24 يوليو، 2024 6:56 م
Search
Close this search box.

متاهة سرير الإنعاش

Facebook
Twitter
LinkedIn

تخليتُ عن فكرةِ تحليل القرين حين أراد وايتهيد تقريض الحواف العليا للهوامش مقابل بقاء نصف الموجودات في النموذج ، وبدأتُ بشيء من الخوف أن لا أصلَ لنتائج مريحة، فليس بإستطاعتي على سبيل المثال تحفيز كافة الفوارز وجعلها تسلك سلوكا إنفتاحياً، لذلك بدأت الأفكارُ تغزو بعضَها البعض  ،وقد تيقنتُ أنَ كُلَّ شيء سيتم خارجَ إرادتي ،بما في ذلك تَشابُه الأشياءُ الضالة وإيجاد طرق صالحة كي تسلك بوعي غير متكامل عبرَ سنينٍ فُقدت في مياه الصرف الصحي والنصف الآخر في معامل إنتاج الطابوق  ،تحركتُ ذهنيا عبر روائح النفط الأسود، وأيقنتُ تماماً أن لا شكَ بتلك المحدودية المكانية  بانتظار أن أقرأ اسماً لباص  وأن أسمعَ صوتاً لعجلات قِطار وأن تهمسَ ورائي العربات التي تقودها الحمير  وإناء الشاي الذي يتكرر على الطاولة ، أن تهمس ورائيَ امرأةٌ تصورتُ خلقها قبل عامٍ من ولادتي، لذلك كان لابد من البقاء في محدوديتي تلك وتفضيل الانتظار على رؤيا البعض دون الكل في الوقت الذي بدأت الأشياءُ التي خارج إرادتي بدأت بالتفاعل وإنتاج بُنيتها ثم البدء بتسليط مصادرَها الذهنية والفلسفية على مَغزى وجوديَ كموديلٍ عارضٍ لأسمال الحياة، وقد وَفرَ الهدوءُ المعاكسُ للتشويش فيما بعد قدراً من الاستجاباتِ المطلوبة بدءاً بتذَكُّري لتاريخ الحالة وسريرَ الإِنعاش
 وما تيسرَ لي سماعه عن البُنى العُلوية والبُنى الوسطية حين قال لي زميلُ سريري بعد أن نقلنا بعربات تجرها الحمير الى مشقى الأوهام العقلية:
 لابد من تقديس أمراضنا كي تسمعنا جيدا.
وقال زميلنا الآخر:
قد تكون هناك متاهة يُصممُها البشرُ أنفسهم..ولما وجدتُ نفسي قد وقفت حيال موقفين قلت لهم:لابد أن نزرعَ حصىً بيضاءَ تأكلُها العصافير..
كانت الأيام تتوالى حين سبقتُ هؤلاء الخروج من المشفى مصطحبا معي الفصل الآخير من تداعي أوجه الظن لوايتهيد ،  وكنت كل يوم أقف أمام البوابة الخارجية انتظاراً لخروج زملاء لي أو التودد لحارسها للولوج حديقة المشفى كي أقرأ ما يتركوه لي من رسائلَ على الأشجار وكنت في كل مرة أخرجُ ببعضَ الأفكار التي أضعها رسما فوق المائدة التي تنتظرني دون أن أمُسَ بالوصف خصوصية مقاعد النزلاء أو أصواتهم لكن حركاتهم كانت حافزاً لي  ان أنتظر وقوفا أو جلوساً لاضير كي  أقرأَ رقما لباص  أو أسمع صوتا لعجلات قطار ،وهمسا لامرأة تصورتُ خلقها قبل عام من ولادتي، ولم يكن بالغريب أن أخرج  في العام 1966من المشفى بنصف ذاكرة وأتأمل قطع الثلج في دروب المدينة أو آتي بمعطف صاحب الملجأ إلى الطبيب داغوبر وقد كان تموز في منتصفهِ بعد أن بحثت في الهواء عن نَصٍ مفقود ورأس لا يهتز عند المفاجآت.
قال داغوبر:
أفضل شيء أن يكون هناك شيء..أن لاتراه لكنك تعتقده ، وتتقبل الجنون من أجله ،
وقد شجعنا ذلك أن نعيد اللعب والهواء ونتعلق بحبالنا السرية التي لا يراها أحدٌ غيرنا ونرى عالمَنا الحقيقيَ خارج مألوف ملابسنا البيضاء ولحانا الطويلة وكآبتنا الضاحكة ونحن نمسك ببعضنا البعض ونقلدُ سيرَ القطار وأصواته ولعل معطيات الوعي لدينا تتحمل ما يراه الأصحاءُ نقصاً فينا بالإضافة لهزالة أفعالنا الفيزيائية وقد كان القرينُ قد ترك لي على شجرته (من ليلة سوداء وبيضاء) وبحث عن تفسير ذلك في الكلمات التي لا تُرى والمنقوشة على صندوق فاطمة وساعة عبد المجيد حيث أوصلانيَ ضمناً لشرح المعنى لـ ليلة سوداء وبيضاء أوصلانيَ إلى:
المزيد من الرماد في النار،
 وإلى عصرٍ واطئ تحت البرق
  وبدأ الخوفُ من الخوفِ يصل لنتائج مريحة أتى بعضها من الأرضية العارية والبعض من الحارس الذي أُغلقت وراءَه الأبوابُ بلا رجوع والبعض من الطبيب نفسه حين قال:
الليلة النجوم كالطابوق ،والهواء كالنفط الأسود ،

وبدأت كلُ تلك الأشياء التي تحيط بنا ساذجةً وتافهةً بما فيها من نراهم من العقلاء لأننا جميعا لم نعد سوى موديلات لعرض أسمال الحياة وأن الأشياء الثمينة نحنُ في تيّهٍ عنها.
[email protected]

مقالات اخري للكاتب

أخر الاخبار

كتابات الثقافية

عطر الكتب