24 مايو، 2024 1:51 م
Search
Close this search box.

غرق في مستنقع دائرة المرور

Facebook
Twitter
LinkedIn

الصديق وقت الضيق ، هذه الحكمة لم تنفع اليوم في إدراك صديقي الذي غرق في مستنقع دوائر المرور العراقية .
حيث ابتدأ يومه بالدخول إلى معمل مشروع مرور إحدى المحافظات الجنوبية في الساعة التاسعة صباحا ، وخرج من الدائرة الإدارية للمرور التي تقع في منطقة أخرى من المدينة في الساعة الثانية ظهرا .
فهو بعد جهد جهيد عثر على واسطة تخبره أين غرق كتابه الرسمي الذي اتمه قبل سنة من المصرف الحكومي الذي اقرضه لشراء سيارة ، وبعد تسديد كامل ما في ذمته من مديونية قام بتحريك كتاب رفع الحجز عن المركبة .
وكان صديقي يتصور بخيال شاعر أن كتابه سيتحرك في الدوائر الحكومية بانسيابية ، إذ هو أدى ما عليه من مال ، وعلى الجهة التي قامت بالحجز أن ترفع اشارتها كما وضعتها رغماً عنه .
لكنّ الحقيقة أن صديقي كان حالماً كما فتاة . فالكتاب لم يصل إلى مركز تكنولوجيا المعلومات في مديرية المرور العامة في العاصمة ، ولم يصل إلى دائرة المرور التي تم تسجيل المركبة فيها في بغداد . إذ ظهر بعد انقضاء سنة على خروج الكتاب الرسمي من المصرف أن على صديقي مراجعة جميع شعب المرور في محافظته ، ودفع الرسم ، والاستنساخ والطباعة وكتابنا وكتابكم ودمتم للنضال . ثم تتم مخاطبة بغداد .
وبعد أن ارشده ( الواسطة ) إلى أن كتابه علق في بحر البيروقراطية في الشعبة القانونية لمديرية محافظته ، ذهب إلى دائرة معمل مشروع المرور ، ليراجع :
١ – حاسبة الإشارات
٢ – حاسبة السرقات
٣ – مدير الموقع للتهميش
٤ – حاسبة العائديات
٥ – العودة للواسطة للاسترشاد
٦ – الرجوع للشعبة القانونية للحصول على الكتاب الاصلي . في الدائرة الإدارية التي لا تصلح كخربة ، ولا تحترم حتى وجود منتسبيها فيها لما تعانيه من تهالك ، فضلاً عن احترام مراجعيها الذين يعانون الوقوف الطويل في الحر والبرد .
٧ – الرجوع للمعمل للعائديات وحاسبتها التي انتظر عندها ما يقارب الساعتين ، لعدم وجود إشارة انترنت لديهم ، ثم اكتشفوا بعد هذا الإنتظار المجهد أن المركبة غير مسجلة لديهم
٨ – الرسم
٩ – الرجوع للواسطة للتدخل ومعرفة من عليه مخاطبة بغداد
١٠ – الرجوع للشعبة القانونية في الدائرة الإدارية
١١ – الاكتتاب
١٢ – الاستنساخ
١٣ – الختم والتهميش من ضابط في الموقع
١٤ – الاستنساخ
١٥ – الختم والتوقيع من المدير
١٦ – الاستنساخ
١٧ – الصادرة
١٨ – الشعبة القانونية
١٩ – الرجوع للمعمل في مكان آخر

وكل ذلك في طوابير من الانتظار ، والحر ، والاختلاط وسط تفشي الوباء . وكل تفصيل وكل توقيع وكل تهميش على صديقي أن يراجع به بنفسه ، بين الغرف ، وبين البنايات ، وبين المناطق . وكان العشرات من المعوقين وكبار السن والنساء يعانون كل ذلك مع ذلك الصديق وأكثر .
ليحصل في آخر الأمر على كتاب إلى مديرية المرور العامة في بغداد بأن دائرة محافظته تلقت كتاب رفع الحجز من المصرف المقرض ، وأنها لا مانع لديها من تحريك معاملته في العاصمة . بمعنى أنها في الحقيقة لم تبدأ بعد ! . وأن كل هذا الجهد في الحقيقة لإرفاق كتاب رفع الحجز في بريدهم إلى العاصمة .
فيما أن مثل هذه المعاملة لا تحتاج سوى إشارة إلكترونية من المصرف ذاته إلى دائرة تسجيل السيارة ، والاحتفاظ بنسخة من الكتاب بريدية في أي مديرية مرور .
في كردستان تتم معاملة تسجيل ونقل ملكية واستلام لوحات السيارة في ثلاث ساعات فقط ، وفي تركيا تتم المعاملات المرورية على طاولة رجل مرور واحد خلال عشرة دقائق . فأما تكون تلك الدوائر غير قانونية وغير واقعية ، وأما تكون مديريات المرور في الوسط والجنوب العراقي تعاني بيروقراطية ثقيلة عتيقة ، لعقول إدارية مريضة نفسيا .
إن المنطق يحكم بكفاية إتمام معاملة نقل ملكية السيارة بمجرد إقرار البائع بحضور المشتري أمام ضابطين في ورقة رسمية ببصمته وتوقيعه ببيعها ، فيتم استيفاء الرسم والضريبة من قبل ذات الضابط ، وإصدار ورقة ملكية المركبة . ثم تكون كل الإجراءات اللاحقة من مسؤولية الضباط في مديرية المرور ذاتها . من خلال جملة ( بناءً على الإقرار … ) . لا أن يكون المواطن عرضة للابتزاز والإهانة والإذلال .
إن هذه الدائرة مثال واحد فقط من أمثلة لا تنتهي للبيروقراطية التي انقرضت من بلدان كثيرة ، وبقيت في العراق كجزء من موروث العقول العسكرية والإدارية القديمة التي عاشت وتعلمت في منظومة صدام حسين المتخلفة ، التي تفكّر بطرق مقلوبة ، ترتكز على مفهوم إخلاء مسؤولية الدائرة من اي مساءلة قد تطالها قبل أن تفكر أنها موجودة لتنظيم حياة المواطن العراقي ، وأنها تأخذ أجوراً من ثروات الشعب العراقي مقابل تسهيل حياته وتبسيط الإجراءات الكفيلة بذلك .
ومع كل قرار يصدر لتفكيك هذا التعقيد البيروقراطي يزداد الأمر تعقيداً في الحقيقة ، نتيجة هذا الكم الموروث من الفكر الاداري المغلوط .
لهذا كله يجب قلع هذه المنظومات من الأساس والجذور المتعفنة ، ثم عرض منظومات إدارية مستوردة من دول تحترم مواطنيها ، لا الدول التي يرتع فيها الفساد .

مقالات اخري للكاتب

أخر الاخبار

كتابات الثقافية

عطر الكتب