22 مايو، 2024 8:40 م
Search
Close this search box.

عن اصطراع التكامل الروائي في مقالة الدكتور فالح عبد الجبار..

Facebook
Twitter
LinkedIn

قرأت في جريدة الحياة السعودية يوم 1 – 4 – 2017  مقالة كتبها الصديق الدكتور فالح عبد الجبار عن قضية ادبية عمرها ربع قرن، تتعلق ببعض معاني الأمانة في الكتابة الروائية ، موصولة بواحدة من كتابات الصديق  الروائي السعودي الدكتور عبد الرحمن منيف.

تعدت المقالة قدرة بعض قراء الفيسبوك على احتمال ضغط (المعلومة) الواردة فيها ، خاصة ان المقالة حملت عنواناً مثيراً ( مذكرات السجين العراقي حيدر الشيخ علي ينتحلها عبد الرحمن منيف ويسقط الاسم ). العنوان كشف  غرضاً  ما فوق الحيادية الصحفية ، فــ(الانتحال)  يعني  (السرقة).. فهل من الاصالة الموضوعية ان نجعل جيل قراء الروائي عبد الرحمن منيف بحال مرتبك..؟ هل نجعله واقفا عند الماضي بقدر من حال الشك بالمستقبل ..؟

لا ادري هل (العنوان الصحفي) من اختيار فالح عبد الجبار أم انه من صياغة محرر الجريدة، التي من سجيتها انها تحمل عداء معروفا قديما لكاتب سعودي الجنسية حدد في ثمانينات القرن الماضي تحليلا ،مادياً، اساسياً،   اعتبره الساسة السعوديون تجاوزا على المملكة العربية السعودية ، حين كتب واصدر خماسيته التاريخية  عن ظواهر ونشوء وصراع وتطور دولة افتراضية سماها (مدن الملح) لم تظهر بسبب تطور تاريخي، بل بسبب انفجار الثروة النفطية من اعماق ارضها بيد التكنولوجيا الامريكية .

غلب على مقالة الدكتور فالح عبد الجبار بعض الابهام والغموض والتشابك والتركيب والتعقيد، مما اثار الكثير من التعليقات الحادة،  من قبل قراء الفيسبوك. جاء بمقالته في الصحيفة السعودية عن رواية منيف المعنونة (الآن ..هنا..) : ( لكن الرواية كما مقدمة ونوس خلت من أي اشارة الى صاحبها ، صحيح ان مكان وزمان الحوادث ألغيا تماما ،  في اطار ترميز فني او تهرب من الواقع ، الا ان حيدر ، شأني انا ، اصيب بما يشبه الصدمة بسبب اغفال ذكر مصدر القصة الذي اخذ في شكل نصي . ما السبب في إلباس هوية البطل طاقية اخفاء او اغفال المصدر هل هو اعتقاد بان من حق الروائي اخذ كل ما يصادفه ، نوع من الاعتقاد بامتلاك الاشياء بمجرد ان يقع بصر المرء عليها ؟ ام الاعتقاد بان تحرير المادة فنيا يلغي حق انتسابها الى اخر ام هو  اغفال غير مقصود .؟ ام هو اقصاء لهوية الشيوعي بدافع تحزب ايديولوجي..؟).

اسئلة كثيرة تحتاج الى اجوبة . اجد ضرورة الاجابة على سؤال واحد يتعلق بموقف عبد الرحمن منيف من احتمال اقصاء اسم حيدر الشيخ علي بسبب ايديولوجيته الشيوعية.  من خلال علاقتي بمنيف ما وجدته حساسا ازاء الشيوعيين في أي بلد عربي بل ان صداقاته ممتدة مع كثير من الشيوعيين العرب بما فيهم صداقته مع شيوعي سعودي زوده بكثير من المعلومات عن نجد والحجاز وعن اللهجات المحلية وغيرها . يمكنني الاشارة ، هنا،  انه اصدر كتابا فنيا –  دراسيا بعنوان (جبر علوان موسيقى الالوان)   عام 2000 أي بعد حوالي 10 سنوات من رواية (الان.. هنا) والكل يعرف ان الفنان التشكيلي جبر علوان هو عضو في الحزب الشيوعي العراقي.

بعض قراء مقالة الدكتور فالح  وقف معه وبعضهم وقف ضده.  بمعنى ان بعضهم وجد خطرا على سمعة الروائي عبد الرحمن منيف وان بعضهم عبر او نبه الى احتمال حدوث (سرقة ادبية) والسارق هنا هو عبد الرحمن منيف، بينما   المعروف ان منيف  لم يبتعد عن منطق التاريخ وفق رؤاه وتجاربه وعلى وفق نمو  اساليبه الروائية، التي يجد فيها ملاذا واعيا من الافكار والنظريات اعتماداً على التفاعلية  التقدمية.

تعدّى حال التعليقات طبيعة الواقع الروائي ليصل الى طعن السيرة الذاتية إذ   وجدتُ بعضها قد أساء  اساءة غير مرتقبة الى الروائي عبد الرحمن منيف و احدث نوعا من قلق الموقف منه ومن انجازاته الروائية ، حتى ان بعضهم وصف منيف بالطائفية، بينما كانت  اعماله وسلوكياته  وأفكاره وصفاته معروفة بعهدة العلمانية . كما أنه استفاد من بعض معطيات النظرية الماركسية في العلاقة بين التحرك المادي وتأثيره على التحرك الروحي في خماسية مدن الملح ، كما كنت قد اشرت الى ذلك بمقالتي النقدية في جريدة الرأي الاردنية عام 1997 .

في هذا الشأن اجد نفسي باحثا عن موقفٍ سليم في التصدي لقضية ادبية – روائية آخذا من حكمة مداخلة (الشاعر عبد الزهرة زكي)  الداعية الى رؤية القضية المثارة من دون التعدي على أي احتمالات او ممكنات الكاتب الروائي  عبد الرحمن منيف او الباحث الاجتماعي الدكتور فالح عبد الجبار.

صار هناك قلق واضح، قلق فردي، تحوّل الى قلق عام، مبعثه عدم الثقة بما نقرأ أو بمن نقرأ لهم من الكتاب.

القلق دفع البعض من الواعين ومنهم الشاعر عبد الزهرة زكي الى نشر مداخلة على الفيسبوك حملت شعوراً نبيلاً ضد تحوّل بعض القراء الى دعاة تكبيل واضطهاد الكاتب فالح عبد الجبار، كما أن بعضهم الآخر كبّل واضطهد  المكتوب عنه عبد الرحمن منيف، وما بينهما من (ازمة البطولة) تتعلق بالمناضل حيدر الشيخ علي ودوره في رواية منيف المعروفة باسم (الآن .. هنا ..) المنشورة عام 1991 .

علّة روائية معينة ومحدودة اثارت قلقاً عميقاً عن قدرات وامانة عبد الرحمن منيف واتهامه بـ(السرقة) وهو مبدع الكتابة  الضخمة في العالم العربي، بالغاً بها مدى عالميا ، ايضاً.  بعض قراء الفيسبوك لم يحكم عقلاً واعيا فساس وأوجد ، بقلمه،  نصف المشكلة.

المشكلة كما يبدو قديمة  لم تبحث سابقا حين كان (المتهم) حيا يرزق لكنها تفجرت ، الآن ،   بعد ان اصبح طرفها (المتهم) مخلوقا تحت التراب . أثيرت مشكلة قديمة  بالوقت الثقافي العربي الحاضر المشحون بصراع العقائد والافكار والسياسات والغرائز والاهواء والاغراض واختلاط العموميات بالخصوصيات وغير ذلك من السلبيات الثقافية .

المشكلة المثارة في جريدة الحياة تعاني من ضآلة قيمتها،  خاصة بعد مرور ربع قرن عليها. ملخصها ان الروائي عبد الرحمن منيف حمّل الفصل  الثاني من روايته (الآن ..هنا)  مضمونا مسجلا على عشرة كاسيتات بصوت المناضل العراقي حيدر الشيخ علي، عن معاناته، كسجين سياسي في سجون ايران، خلال ثمانينات القرن الماضي، كان الدكتور فالح عبد الجبار قد وضعها بيد الروائي عبد الرحمن منيف للاستفادة منها روائياً.

حين ظهر بعض محتوى الكاسيتات في الفصل الثاني من الرواية لم يعترض أحد على ذلك ، كما يبدو ، لكن بعد مرور ربع قرن على صدورها ظهر اعتراض من نوع ما ،بشكل ما واعتبر هذا الظهور (سرقة ادبية) أو (سرقة روائية)  مارسها منيف.

لا بد هنا من الدخول الواعي الى بعض صفات عبد الرحمن منيف من الناحية الروائية حيث ظهر لديه الاكتفاء الروائي الذاتي منذ اول عمل من  اعماله. منيف  واسع المخيال الروائي ، قدير بالصياغة الروائية من دون حاجته الى مغامرة السرقة.

حين صدرت رواية شرق المتوسط عام 1975 كشف فيها خلقا حيويا لمعاناة بطلها في السجون والتعذيب وجدته عميقا في الوصف والتحرير سألته، أنذاك ،  عن سيرته الذاتية بالاعتقال والسجون والتعذيب فأجاب مبتسماً:  انه لم يعتقل ولا ليوم واحد ولم يعذب ولا لدقيقة واحدة .

كان عقله الروائي قادراً على ان يجسد ادق المسائل واعمقها وتوصيل ممكناتها الى القارئ.  كانت نفسه المسترقة الى المعلومات جعلته يتصف بصفات (الاصغاء الى الآخر) اكثر من احتكار الحديث الطويل المكرر.  اقول هنا انني وجدت الصديق عبد الرحمن منيف غزير المعرفة ،غزير القدرة على الابتداع والحبكة ،غزير الثقة بخياله، يكاد ان يكون عقلا وشعورا ملتهبا، في كل لحظة ، مما مكنه من انتاج ادب روائي مثالي الرؤى والصياغة بأكثره الغالب على وفق نهج منتظم في الكتابة الروائية التاريخية عن مجتمع والده السعودي في (خماسية مدن الملح) وعن مجتمع والدته العراقية في (ثلاثية ارض السواد) متفوقا في مجالات الفنون الروائية التاريخية على نجيب محفوظ وعلى جرجي زيدان.   هذه الامكانية، هذه الفاعلية، هذه المسؤولية، لا تجعله بحاجة الى سرقة فصل من فصول روايته (الان هنا)..

لا شك ان الكاتب  الروائي – أي روائي – قد يجد نفسه في كثير من الحالات والاحيان انه لا يكتفي بممكناته الخاصة من الرؤية او المعلوماتية فيتوجه  الى ممارسة حق التقصي والابداع، حق  المشاهدة والسماع والقراءة واجتزاء حالات ومواقف ومشاهدات وسماعيات وقراءات ،مستفيدا منها بما يسند وقائع اصوليته الروائية.

انا لم اقرا الرواية ولم اسمع الكاسيتات،  لكنني اصدق ما ارساه الدكتور فالح عبد الجبار، الذي اثق بصدقيته عموما و بصدق معلوماته عن الكاسيتات بالذات. هذا الرجل  بمستوى باحث أكاديمي – مفكر يجمع مختلف عناصر التقدمية في فكره وسلوكه وهو لا يمكن ان يكون خالقا لقضية او مشكلة في ممكنات عبد الرحمن منيف باستخدام  الكاسيتات في صياغة واقعة او وقائع كان المناضل حيدر الشيخ علي قد سطرها صوتيا فيها.

هنا يمكن السؤال: اين العلة.. اين الخطأ في سلوك الروائي.. اين الضلال في الرواية..!؟

سؤال آخر: اين العلة المتعلقة بحقوق المناضل حيدر..

هل هناك نقص او خطأ  في قيام الدكتور فالح عبد الجبار عند  تسليمه الكاسيتات الى الدكتور عبد الرحمن منيف ..؟ هل تم الاتفاق بينهما على شكل استخدام المعلومات وحدوده أم تم الاتفاق بينهما على حرية استخدامها في الرواية كما يراها الروائي..؟  هل تم اشتراط ادخال اسم حيدر بطلا او شاهدا ام مجرد شخصية متحدثة بالرواية..؟

خلت المقالة، المنشورة بعد ربع قرن من زمان صدور الرواية،  من دون مرتجيات الجواب على كل هذه الاسئلة المشروعة، التي هي من قيم الوصول الى الحقيقة المنشودة.

استطيع الاجابة جازما ان ذلك لم يتم لا لان الروائي – أي روائي – لا يقبل أي شروط من الغير عند الاسترسال في كتابة الرواية ولا لأن  مقال الدكتور فالح عبد الجبار لم يشر الى ذلك ايضا ، بل الواضح تماما أنه لم يكن بين منيف وفالح أي اتفاق محدد لكن الدكتور فالح اراد ان يفيد منيف بمعلومات اضافية عن سجون دول الشرق الاوسط ومنها ايران ، بمعنى انه لم يكن هناك اتفاق محدد.

اذاً اين العلة..؟

هل من الصحيح التشبث بشيء حدث بشكل غير واضح المعالم  وغير مدون بين شخصين قبل ربع قرن ثم تحول الكاسيت مكتوبا في صفحات كتاب روائي لمؤلف ظل في الحياة بعد صدوره لمدة عقد كامل من الزمان لم يتم فيها أي عتاب او مصارحة مع الروائي لا من قبل صاحب الكاسيتات المناضل حيدر  ولا من قبل الوسيط الدكتور فالح.

من دون كل هذا نشأت ازمة ثقافية جديدة اشعل عنوانها بجريدة الحياة حريقاً عن سرقة محتملة او متصورة او مستنتجة لا يستطيع أي واحد من قراء عبد الرحمن منيف ان يستوعب غاياتها او غايات المجاوزة على الكاسيتات بعد ربع قرن من الزمان وقد غدت هذه الازمة ، ازمة سياسية وثقافية وروائية، تؤثر اجمالا على غنى مواهب الروائي منيف وعلى حيوية طاقاته الابداعية.

ليس عندي أي شك في ان فالح عبد الجبار اراد ان يكون فعله الاول  و الاخير بتسليم الكاسيتات  بالكتابة عنها ايجابيا او الدعاية  لاسم المناضل  حيدر  لكنه وجد نفسه معايشا قضية روائي صديق ربما يحتاج الى عون معلوماتي في اثناء كتابة رواية جديدة .

لكن بعد ربع قرن من زمان صدور الرواية وبعد عقد من زمان رحيل كاتبها تظهر قضية قديمة بثوب جديد . تظهر   حقيقة معينة ان بطل الفصل الثاني في رواية (الان هنا) هو حيدر الشيخ علي.  لكن النتيجة لم تخلو من مغامرة جديدة او من خطيئة جديدة اشعلتها جريدة الحياة السعودية بعد زمن غير قصير من تحول المناضل حيدر الشيخ علي من سجين قابع وراء القضبان الحديدية الايرانية الى وزير في الحكومة الكردستانية والى مواطن متقاعد يعاني من مرض نرجو له الشفاء. حالات  الوزارة والتقاعد والمرض جميعها اكبر من بعض صفحات رواية لم يكن لها صدى مدويا عن اسماء وزراء او رؤساء او زعماء او قادة،  بينما كان اسم المناضل حيدر الشيخ علي قد حقق لمعانا واضحا في كردستان العراق ربما لا يحقق مثيلا له لو ورد اسمه برواية.

اجد نفسي هنا مذكرا القراء بعض اوليات العمل الروائي المختلف كليا في اساليب كتابته عن عمل الباحث الاكاديمي:

ليس من الصواب وليس من المفروض على الكاتب الروائي ان يشير الى مصادر روايته او الى احداثها او بعض اجزائها او وقائعها إذ يكون مثل هذا الامر من مهمة القارئ الناقد .

الروائي ينتصر بالحرية المصدرية بينما الباحث  مجبر ان يقول بين سطر وآخر عن مصدر معلوماته ليكون بحثه رصينا..

نسيج الرواية – اية رواية – يختلف عن نسيج البحث العلمي – أي بحث – لان سباكة الرواية فنيا تختلف عن سباكة وحدة البحث وترسيخه علمياً..

حساب الحقيقة ووسائلها مختلف عند الروائي عما هو عند الباحث ، أولها ان الروائي يجد من حقه ان يتناول حقائق روايته منك ومني ومن كل الناس من دون ان يكون مقيدا بشيء ، على العكس من الباحث،  الذي لا يكون فوضويا في الحصول على معلوماته، كما هو الروائي الذي يقدم عرض علل الوقائع والاحداث بصورة الفن الروائي،  بينما الباحث يحقق معنى التاريخ من اختلاط علل الاحداث الدرامية وتحليلها ثم اعادة تركيبها لمعرفة وتحديد نتائجها . المقارنة أو المقاربة  مستحيلة في اساليب الباحث العلمي والكاتب الروائي ، بالرغم من انهما يسعيان  الى واقع امثل اعتمادا على حركة عميقة وعلى عملية تطورية دائمة.

عبد الرحمن منيف كائن ثقافي واع ومسؤول – كما عرفته – حسب علاقتي الشخصية الطويلة معه  .  وجدته انسانا متطلعا الى المشاركة في تطوير المعرفة العربية والتاريخ العربي والنضال العربي،  منذ ان صار شابا مستقلا منفتحا على الحرية والديمقراطية حين استقال من حزب البعث عام 1964 معلنا انه سيكون مع الانسان العربي لا فوقه ولا دونه. بنفس الوقت لم يكن منيف معصوما من تفاعل الحوادث في الامكنة والازمنة في هذه المعرفة والتاريخ والنضال  لا شك  ان منيف كأي كاتب آخر  قد يقع بخطأ او اخطاء ، كما وجدته موهناً حين قيّد نفسه ونظره بمراحل احداث الفلوجة بعد عام 2003  وهي احداث لم يتناولها منيف روائيا فجعلته ضعيف القدرة بممارسة الحرية في التعبير. كان دخوله الحر، المتسرع،  الى قضية الفلوجة وما جرى في المدينة من عقدة العنف  تحت واجهة مكافحة الاحتلال الامريكي وغيرها هذا الدخول اثقله بنتائج احداث وتطور وقائع طائفية كان عليه تجنبها في كتابته عن الفلوجة كي يبقى متحدا مع قرائه العراقيين خلقا وتطورا وكيانا .

التوكيد في هذا الشأن  صار واضحا عندما انحدرت مسيرة الفلوجة فيما بعد الى صفوف الارهاب الدولي قبل واثناء سيطرة داعش على شؤونها وهو شأن لم يتوقعه عبد الرحمن منيف .

لا ننسى ان الفن الروائي يتيح امام الكاتب الروائي امكانية ابتكار اعمال وافكار غير متوقعة،  كما بإمكانه ان يركب صورا معينة مما يشاهده او يقرأه او يسمعه،  بإمكانه ان يثلث الرؤى ويكعبها ويجردها من اصولها الواقعية بصياغاته الفنية الذاتية ، روائياً.

هكذا صار اسم حيدر الشيخ علي منفيا في الفصل الثاني من الرواية كما اعلن فالح عبد الجبار . هذا النفي لم يعترض عليه حين صدرت الرواية عام 1991 لكنه تحول الى خطوة غير منزهة في عام 2017 بل صار مطعنا في السيرة الروائية الذاتية لعبد الرحمن منيف مقابل محاولة فالح عبد الجبار ان يكون منصفا نفسه وصديقه حيدر حول عهد  ربما  كان بينهما غير انه  لم يكن بينه وبين منيف أي عهد.

في الكثير من الاحيان تهمد على الروائي كلمات او احداث تصبح نوعا من مغامرة اذا تطابقت مع الواقعية بتاريخها او تراثها كما في حالة حيدر الشيخ علي،  الذي افنى سنوات من عمره في سراديب التعذيب ، سنوات تضحية وصمود  وعاها وتخطاها بعد ان قاسى منها ثم قدمها بكاسيتات الى روائي عربي اسمه عبد الرحمن منيف تخطاها غافلا حقوق الملكية الفكرية حسب المقالة المنشورة بجريدة الحياة في الاول من نيسان عام 2017 .

لكن  لماذا لم يخطر على بال حيدر وفالح  ان رجاء او امل اعادة صياغة رواية في اللحظة الراهنة بعد رحيل عبد الرحمن منيف امر مستحيل ..؟  يعرف فالح عبد الجبار هذا الامر اكثر من غيره  – كما اظن –  ان مقالته وهبت جريدة الحياة او محررا فيها معلومة ترغب دائما ان تحرز مثلها لتقول شيئا سلبيا او هجوميا وانتقاميا ضد مؤلف (خماسية مدن الملح) حيث شربت الطبقة السعودية الحاكمة خطايا المجتمع الملعونة ،بقلم عبد الرحمن منيف ، الذي زلزل الليل السعودي المعتم تحت اقدام القادة القبليين والمنتفعين من الثروة النفطية.

من الجائز ان احدى كاسيتات السجين  حيدر الشيخ علي كانت ملهمة للكاتب عبد الرحمن منيف، منحته وثبة من وثباته الروائية  منشئاً  الفصل الثاني من الرواية ، فنياً،  مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بتجربة انسانية معينة وجد فيها فعلا من افعال الوجود الروائي، فهو ، كما معروف بأسلوبه،  يحدد عمق المواقف من افعال ومواجهات الابطال ومنهم حيدر الشيخ علي ، الذي ما وجد ضرورة الاشارة إلى أسمه لسبب من الاسباب لا يعرفه غير الكاتب نفسه.

ربما  جسدت له معلومات الكاسيتات وشائج روايته بتفاصيل زكت له بعض الحقائق، التي لم تأسره طريقة حصوله عليها ولا طريقة التصريح بمصدرها او ربما لم يتحرر من النسيان، لكن الرضا وارد بصورة ليست مباشرة في مقالة فالح عبد الجبار إذ لا توجد اية ملاحظة نقدية عن الفصل الثاني من الرواية، مما يدل ان نظام  منيف الروائي  كان عقلانيا وموضوعياً، لا يريد الارتقاء بواسطته على حساب الاخرين.

يحضرني ، الآن، نموذجان آخران من النماذج المصدرية . النموذج الاول كان ايجابيا،   واجهه الشاعر  عبد الوهاب البياتي. النموذج الثاني كان سلبياً،  واجهه الناقد  ياسين النصير.  ينتمي النموذجان الى حركة العلاقات الثقافية وبعض امثلة نهجها الحر.

حدثني الشاعر عبد الوهاب البياتي انه سمع خبراً، ذات يوم من ايام عاشوراء،  عن شخص مات ابواه وهما في طريقهما الى قبر الحسين.  قام البياتي بصياغة الخبر فناً شعرياً حديثاً فصار قصيدة نشرها في مجلة الآداب عام 1953 .. بعد عشرين سنة او اكثر التقى الشاعر البياتي  مع بطل القصيدة ، وجهاً لوجه.  هذا البطل كان سعيدا الى الحد الانساني الاقصى ، مما جعل البياتي في ذلك اليوم ان يجد نفسه بغاية السعادة . لم يقم بطل القصيدة بأي عتاب لناظمها لأنه ما اعطاه ما يستحق من ذكر اسمه وأسمي والديه ، بل استوعب محدثات القصيدة من دون شعوره بالحاجة الى نضوج او تنضيج القضية الذاتية.

بالعكس من هذا المثال حدثني الناقد ياسين النصير عن واقع صارخ مرّ به، ذات مرة ، حين وثق بأحد طلاب الدراسة الجامعية العليا بغية الحصول على درجة  الماجستير، لكنه لم يكن يستحق الثقة.

كان ياسين النصير يتفاعل لسنين طويلة مع الزمان والمكان في عالم الروائي العراقي غائب طعمة فرمان،  حين تعهد، ذات يوم  من ايام بداية سبعينات القرن الماضي،  أمام الروائي غائب طعمة فرمان – بحضور الدكتور علي جواد الطاهر وفاضل ثامر –  ان يقوم بنوع من انواع الارشفة وجمع كل ما يتعلق بروايات فرمان من تاريخ واحداث ووقائع ودراسات وابحاث ونقدات روائية.  وطّد ياسين النصير نفسه وعزمه واغنى جهده وطاقته اليومية  على البحث والانفتاح على كل ورقة فيها اجابة جذرية عن رواية من روايات فرمان ،  خاصة عن رواية (المركب) ، التي سرّ بها طالب الماجستير سرورا عظيما ، حيث تمكن  ياسين النصير  من ان يجمع اضبارة معلوماتية – دراسية لما يقرب من 200 موضوعة تتعلق بعظائم الكتابة الروائية الفرمانية.

في فترة وجود ياسين النصير في عمان الاردن عام 1994 جاءه صديقه الشاعر عدنان الصائغ العارف بأسرار وكفاءة الاضبارة الفرمانية – النصيرية  ونعمتها وعظمتها  ليعلمه انه يعرف صديقا أردنيا  من طلاب الماجستير بجامعة اربد بحاجة ماسة الى الاضبارة المذكورة .   بسبب الوشائج الثلاثة ترجى عدنان الصائغ من ياسين النصير   ان يضع الاضبارة تحت تصرف صديقه ، طالب الماجستير، لمدة محددة بالأيام ،  للاستفادة من مخزونها الكبير لرفد رسالته العلمية.

لعل ياسين النصير الواثق بنزاهة عدنان الصائغ وصدقيته التامة بأن الاضبارة ستعود اليه ، خلال ايام،  بعد ان التزم الطالب خالد المصري امامه وامام عدنان الصائغ بإعادتها .  لكن الزمن يحتمل التجريب دائما إذ ما عادت الاضبارة الغزيرة  الى صاحبها ياسين النصير . كما أهمل  الباحث خالد المصري الاشارة الى ياسين النصير،   الذي كان بجهوده الخاصة قد حمّل الاضبارة بمعارف متنوعة عن روايات غائب طعمة فرمان وفنونه الروائية،  مما يؤهّل  أي بحث او باحث الى النجاح وتحقيق معنى الفتوحات الادبية المتفوقة،  لكن  الباحث الاردني خالد المصري  لم يكن أميناً في سلوك الاصول العادلة في البحث العلمي وتوثيق المعلوماتية ، بل اعتمد  الاهمال الجائر.

ما يتعلق بفحوى الفصل الثاني من رواية (الآن.. هنا) لمؤلفها عبد الرحمن منيف كنت اتمنى ان يكتب المناضل حيدر الشيخ علي مقالة في زمن صدور رواية ( الآن ..هنا) ليعلن فيها ان احداث وانسان الفصل الثاني من الرواية هي من همومه في سجون ايران ،  مسجلة بصوته على كاسيتات،  مهداة او معارة ،  الى عبد الرحمن منيف ويمكن ان تمارس مقالة اخرى من الدكتور فالح عبد الجبار لتأكيد صدق هذه الحقيقة. كما  كان بالإمكان ان يحدث العكس،   أي يقوم الدكتور فالح بكتابة مقاله بهذا المعنى يؤيد معناها حيدر الشيخ علي. بهذا الامر يتم توثيق الفصل الثاني من الرواية وهو امر مشروع.

ارجو ان يبادر  الدكتور فالح الى محاولة توضيحية  ترتقي بوسيلة اخرى ، وسيلة منفتحة ،  تماماً،  تنشد ايضاح  الوعي والحرية وتقديم  القضية  بعيدا عن المغامرة بسمعة الروائي الكبير عبد الرحمن منيف. انا واثق كل الثقة ان الدكتور فالح عبد الجبار لا يتوانى عن كشف واقعية ما جرى متمسكا بمادية العمل الروائي في التنشئة والاشتراع والابداع والنهج.  بذلك تسود العدالة .

مقالات اخري للكاتب

أخر الاخبار

كتابات الثقافية

عطر الكتب