أن تسمع صيحات القطار ونقرات القاطعة حتى تنهض مذعورة. وقبل أن يكرر صديقي عذره أخذ الفاحص بترديد عبارة أخرى :” هذه الاماكن لاتليق بك وإلا ستكون ميتتك سهلة . تنحى صديقي يائسآ وأخذ يرمق الفاحص بنظرات واهنة فرأيت أن الفتّ انتباهه. فذهبت لأعترض طريقه , وبسرعة شققت طريقي من بين أكتاف الجنود وهم يرا قبون المشهد بصمت ووداعة حتى بلغته فأمسكت بيده وقلت :” عذرآ … ياأستاذ , على الرغم من أن الأمر لايعنيني ولكن أتسمح لي وله بالصعود فوق سقف العربة من دون أن يرانا أحد ؟ وأظن أن المسألة ستنتهي .” ألتفت اليّ ليقول بصوت جاف :” ماذا تقول يابطل ؟! تريد أن تخرج صاحبك من ذنب الى آخر يجد فيه طمأنينته ؟ !”

لم تتح لي فرصة أخرى سوى متابعة الكلام معه لكي أترك لصديقي الوقت الكافي ليتدبر أمره , إذ بعد قليل ستأتي الشرطة العسكرية ويكتشف أمره .” ياللذلة والخذلان من هذه المواقف ويا لهذه العربة التي تشبه القبر سوى أنها مضاءة بشكل يتناسب مع محنة صديقي” حدثت نفسي قبل أن أحول نظري نحوه ثانية لأقول له :” لكن يجدر أن تعرف ما وراء قولي ياأستاذ , ثم أن صديقي هذا لم يعرف كيف تسير الامور داخل القطار , ولو نستطيع الخروج من ثقب واحد في هذا القطار لفعلنا ذلك الآن , ثم أننا نحيي فيك هذه الروح المسؤولة والمدافعة عن الكرامة .” وفجأة أدركت أن المحطة التالية قريبة فأسرعت قائلا :” سننزل في هذه المحطة إذا شئت و ….” قاطعني الفاحص بأشارة أنتظار من يده ثم أطلّ ببصره فوق هامات الجنود مشرأبآ فعرفت أنه يترقب ظهور ذوي القبعات الحمر في مسرح العربة , ثم قال بصوت هاديّ غير مبال وفي عينيه الصغيرتين عنجهية وهي تحملق بي : ” هذا ماتريده أنت وصاحبك وليس أنا ” .

وقفت كأنني أنتظر أن يقفز الضوء الاخضر في ساحة عبور وأنا أحدق في عينيه وقد بدت كالاسفلت فاجتذبت شهيقا عميقا وأنا مندهش عما يحصل وقلت له : ” طب نفسآ فأن الله مع المظلوم ” . هزّ الفاحص يديه ووضع عينيه في عينيّ قائلآ : ” لاتذم الباطل وتأتي بمثله ” كأنه يريد دفع التهمة عن نفسه , فشعرت بأنني أخوض معركة تافهه في هذا العالم الذي تعبث به ريح الكراهية مع واحد ممن لايفقه شيئآ من الحوار سوى”أللهاث وأبراز شبكة العروق في هامته ” كما يقول سان جون بيرس واصفآ حصانه .

لكن ماذا يمكنني أن أفعل وسط همهمة الجنود ووجوههم الشاحبة التي تدور بها رقابهم المجتمعة في عربة القطار الجوفاء نحو وجه صديقي الذي مافتئت الوانه تتغير بين انفعالاته وردود أفعاله وهو في مرمى مسؤول مستبد صغير ومتوهم بنفسه , وفي ليل سجى على جميع الحقول والهضاب فبدت كأنها تسبح في نور القمر الباهت من خلل زجاج نوافذ العربة الكبيرة .

لم أفكر بالاستسلام, بل أظهرت له وجها آخر فأجبته: “نعم, هذا صحيح.” وحولت أنتباهه نحو مجموعة الرجال وقلت : “أخواني , الاستاذ فاحص التذاكر يطلب منكم أبراز تذاكركم من أجل التحقق منها . “

وفجأة نهض رجل من بينهم موجهآ كلامه اليه قائلآ : ” إذا جلست بين الرجال فتحدث معهم وإذا ولّيت عليهم فأمرهم فأن أساءوا فأحسن اليهم ولاتترفع عن معايبهم وهذا أصدق ماعندي لك ياأستاذ . ” وقع قول ذلك الرجل موقعآ بدا مؤثرآ في قلب الفاحص فقال بعد أن تملكه مايشبه الاضطراب وهوينظر الى صديقي بتبرم : ” حتى الله يعاقب على الخطيئة الصغيرة فكيف بصديقك الهارب من ال … ” ثم صمت وأردف يقول وعينيه لم تفارق عيني : ” ماهؤلاء إلا مهرجين جدد قد أعاروا أنفسهم طبيعة الخيانة فلا ينصت اليهم سوى سقيم العقل والفؤاد , لذا فأن تفريقكم غاية في الفخر وماأحسن أن تفرّق النخالة عن الدقيق الناصع البياض . “

بددت أقوال الفاحص كل مايخطر على البال فشعرت أن هذه المحنة لن تزول حتى عند وصول القطار الى المحطة التالية فتملكني غضب من نوع لايحتوي على مخالب نسر فرغبت أن يكون فيه نهاية الأمر قبل أن ينتهي زحف الليل نحو الصباح . ودون أن أنظر في عينيه قلت له: ” حتى الله ينهي مايصيب الأنسان من ضرّ , أما أنت فتحرص على عدم الإساءة للحرب , وأعلم يا أستاذ أننا أيضا لا نفخر بما تقول ولن ترانا في عربتك هذه بعد الآن . “

أمسكت بيد صديقي وأنا أشق الطريق أمامه نحو العربة الأخرى قبل وصول الشرطة العسكرية . بعد خطوات شعرنا بأن القطار أقتضى التضاد مع فاحص التذاكر, فبدأ يأخذه الوهن وكأن قوة عظيمة جعلته يبطيء من حركته حتى توقف مقهورآ بأنفاس متقطعة وصرخات حادة متقطعة وسط سكون المحطة المعتمة ليقذف بنا إلى الخارج . غادرنا القطار وكل شيء فيه , حتى الرائحة المؤلفة من التبغ المحروق والاجساد المكتظة ولكن بعد مقاومة دامت أكثر من ثلاث ساعات لنجد أنفسنا خارجه وكأننا مخلوقات أخرى .

بعد أنتهاء الحرب ومرور السنين العجاف بدأت حملة تأهيل المدارس وتشجير المدينة وبناء دار جديد للعدالة فيها وبدأ يوم آخر جديد رأيت فيه صديقي في طابور طويل ومزدحم , ليس لتوزيع مواد غسيل , بل لتجديد هويات الاحوال المدنية . جذبته من ذراعه بشدة وقلت له : ” أيها الهارب , أي قطار تركب هذه المرة ؟ ! ” التفت اليّ وأطلق ضحكات عالية ثم فجأة بكى ليضمني بذراعيه حتى بكيت معه وهو يقول : ” لقد أمّن الله حياتي من الفزع ذات يوم على يدك , فليغفر الله ذنوبك . ” خرج من الطابور وهو يقول : ” أتذكر يوم التقينا في المحطة وها نحن الآن نلتقي ثانية بعد تلك السنين التي نزفت كراهية وحزنآ ! ” نعم يا “عزيز” أذكر أنها أقتلعت زهرة شبابنا وأطفأت رحيقه , كيف أنسى تلك الذكريات ! قلت له ثم أردفت : ” على أية حال فقد وقع كل شيء فريسة تحت مخالب آياد مجنونة وها نحن نعاني عند تذكرها . “

أبتسم عزيز وقال : ” وألآن سأصل اليك ماأنقطع عنك , فقد رأيت في يوم صيفي لاهب وأنا في طريقي الى مجمّع الأطباء رجلآ يفترش أمامه سجادة صغيرة بالية أنتشرت عليها أوراق نقدية فئة صغيرة وحول صحن برونزي في وسطه نقوش طلّسمية وأحجار غريبة وخواتم .لم أميّز وجهه في باديء ألأمر لكنني تعرّفت على صوته ونظرات عينيه , فوقفت ساكنآ أمامه أتطلع في وجههه المسنّ المتغضّن وقد أرهقته شمس النهار وهو يردد : ” خواتم وأحجار كريمة “.

كان النهار يخرج عرباته من أبواب المدينة البائسة فبدت سطوح الأحجار تتلامع تحت خيوط الشمس الغاربة , فدنوت هامسآ في أذنه بصوت تمثيلي : ” أنهض أيها الجندي فهذا ليس مكانك . ” رفع الرجل رأسه نحوي بحركة بطيئة فرأيت أرتجاف جفنيه وأمتلاء عينيه بخيط أحمر شاحب لقرص الشمس الغارق أسفل الأفق , ثم أرتعدت يداه , ربما بسبب الهمس الخفيض الذي هزّ ذاكرته بعد أنقضاء صخب المدينة ووطأة أقدام المارّة فوق الجسر .

حينما عدّل هيئته , عدت لأقول له بصوت ميلودي مسموع هذه المرة : ” هذه الأماكن لاتليق بك أيها البطل وإلا ستكون ميتتك سهلة . ” تعمدت أن أضيف شيئآ على عبارته من دون أن يختلّ إيقاعها في أذنه . أطلق الرجل بكاء مكتومآ وأخذ يجذب يدي وهو يقول بصوت كسير ورأسه يتمايل : ” أنا رهن حكمك فأحمني من العار الذي سيلحقني . ” فقلت له : ” ويلك أيها المتجبر الصغير , أعلم أن فينا من لاينظر الى قبحك , بل الى الخير الذي تفعل . ” ثم سحبت يدي من بين أنامله تاركآ عينيه يغمرها الغسق .

توقفت نبرة صديقي الحزينة كاشفا عن حادثة قذفتها علينا مركبة جياد هائجة في زمن اعتباطي ثم أغلق أجفانه.

مقالات اخري للكاتب

أخر الاخبار

كتابات الثقافية

عطر الكتب